هل كان العرب مندفعين حين بنوا آمالاً على إسقاط النظام في إيران؟

رائد الحامد

Jan 18, 2018
قد يكون الموقف العربي غير الرسمي من الاحتجاجات الإيرانية أكثر حماسة من المواقف الرسمية، بل حتى من تلك التي تتبنى موقفا عدائيا من إيران المُتهمة بالتدخل بالشؤون الداخلية لدول عربية وأخرى خليجية، وبدعم وتمويل الإرهاب، أو كما تصفها الولايات المتحدة بأنها الراعي الأول للإرهاب في العالم. صُنّفت الاحتجاجات بادئ ذي بدء بأنها اندلعت على خلفية الظرف الاقتصادي، ومعاناة الطبقتين الوسطى والفقيرة، لكنها سرعان ما تبنت شعارات سياسية رفعت السقف عاليا للمطالبة بإسقاط حكومة الرئيس حسن روحاني، في مرحلة تعدتها للمطالبة بإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية بمؤسساته الدينية والأمنية والسياسية. بدت الاحتجاجات التي شهدتها مدن إيرانية على نطاق جغرافي واسع فرصة استثنائية للدول التي ترى نفسها ضمن دائرة الاستهداف الإيراني لدعم الحراك الإيراني بسبل متيسرة، من بينها الإعلام المُسيطر عليه. لكن دعم أي حركة احتجاجية من دون ضوابط يبدو من «شبه المحرمات» لأنظمة تتشابه في واقعها مع النظام الإيراني، القائم على القمع الأمني واستلاب الحريات والاعتقالات، من دون محاكمات لمعارضين سلميين، لمجرد الانتقاد أو الاختلاف مع الأنظمة في وجهات النظر؛ كما تتشارك شعوب تلك الأنظمة مع الشعب الإيراني في الدوافع التي استدعت الخروج إلى الشوارع وتحدي السلطة القائمة، التي تعاطت مع الاحتجاجات بأساليب قمعية مدانة، راح ضحيتها عشرات القتلى والجرحى، في ما تم اعتقال الالاف. خيبة أمل أصابت الشارع العربي بعد إعلان مسؤولين أمنيين إيرانيين، أن الاحتجاجات في طريقها إلى النهاية، بعد أقل من أسبوع على اندلاعها، في ما ظلت وسائل اعلام عربية تحاول الإبقاء على الصورة النمطية، التي تكونت لدى المتفائلين بإسقاط النظام خلال الأيام الثلاثة أو الأربعة من الاحتجاجات، من دون الإصغاء إلى تقارير أخرى بثتها قنوات غربية وأخرى غربية ناطقة باللغة العربية، أفادت بما لا يدع مجالا للشك ان هناك ثمة عملية تضخيم لما يجري في إيران، وأن هناك المزيد من التسجيلات المصورة التي تم بثها هي تسجيلات زائفة. وانتقلت الآمال والطموحات في الشارع العربي من التمني بإسقاط الحكومة الإيرانية والنظام الجمهوري الإسلامي، وهي تتوافق مع مطالب المحتجين أيضا، إلى سقف لا يعلو كثيرا عن توقعات بتخفيض ايران مستقبلا من تدخلاتها في الشؤون الداخلية للدول العربية، وتقليل حجم الدعم الذي تقدمه للقوى الحليفة في بلدان الشرق العربي، التي تعيش حالة اضطراب أمني ونزاعات مسلحة مثل العراق وسوريا واليمن. عقلانيون تبنوا مواقف أقل اندفاعا من أولئك المندفعين بحماس، وهم يأملون في إسقاط النظام الإيراني عبر حركة احتجاجية، يمكن أن يقال عنها توصيفا بأنها «هبّة» لمتذمرين لا صلة لهم بالخارج من أوضاع معيشية متراجعة تعيشها قطاعات واسعة من الشعب الإيراني. لم تستمر الحركة الاحتجاجية في مديات تصاعدية سوى بالايام الثلاثة او الأربعة الأولى حتى اخذت مسارا متراجعا، بلغ ذروته في اليوم السادس، عندما أعلن قائد الحرس الثوري الإيراني أن الاحتجاجات انتهت؛ لكن وسائل إعلام عربية وناشطون متعاطفون مع المحتجين حاولوا القفز على الواقع، مُمنين النفس باستمرارها حتى سقوط حكومة حسن روحاني، وأبعد من هذا سقوط النظام الجمهوري الإسلامي، وهي أهداف نادى بها المحتجون بلا شك بعد اندلاعها من مدينة مشهد في 28 ديسمبر 2017، حيث اتسعت الاحتجاجات التي رافقتها أعمال عنف متبادلة بين قوات الأمن والمحتجين وعمليات حرق لمبان ومؤسسات حكومية وأمنية ومصارف، لتشمل مدن من قوميات وطوائف عدة، من بينها مدينتا أصفهان وقُم ذات القدسية الخاصة، التي تعد العاصمة الدينية لإيران. وكان لافتا مهاجمة الرموز التي لم يسبق أن تم المساس بها بهذا الشكل الواسع، مثل صور المرشد الأعلى علي خامنئي التي أحرق المحتجون عددا منها في مختلف المدن، وهو ما أعطى انطباعا لدى الرأي العام العربي بسقوط هيبة المؤسسة الدينية القائمة، وقد يكون هذا سببا من أسباب التعويل العربي على المحتجين، في بلوغ غاياتهم بإسقاط كامل النظام القائم. من المؤكد أن الاحتجاجات فاجأت صناع القرار في الدول العربية المناهضة للسياسات الإيرانية، كما هو الحال في الولايات المتحدة، التي تنسق لعقد تحالفات مع بعض دول المنطقة لوقف التهديدات الإيرانية، والحد من تدخلات ايران في الشؤون الداخلية لبعض بلدان المنطقة والخليج، كما إن حالة التراجع وانحسار مد الاحتجاجات فاجأت تلك الدول كما فاجأ الشارع العربي، الذي كان منقسما في أساسه بين متفائل بالتغيير ومعارض له. لكن ثمة قطاع واسع من الرأي العام العربي كان اسيرا لنظرية وقوف حكومات عربية وراء تلك الاحتجاجات، بعد موجة ضخ إعلامي هائلة تسير بهذا الاتجاه اللاعقلاني، الذي يجهل حقيقة ان الاحتجاجات جاءت على خلفيات عوامل داخلية تتعلق بحياة الإيرانيين ومعيشتهم وظرفهم الاقتصادي، بعيدا عن أي عامل سياسي قبل أن تتبنى بعض القطاعات شعارات سياسية طالبت بإسقاط الحكومة والنظام الديني. وقد تكون بعض القراءات العربية المتفائلة بُنيت على رمزية انطلاق الاحتجاجات من مدينة مشهد، شمال شرق ايران، التي تُعد المعقل الأهم للتيار المحافظ الخصم العنيد للتيار الإصلاحي الذي يقوده رئيس الجمهورية حسن روحاني. في كل الأحوال، نالت وسائل إعلام عربية قسطا من العتب لعدم تغطية الاحتجاجات الإيرانية بشكل واسع، وشغلت الانتقادات لقناة «الجزيرة» بشكل خاص حيزا واسعا من اهتمامات الناشطين والنخب العربية، متهمين إياها بتغطية أوسع لوجهات النظر الحكومية على حساب نقل وقائع الاحتجاجات، ووجهات نظر المعارضة الإيرانية، قياسا إلى احتجاجات الربيع العربي في 2011؛ وللتذكير، ثورات الربيع العربي قام بها ناطقون باللغة العربية، كما أن قناة «الجزيرة» نأت بنفسها عن نقل ما تتداوله وسائل التواصل الاجتماعي، التي كشفت قنوات غربية الكثير من التسجيلات المصورة التي تم التلاعب بها، أو أنها ليست من إيران، أو أنها من تسجيلات الحركة الخضراء التي شهدتها المدن الإيرانية عام 2009. وفي حقيقة الامر كانت هناك ازدواجية فاضحة في تأييد الاحتجاجات الإيرانية من فئةٍ هي ذاتها لا تزال تتبنى خطابا عالي الصوت ضد ثورات الربيع العربي؛ وهي الازدواجية التي تعاطت بها حكومات وتيارات نخبوية أيدت ثورات الربيع العربي، واكتفت بالصمت تجاه ما جرى في إيران، في ما كان «البعض» أكثر صراحة عندما أعلنوا موقفا مؤيدا للنظام الحاكم تحت ذريعة الحفاظ على الأمن والسلم الداخلي في ايران. ويمكن تفسير موقف الذين أيدوا حكومة حسن روحاني من منطلق الحفاظ على الأمن والسلم الداخلي بأنهم قد «اتعظوا» بما جرى في بلدان الربيع العربي من اضطرابات داخلية وصراعات أدت إلى خراب مدن وهجرة مواطنيها، ومقتل آلاف بل مئات الآلاف منهم، إضافة إلى الانقسام المجتمعي، وهو الأخطر. مقابل ذلك، لا يمكن التوافق مع تلك الرؤية بشكل كامل وإلقاء اللوم فقط على «الربيع العربي»، وتحميله مسؤولية ما جرى من تداعيات، من دون النظر إلى أن تلك الثورات يمكن لها أن تمضي بأمان من دون أضرار جسيمة، وأن تؤسس لأنظمة بديلة تحتكم إلى الشرعية الدستورية وخيارات الشعب، لولا تدخل قوى «الثورات المضادة» التي تتحمل الجزء الأكبر من مسؤولية ما حل ببلدان الربيع العربي من خراب ودمار. كاتب عراقي
هل كان العرب مندفعون حين بنوا آمالاً على إسقاط النظام في إيران؟

رائد الحامد

- -

3 تعليقات

  1. يا فرحة ما تمت !
    تمنيت أن أن نظام الملالي شرب من نفس الكأس الذي شرب من العرب !!
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. التمني لا يفيد في مواقف تحتاج الى الامانة في علاقة الشعوب مع حكامها. الايراني حتما لن يحب بلده اكثر من حب العرب لبلادهم .لكن ( حقدنا )
    على انظمتنا ..يحعلنا نستعمل مبدا شمشون عندما حطم الهيكل فوق راسه وراس الجميع قاءلا
    (علي وعلى اعداءي يارب ) . اما بشان الكأس
    المزعوم ..العرب لم يشربوه . لان الكاس .لغويا صنع فقط لشرب الخمر . نحن شربنا كوب فتنة الكوكاكولا مصدر من اميركا ودمغ بختم نجمة داوود المزعومة

    • حياك الله عزيزي يوسف وحيا الله الجميع
      الكأس الذي أقصده يا أخي هو كأس الموت
      يقول الشاعر :
      من لم يمت غبطةً يمت هرماً, للموت كأس والمرء ذائقها
      ويقول آخر :
      لا تسقني ماءَ الحياةِ بذلةٍ بل فاسقني بالعزِّ كأسَ الحنظلِ
      ويقول الإمام علي :
      أَينَ المُلوكُ الَّتي كانَت مُسَلطَنَةً حَتّى سَقاها بِكَأسِ المَوتِ ساقيها
      ولا حول ولا قوة الا بالله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left