الشعر في أفق القرآن

عبد الحفيظ بن جلولي

Jan 18, 2018

يتسع السقف المعرفي في القرآن الكريم بقدر ما ندرك بأن هذا الكتاب هو صدور متعال من الذات الإلهية المتعالية المطلقة، وصِفة الإطلاق هي ما يمنح هذا السقف لا محدودية المعنى واتساع الأفق الموضوعي، وذلك بدعوته للتأويل والتأمل والتدبر في الآيات.
أما الشعر فهو نطاق الذات التي تشتغل على تفعيل وجوديتها من خلال التفاعل مع الحياة والواقع والإنسان، وتجليهم المتدفق في عمق الذات الشاعرة، وهذا العود إلى الذات هو ما يجعل المنطق الشعري يقع على حافة الغموض والاختلاف، لأنه يخترق كل المتعارف عليه في التزام الذات بما يقع في المحسوس، ولهذا يكون رأي الجاحظ في كتابه «الحيوان» مؤسسا، حين يرى أن: «الشعر صياغة وضرب من التصوير»، والتصوير من الصورة والتصور وهما مادتا الخيال، وهو ما يفيد بأن الشعر يختلف تماما عن المواجهة الواقعية في الحياة، ما يجعله مطلبا لعناصر تأخذ شكل الغرابة بمفارقتها الواقع والمستهلك.
يتكلم الشاعر بالقصيدة لحظة تيه لا تتحدد فيها الجهات إلا بالقدر الذي يمكن الشاعر من اقتناص فرصة للخروج من التحديد إلى اللاتحديد، أي إلى بناء أفق يختلف في طبيعته عن المعيارية التي تحكم الحركة في الواقع، والجنوح بما هو واقعي إلى ما هو وجودي، يتمعلم بالحياة في سقفها المفتوح على الإنساني، بما هو كينونة، ترسم حركتها في عفوية اللقاء الأول بالأشياء وانطباع العالم بتنوعه واختلافه وحقيقة مفرداته الدالة على الغواية والهيام والقول المفارق للفعل، كمدارات جوهرية للمقول الشعري في تأسيساته اللغوية والابتكارية التي تمنح الصورة التعبيرية شعريتها وتخرجها من نمطية الخطاب اليومي الذي تمنعه الصرامة المنطقية من الاغتناء بشحنة اللحظة المفارقة للأنا المجتمعية.
يزخر الأفق القرآني بموضوعات ليست بالضرورة تقع ضمن ما يجيزه القرآن، أو يرفضه، لكنها تقع في فضاء ما يدرجه كعملية استنبات لحوار يعرض طروحات المختلف أو المعارض والمناوئ لتوسيع دائرة مناقشة وتشريح المعطيات، من خلال الارتكازات الثقافية التي تتناول مثل تلك الموضوعات، فالقرآن يحتوي على «سورة مريم» (ع) ولم يتطرق إلى سورة مثلها لأم المؤمنين عائشة (رض)، لأن القضية المحورية بالنسبة للأفق القرآني ليست في فرض كينونته ككتاب مهيمن، إنه يتيح لهذه الهيمنة أن تنبثق من أفق الآخر من خلال النظر الموضوعي المتوازن والعقلاني، وهو بذلك يهدف إلى ترميم فجوات الوعي من خلال الدفع بالحق، عبر المساهمة القرآنية في الإشارة إلى ما تكرس في الوعي من موضوعات، كالأسطورة والشعر وتفعيل النظر إليهما على أساس أن طبيعتهما مفارقة للحقيقة القرآنية الغيبية، ومن ذلك رد القرآن الكريم لشبهة أسطوريته، كما رد شبهة وصف الرسول (ص) بالشاعر أو المجنون.
لقد أثبت القرآن الكريم من خلال إفراد «الشعراء» بسورة، إلى أهمية الشعر بالنسبة للكينونة العربية التي جاء القرآن بلسانها، فالشعر كان على مائدة يومياتها، وكان يعلق أجوده على جدران الكعبة، وكانت تقام له المحافل كعكاظ والمربد، ووجد العرب أمة شاعرة، فمن واقعية القرآن وإعجازه أنه لم يغفل السياق الذي ينطرح فيه منزلا من عند الله، لأن التحدي سوف يكون حاسما عند حواف اللسان العربي المزهو بالقصيدة والقافية وموسيقى الشعر، ولأن القرآن كتاب معجز بحق، نظر إلى الموضوع الشعري ليس ككينونة مكتملة في شكل القصيدة، ولكن حفر عميقا في جذور انبثاقها كوجدان ناطق حايث المسار التاريخي للعربي وأسس لوجوديته، فجاءت العناصر التي ذكرها القرآن الكريم في وصف الشعراء كاشفة لمصدرية التفجر الشعري المبهر، الذي وسم الذائقة العربية، فكانت الغواية والهيام والقول المفارق للفعل في جانب قوي منها تعبيرا عن ما يميز الشاعر عن غيره من الكيانات الناطقة والوجودية، لأنه لو انعدمت هذه العناصر لصار الكلام موافقا تماما لخطاب اليومي، ولما اختزن الدهشة والصدمة عند تلقيه، فتلك العناصر وإن أسست لسقف مميز للشعر الذي يجب أن يتجاوزه وجدان «الإيمان»، فهي تبقى جوهر العملية الانبعاثية للشعر، وعن طريق إثبات القرآن لهذا السقف، يؤكد الإحالة إلى طبيعته المفارقة لما تداول من مقول وُسم بالشعر، فالأفق القرآني غيبيُ الطبيعة إلهيُ المصدر موْسومٌ بالوحي، وهو خارج سقف الغواية والهيام والقول المفارق للفعل، ويدرك هذا من خلال التداول الموضوعي لمفهوم الشعر ومعناه في سريان الدفق القرآني الفريد في حوار المعاني والعقول والأشياء.
فلم تكن الآيات من سورة الشعراء: «والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» (224 إلى 227)، ذما للشعر على إطلاقه، لأن ابن عباس يرى أن الشعراء الواردين في الآية هم المشركون، ولا ازدراء له، بقدر ما كانت تبين العناصر التي يكون فيها الشعر شعرا، مختلفا بذلك عن الكلام العادي، إضافة إلى توضيح السقف القرآني لتداول الشعر، وهو ما يفهم في استثناء «الذين آمنوا»، وهو ما لا يفيد بأن الإيمان يتنافى مع تلقي أو قول الشعر، فلقد روى مسلم من حديث بن الشريد عن أبيه قال: ردفت رسول الله (ص) يوما فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء قلت: نعم. قال هيه فأنشدته بيتا. فقال هيه فأنشدته بيتا. فقال هيه حتى أنشدته مئة بيت. وشعر أمية كان ذا حكمة، حتى قال النبي كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم، وهذا هو المبدأ الذي تترتب عليه التسمية الشعرية داخل بوتقة المؤمنين، حيث إيمان المؤمن لا يمنعه من الإبداع، بل يكون حاجبا بينه وبين التدني دون إنسانية الإنسان، في الغواية الهابطة والهيام المنحط والقول المناقض للفعل أو الكذب الضار بالآخر، وما يؤكد هذه الرؤية هو استحباب الرسول عليه السلام لبعض من شعر العرب كأمية بن أبي الصلت ولبيد بن ربيعة، الذي قال في قوله: «ألا كل شيء ما خلا الله باطل»، أصدق كلمة أو أشعر كلمة قالتها العرب، وشاعره حسان بن ثابت الذي لقب بشاعر الرسول وكعب بن زهير الذي أنشد الرسول (ص) بانت سعاد، والرسول يسمع ولا ينكر، كما جاء في الروايات.

٭ كاتب جزائري

الشعر في أفق القرآن

عبد الحفيظ بن جلولي

- -

5 تعليقات

  1. بارك الله بقلمك.أما قولك إنّ القرآن لم يخصص للسّيدة أم المؤمنين عائشة سورة باسمها كسورة مريم ؛ لقد خصص سورة النّورالتي أنزلت بشأن حادثة الإفك.والنورهوالعلم فأصبحت أم المؤمنين أستاذة لتعليم الصحابة العلم والحديث الشريف ؛ من بعد وفاة النبيّ الكريم.والنورمن نَور؛ النوار؛ جمعها نُور: المرأة النفورمن الريبة والتهمة ؛ البعيدة عن الشبهة وهي صفة أم المؤمنين.وفي هذه قال الشاعرمضرّس الأسـديّ :
    { تدلت عليها الشمس حتى كأنها…….من الحرّ ترمي بالسكينة ؛ نورها }.وبالاتجاه نفسه قال فيها الشاعرحسان ابن ثابت الأنصاريّ :
    { حَصان رزان ما تزنّ بريبة…….وتصبح غرثى من لحوم النوافل }.والعجيب أنّ عدد آيات سورة النور( 64) آية ؛ وعمرالسيدة عائشة كان ( 64 سنة ).أما سورة مريم فمختصة بما ستؤول إليه أوربا المسيحية من بعد سقوط الدولة الرومانية حتى يوم الفصل.بل إنّ ما يجري في أوربا اليوم وما سيجري غدًا من تطورات كبرى لموجود في سورة مريم بخطوطه العريضة…أما سورة الشعراء ؛ فموضوعها ليس الشعراء العرب بل تحويل آيات التوراة والإنجيل إلى تراتيل موسيقية وغناء وأشعارفي معابد أهل الكتاب خلافًا للعهد مع النبيين الكريمين موسى وعيسى.وهذا الفعل قام به سحرة وكهنة فرعون من قبل لحرف الناس عن عبادة الله إلى عبادة العباد من الحكام. لذلك كان ( صدر) السورة الحواربين النبيّ موسى الكليم وفرعون ذي الأوتاد.و( عجزها ) عن الشعراء وأتباعهم الغاووين.نكتفي بهذا القدرعلى سعة أفق المقال المبين.

  2. الأخ عبد الحفيظ،
    هناك استشفافٌ واستقراءٌ، بل حتى استدلالٌ على لغة الشعر العربي، بمعناها الفلسفي «المتسامي» (ولا أقول «المتعالي» مقابل كلمة Transcendental، كما تقول في مقالك، لأسباب قد يساءُ فهمُها)، هناك حتى استدلالٌ من لغة القرآن الكريم نفسها، على أكثر من مستوىً، بما فيها المستوى الوزني العروضي بالمعايير الفراهيدية المُتعارَف عليها، وحتى غير المُتعارَف عليها عصرَئذٍ.
    كما قلتُ في موضع آخر، فيما يتعلق بدعوة الشاعر محمود درويش، قبيل غيابه عن هذه الدنيا، إلى الحوار المباشر بين الشعر والنثر، منوهًا بهذا القول بأن لغة القرآن الكريم ذاتها ليست مما قيل عن ماهيَّتها في الماضي ولا في الحاضر، بل هي لغة تلتحم فيها أشكال اللغة كلها، بما فيها لغتا الشعر والنثر.
    صحيحٌ أن محمود درويش دعا متعمِّدًا، في أشعاره ونثرياته الأخيرة، إلى إقامة الحوار المباشر بين الشعر (الموزون، في صيغة التفعيلة) والنثر (الخالي من هذا الوزن)، كما قال أيضًا الأخ صبحي حديدي في أحد مقالاته في هذه الجريدة. إلا أن هذه الدعوة المتعمَّدة ليست حديثة العهد في أدبيات «النصوص العربية النثرية» المدوَّنة منها، على وجه التحديد. فهي دعوة موجودة وجودًا ضمنيًّا، إن لم نقل تصريحيًّا، في النص القرآني ذاته. قارن في مسألة الشعر الموزون وزنًا كليًّا و/أو جزئيًّا، على سبيل المثال:
    – بين ما ورد في الآية 184 من سورة البقرة، قبل «الإقامة المتعمَّدة»:
    «فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ» (الموزونة جزئيًّا بتفعيلة «فعولن»)
    /فَعُولُنْ-فَعُولُنْ-فَعُولُنْ : فَاعِلُنْ-فَعِلُنْ/
    وبينه، بعدَ «الإقامة المتعمَّدة»:
    «فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ عَلى سَفَرٍ أَوْ مَرِيضًا» (الموزونة كليًّا بتفعيلة «فعولن»)
    /فَعُولُنْ-فَعُولُنْ-فَعُولُ-فَعُولُنْ-فَعُولُنْ/
    – أو بين ما ورد في الآية 23 من سورة الإسراء، قبل «الإقامة المتعمَّدة»:
    «وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ» (الموزونة جزئيًّا بتفعيلة «فاعلاتن»)
    /فَعِلاتُنْ-فَعِلاتُنْ-فاعِلاتُنْ : مُتْفاعِلْ/
    وبينه، بعدَ «الإقامة المتعمَّدة»:
    «وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّهُ إيَّا» (الموزونة كليًّا بتفعيلة «فاعلاتن»)
    /فَعِلاتن-فَعِلاتن-فاعلاتن- فَاعلاتن/،
    إلى آخره، إلى آخره…

  3. الاية توضح تماما بان ااتباع الشعراء من ( المستشعرين المتخيليين والعارفين بعض من التنبؤ على ما اظن) هو ضياع وتوهان ودمار للشاعر واتباعه ومصدقيه,,,”الا الشاعر ( المعطى له من الله الاختلاف وبعض المعرفه التي عند غيره معدومة) ان كان مؤمنا صادقا لله تعالى ولا يشرك بالله احد ولا يضع وسيطا بينه وبين الله من احجار او من رقصات او طقوس او كلام , ويفعل ما يستطيع من الاعمال الصالحة التي تقربه من طاعة الله , ويخاف الله ,, فإن هذا الشاعر المؤمن سينتصر امام نفسه وامام الجميع بانه على مكانة عند الله كعبد مطيع فيرضى الله عنه_ وبالتالي يرضى عنه الاخرون منالمتعصبون والغاضبين والخائفين والمسيطرين والقارئين وغيرهم فهذا هو الانتصار // براءة الشاعر المؤمن من افعال وفكر وخبرات وعادات وتاريخ الشاعر الملهم الحقيقي من غير المؤمن بالله ..

  4. الأخ المحترم حي يقظان : تناسب بعض آيات القرآن مع التفعيلة الشعرية لم يأت قصدا مقصودا بل من تلاقي الألفاظ والمعاني العربية..وأول من أثار هذه القضية من المعاصرين الشاعر نزار قباني عند مقارنته بين الشعروآيات سورة مريم.ومن المعاصرين الذين فرقوا بين لغة القرآن ولغة الشعروالنثر الدكتور طه حسين ، حينما قال إن القرآن ليس شعرا ولا نثرا بل هو قرآن.وورود تلاقي التفعيلة الشعرية مع بعض آيات القرآن لها شبيه حتى الآن في الامثال الشعبية التي تأتي عفوا وبعضها يكون عن غير قصد ويتسق على نظام التفعيلة عرضا وحتى القافية ايضا.

  5. الأخ قسطنطين زيدان،
    المسألة لا تكمن في الإتيان القصدي أو غير القصدي لما تقول بـ«تناسب بعض آيات القرآن مع التفعيلة الشعرية»: قلتُ بجلاءٍ إن دعوة الشاعر محمود درويش، في كتاباته الأخيرة، إلى إقامة الحوار المباشر بين الشعر والنثر هي «المتعمَّدة»، كما جاء في سياق تعقيبي، وكما أشار إليه أيضًا الأخ صبحي حديدي في أحد مقالاته في هذه الجريدة. فأرجو أن تقرأ التعقيب جيدَا قبل أن تردَّ بردٍّ يطغى عليه معنى مفردة معيَّنة عالقٍ بالذهن، وفي الوقت نفسه، يغفل أو يتغافل بيتَ القصيد.
    إضافة إلى ذلك، لو كان هذا التناسب الذي تعنيه ناجمًا عن «تلاقي الألفاظ والمعاني العربية»، كما تقول أيضًا، لما تكرر الكثير من الآيات القرآنية التي تعكس وزنًا شعريًّا كليًّا تارةً، ووزنًا شعريًّا جزئيًّا تارةً أخرى، وحتى خلوًّا من الوزن الشعري برمَّته تارةً ثالثة، مع أن هذه الآيات تشترك في المعاني اشتراكًا لا يقبل الجدل، ولكنها لا تشترك في الألفاظ – والأمثلة على ذلك لا تُعدُّ ولا تُحصى.
    أخيرًا، شكرًا على ردِّك، على أية حال.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left