حدث في سيدي بوزيد

بلال فضل

Jan 18, 2018

في خريف 2012، وبعد عام وتسعة أشهر من هروب الطاغية التونسي زين العابدين بن علي، ذهب الباحث الفرنسي البارز جيل كيبل لزيارة مدينة سيدي بوزيد، أيقونة الثورة التونسية، التي أشعل جسد ابنها المحترق محمد بو عزيزي نار الغضب في الوطن العربي بأسره.
حين وصل كيبل إلى المدينة كانت تشهد صعود قوة سلفية هوجاء، تمثلها جماعة أنصار الشريعة، التي سيطرت على المسجد الكبير في المدينة، ودمرت قبل يوم من وصوله بار فندق الحرشاني، المكان الأخير لبيع الكحول في المدينة، ليصبح العثور عليه ممكناً في السوق السوداء فقط وبضعف السعر. كانت المدينة من المناطق النادرة التي لا توجد فيها أغلبية مؤيدة لحزب النهضة الإسلامي، حيث أُطلق الرصاص على مقره الرئيسي خلال الانتخابات، وشتم المتظاهرون رئيس حكومته حمادي الجبالي، ابن مدينة سوسة الساحلية، التي وُلِد فيها أيضاً زين العابدين بن علي، كتعبير منهم عن السخط الجنوبي، على المدن الساحلية، التي خرج منها أغلب رموز النخبة السياسية والاقتصادية في تونس.
في جولاته التقى كيبل بعدد من الناشطين السلفيين، من بينهم شاب اسمه طارق كان رساماً ناجحاً، تعرض لأزمة شخصية جعلته ينقطع عن «حياة الجاهلية التي كان يحب فيها البيرة والنساء»، والتحق بمجموعة سلفية جهادية، أوصلته إلى سجون بن علي، التي تعرض فيها للتعذيب، ليظل في السجن حتى سقوط بن علي، ليخرج عائداً إلى بلدته، ويبني فيها منزلاً بدون ترخيص ويتزوج وينجب، ويقيم جوار منزله خيمة تستخدم كاستراحة للسلفيين لتقديم النصح لشباب المدينة، الذين كان من بينهم شاب التقى به كيبل بعدها بيومين، ففوجئ به يعامله بجفاء، وحين اكتشف أنه قريب لزميله أستاذ علم الاجتماع ابن سيدي بو زيد، الذي فسر له جفاء الشاب بارتباكه حين رآهما معاً، لأنه يعرف أنه سيقول له إن جميع أفراد أسرة الشاب يبيعون الكحول والحشيش في السوق السوداء، وإنه انضم إلى السلفيين لحماية أعمال الأسرة، وهو نفسه ما زال يشرب البيرة في السر، وإن تدمير حانة الحرشاني لم يحدث لتطبيق شرع الله، بل للتخلص من المنافس الرئيسي والسيطرة على السوق.
يروي جيل كيبل الواقعة في واحد من فصلين خصصهما لتونس ضمن كتابه «الشغف العربي» الذي اختار له شكل اليوميات، مسجلاً انطباعاته عن زيارات لعدد من العواصم العربية بين عامي 2011 و2013، ربما لتكون المادة الخام لعمل بحثي مقبل. يتحدث كيبل في موضع آخر عن لقائه بزعيم جماعة أنصار الشريعة (أبو عياض) الذي هرب إلى أفغانستان في أواخر الثمانينيات بعد قمع بن علي للإسلاميين، ليقترب هناك من بن لادن ويعمل معه، وحين اعتُقل في تركيا عام 2003، تم تسليمه إلى تونس حيث سُجن وتعرض للتعذيب، وبقي في السجن حتى قامت الثورة التي أطلقت سراحه، ليبدأ رحلته مع الحرية بتأسيس جماعة أنصار الشريعة.
ومن قاعدته الجديدة في جنوب تونس، نظّم احتجاجات عنيفة ضد قناة نسمة التلفزيونية حين بثت فيلم الرسوم المتحركة (برسيبوليس)، وقام بتجميع الآلاف من أنصاره في ساحة الجامع الكبير في القيروان للمطالبة بالتطبيق الفوري للشريعة، ونهب وحطم معرضاً للفنانين في المرسى، لأنه يخالف الشريعة، لكن كيبل يلاحظ أن هذا الرجل «الذي جعل تونس ترتجف»، حرص مع جماعته على إعادة الأمن لعدد من الأحياء الفقيرة، التي غابت عنها الدولة، وأدرك أهمية سيدي بوزيد الرمزية في لحظة صراع مفصلية كالتي عاشتها تونس.
في جامعة منوبة يلتقي كيبل بطالبة منقبة رفعت دعوى ضد عميد كلية الآداب المنتمي لحزب النهضة، واتهمته بالاعتداء عليها أثناء مشاجرة عن دور الدين داخل الحرم الجامعي، وفي حين ينكر العميد التهمة، يلمس كيبل تشجيع أبو عياض لأنصاره لكي يسيطروا على الجامعة، من بينهم طالب يترأس المجموعة السلفية في كلية الآداب، كان قد اعتُقل خلال تفكيك مجموعة إرهابية تعد لهجمات ضد نظام بن علي، وبعد الثورة سُمح له بالعودة إلى الدراسة في سن الثلاثين، لاستئناف ما فاته، وحين سأله كيبل عن مفهومه للتاريخ قال له: «لا تاريخ سوى تاريخ نبي الإسلام… أساتذتنا ملحدون كلاب حراسة للفرنسيين الذين غسلوا أدمغتهم وأفسدوا عقول المسلمين بتعليمهم الأكاذيب، لكنننا عازمون على ملاحقتهم إن شاء الله».
في قصر الرئاسة التقى كيبل بالمنصف المرزوقي الذي قال إن على حزب النهضة الحاكم البدء بإصلاحات اقتصادية واجتماعية كبيرة، وإلا سينساه الناس في الانتخابات المقبلة، بل سيخسر كل من شاركوا في الثورة صوت المواطن البسيط، الذي لا يبالي بالتطرف اليميني ولا اليساري، لأن عدم التعبير عن مطالبه يوفر للمتطرفين الأسلحة اللازمة لقتال الجميع. أما حمادي الجبالي فقد قال إن «قفز السلفية التونسية نحو وسائل وحشية يجعله يخاف أن تكون مخترقة من قبل مخابرات أجنبية»، وإنهم يستغلون الصعوبات الاقتصادية ليؤثروا على عقول الأغلبية الفقيرة في ضواحي مدن تونس، التي لم ينكر أنها كانت يوماً ما القاعدة الانتخابية للنهضة. وحين التقى كيبل بزعيم حزب النهضة راشد الغنوشي، وسأله: هل تدفعون اليوم ضريبة تسامحكم مع السلفيين؟ رد مهوناً من خطر السلفيين، قائلاً إن بعضهم سلمي وبعضهم يلجأ إلى العنف، «لكن هؤلاء نتاج مجتمع عنيف رَفَضهم بسبب العلمنة المتطرفة، التي بدأها بورقيبة، ما أدى إلى ردود فعل متطرفة، نحن أنفسنا عندما هاجرنا في بداية سنوات 1970 كنا راديكاليين، ولِدت السلفية الأصولية كرد فعل على عنف بن علي… إنهم ضحايا، شباب عاطلون عن العمل، سجناء سابقون، ولكن هذه الظاهرة ستنطفئ مع الحرية التي نتمتع بها، وبفضل التنمية التي ستظهر في كل مناطق تونس».
بعد مرور سنوات على ما كتبه جيل كيبل في انطباعاته الممتعة والمفتقدة إلى الدقة في مواضع قليلة، خرج المرزوقي والجبالي من مواقع المسؤولية، واحتلت السلطة وجوه جديدة/قديمة لم تدرك بعد خطورة إهمال المطالب الاجتماعية للفقراء، فعادت تونس للانتفاض والغضب من جديد، في الوقت نفسه تجاوز الواقع الأليم في تونس وغيرها تحليلات الغنوشي التوفيقية، التي تربط التطرف الديني بالقمع الحكومي للمتدينين، فالمساحات التي تم فتحها للسلفيين في أكثر من دولة عربية، لم تكبح جماح رغبتهم في التسلط والتدخل في الحريات الشخصية للناس، وهو ما استغلته عدة أنظمة قمعية بطرق مختلفة لفرض سطوتها الأمنية، بعد أن فقد المواطن العادي تسامحه مع الصعود السلفي، حين أدرك أنه يهدد حياته الشخصية، ففضّل قمع أجهزة الأمن على إرهاب الجماعات الدينية، وهو ما يمكن أن يحدث بالتفاصيل نفسها أو بتفاصيل مختلفة في تونس، التي ما زالت حتى الآن أفضل نماذج التحول الديمقراطي، عقب الثورات العربية، لكن عصمتها الدائمة من آثار الاستقطاب السياسي والاجتماعي، ستظل مرهونة بالتركيز على المعالجة الفورية للأسباب التي أطلقت شرارة الغضب، وبقدرة الذين شاركوا في الثورة على قراءة تعقيدات الواقع التي لا تكفي الهتافات الغاضبة لفهمها، فضلاً عن حلها.
حفظ الله تونس وجعلها دائماً الإجابة الملهمة لكل الحالمين بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية.

ـ «الشغف العربي»: يوميات 2011 ـ 2013 ـ جيل كيبل ـ ترجمة رقية الكمالي ـ جداول ومؤمنون بلا حدود.

٭ كاتب مصري

 

حدث في سيدي بوزيد

بلال فضل

- -

4 تعليقات

  1. مزيدا من التوفيق لقراءة ألف كتاب و كتاب مع
    -
    الشكر الجزيل للسيد بلال فضل
    -
    تحياتي

  2. هناك داعش دينية تقمع غير الإسلاميين
    وداعش لا دينية تقمع الإسلاميين
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  3. جيل كيبيل مستشرق مستغرب باحث في الاسلاميات ويتحدث اللغة العربية وله مؤلفات عديدة وأستاذ جامعي ولمع نجمه بعد احداث سبتمبر لكنه رغم معلوماته الموسوعية يبقى كما قال كاتبنا غير دقيق في تحليلاته ومعلوماته ويشكو بعض الاستعراض. وكانت بوزيد وابنها البار محمد البوعزيزي لغزا محيرا لكثير من الباحثين الاوربيين والأمريكيين ولم يجدوا لها تفسيرا مقنعا
    ستبقى هذه المدينة المهمشة حتى اليوم مدينة انطلاقة الربيع العربي وسيبقى البوعزيزي رمزا لهذه الثورات المجيدة رغم تعثرها بثورات مضادة وتونس اليوم تعيش تجربة مخاض ديمقراطي يستحق التقدير والتأمل وفي نجاح تجربتها تكون قد وضعت اول ثقب في الجدار السميك للديكتاتوريات العربية

  4. أعداء الحرية و الديمقراطية يتم تحيدهم ليس بالعنف لكى لا يلعبوا دور الضحية المسكينة بل بمزيد من الحرية و مزيد من المساواة و مزيد الديمقراطية و مزيد من حقوق الإنسان….و الذكاء الكبير هو كيفية جلب الإسلام السياسي إلى مربع العلمانية لكى ينهى نفسه بنفسه …..تحيا تونس تحيا الجمهورية

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left