شهوة البيدق وتربص الفيل: لعبة ترامب مع الأمم المتحدة

سامح المحاريق

Jan 19, 2018

تغيرت شخصية المخيم الفلسطيني وملامحه مع تراكم ميراث الشتات، ولم يعد ممكناً الحديث عن المخيم إلا في إطار مشكلات أوسع للمدن التي بدأت ظاهرة المخيم في ضواحيها وعلى هوامشها، ليتحول مع الوقت إلى جزء من المدينة ويشتبك عملياً مع تفاصيلها، فمخيم عين بيت الماء، الذي كان أول ما جرى ارتجاله للاجئين من مدنهم وقراهم المحتلة بعد النكبة، تحول اليوم إلى جزء من مدينة نابلس، ومخيم الحسين يمثل جزءاً من القلب التجاري القديم لعمان، بينما اليرموك يمثل رئة نابضة لدمشق.
فالمخيم اليوم جزء من عالم المدينة الأوسع، وإن كان يتمسك بخصوصيته في العديد من الجوانب، مثل مخيم البقعة في محافظة البلقاء الذي يخضع في أموره التنظيمية إلى لجنة خاصة تدير شؤون الخدمات داخله.
دخلت الأونروا لتقوم بدور طارئ، كان يفترض أن تنهيه معادلة (ما) للسلام في المنطقة، ولكنها ما لبثت أن تحولت إلى كلمة أصيلة في المعجم الفلسطيني، وإن ترادفت مع الشقاء والمهانة، وأصبحت اختزالاً لأرشيف من الذكريات التي يتوارثها الفلسطينيون عن «كرت التموين» والخيام البيضاء، وخرائط النمو الفوضوي للمخيم، وطقوسه وتقاليده التي كانت تؤسس لشخصية فلسطينية جديدة، وتجعل الفلسطينيين الذين خرجوا من مجتمع طبقي – إقطاعي، يعيشون معا على حافة واحدة، فكانوا يتعرفون على العالم من وضعهم الجديد، ابن الريف بمحاذاة ابن المدينة ومعهم أبناء البدو، بوصفهم كتلة بشرية تحمل (وصمة) مشتركة.
لم يكن المخيم ظاهرة صحية، وبعد الاستفاقة من صدمة النكبة وتوابعها، كان الفلسطينيون أنفسهم ينضمون إلى الفئة التي تتعالى على المخيم، وتعتبره هامشاً طارئاً أنتج مجتمعاً عشوائياً يعيش اضطراباً عميقاً، وتتابع الخروج من المخيم، حتى أن أجيالاً كاملة انسلخت عن فكرة المخيم، وإن كانت تصر على الإبقاء على «كرت التموين» بوصفه واحداً من الوثائق الأممية التي تثبت واقعة التهجير واللجوء، ودخلت إلى المخيم في المقابل فئات جديدة تمثلت في الفقراء التقليديين، الذين وجدوا في المخيم فرصة للحصول على منازل رخيصة، ولذلك لم يعد المخيم مجرد مكان يحمل رمزية التهجير بقدر ما أصبح تعبيراً سكانياً وعمرانياً لظاهرتي الفقر والعشوائية.
الأونروا تغيرت أيضاً من منظمة إغاثة عاجلة، استهدفت المحافظة على حياة المهجرين من فلسطين وتقديم خدمة الإيواء والإعاشة، إلى مؤسسة متشعبة تعنى بالتعليم والتوظيف، الأمر الذي أدى إلى تضخم هياكلها الإدارية والعملياتية، ما خلق احتياجاً إلى تمويل كبير أتى معظمه من الولايات المتحدة وأوروبا. أتت المنظمة الأممية لتسهم في التخفيف من أزمة اللاجئين الفلسطينيين في المنطقة، إلا أنها لم تكن يوماً واحدة من المؤسسات التي أطلقها الفلسطينيون في عقود الشتات، كما أنها لم تكن مضطرة لأن تتقاسم مع الفلسطينيين أي توجه أو مسؤولية، ورغم ذلك تدخل الأونروا في دائرة الانتقام الأمريكي، وتعلق إدارة ترامب نصف المساعدات المرصودة للمنظمة، بعد تصويت الهيئة العامة للأمم المتحدة ضد قرار نقل السفارة الأمريكية للقدس.
تتصاعد مع تقدم اليمين في مناطق مختلفة من العالم نزعة إلى الانقلاب على القانون، إن لم يكن البلطجة، فاليمين الأمريكي يرى أن منجزات متراكمة لحركات النضال من أجل تحسين الأوضاع القانونية للمواطنين الأمريكيين، خاصة الأقليات والمهاجرين، كان يعتبر تجاوزاً لا يليق على قدرة السيد الأبيض على فرض شروطه، ومع وصول اليمين في تجلياته العابثة مع ترامب إلى قيادة العالم، فإن المشاعر نفسها أصبحت تربط واشنطن بالمجتمع الدولي، فالذي استثار الغيظ والحنق لدى الإدارة الحالية، أو جزء كبير من قياداتها، هو فكرة تجرؤ دول صغيرة وهامشية، وصفها ترامب بعد ذلك بالأوكار على الاعتراض على قرار أمريكي، ولذلك بدأت استراتيجية العقاب الأمريكي، الذي يستهدف الخاصرة الهشة المتمثلة في الأمم المتحدة.
الموقف الأمريكي من الأونروا يجعل من الصعب التعويل على الأمريكيين ولو شكلياً، بوصفهم مدافعاً عن السلام العالمي، ويظهر بوضوح مدى جهل الإدارة الحالية بحقائق التاريخ المتعلقة باللاجئين، كما أوقعهم الجهل بتاريخ ووضع مدينة القدس في إشكالية الاعتراف بالقدس عاصمة أبدية لـ(إسرائيل)، فالإدارة الأمريكية الراهنة تتحرك من فكرة العماء، يتزعمها رئيس بعقلية صاحب العمل، الذي تظهر قوته في أنه لن يتردد في طرد الموظفين الذين لا يطيعون أوامره، ويعتبر ذلك من علامات القيادة الناجحة، ويمكن أن يلقى ذلك إعجاباً لدى أصحاب الأعمال الذين يدعمون ترامب ويرونه صديقهم الذي يمكن الوثوق به، والشخص الذي سيحمل مئات المليارات من أجل تعزيز سوق المقاولين ومطوري العقارات، وهذه الشخصيات لن تهتم باللاجئين ولا قضيتهم، إلا إذا كان الأمر مرتبطاً بالطبع بعطاءات من أجل بناء مدن جديدة لاستيعابهم تناط بشركاتهم.
يطرح موقف الرئيس ترامب وإدارته من الأونروا، وقرارهم السابق من مدينة القدس، رؤية جديدة في العلاقات الدولية، تقوم على استغلال عشوائية الطرف الآخر وتخبطه في إثارة قضايا استقر الجميع على تهدئتها وتسويفها وتحييدها، فترامب يدفع القدس للمقدمة، بعد أن كانت مجرد ملف في عملية سلام متعثرة، وموقفه من الأونروا يعيد اللاجئين للاهتمام العالمي، بينما كانت تقتضي أي استراتيجية سياسية حصيفة، ألا يتم التصعيد في ملفهم واستقطاب التعاطف الدولي معهم في هذه المرحلة.
كان شارون أشد قادة إسرائيل خصومة للفلسطينيين، وأكثرهم إصراراً على التصلب والتعنت، ومع ذلك واصل دائماً من خلال سلوكه الاستفزازي تقديم الهدايا للفلسطينيين، بأن يعيد قضيتهم للصدارة، وأن يحيي فكرة المقاومة فيهم، والأمر نفسه مع ترامب، فهذه العينة من رجال الساسة البراغماتيين تجعلهم يرون البيدق مغرياً لاقتناصه على رقعة الشطرنج، متناسين أن أحد الأفيال يقف لحمايته، هذه الشهية الأمريكية للبلطجة ودعم البلطجة لا يبدو أنها في توقيتها المناسب، فموسم العالم أحادي القطبية الذي شهدته التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، أصبح الآن جزءاً من الماضي، واللعبة في الإقليم لم تعد حتى روسية ـ أمريكية بشكل صريح، فالعديد من الدول الطموحة دخلت على خط المناورات والمغامرات وحتى المقامرات الكبيرة التي يجب أن تستثير لدى البيت الأبيض ذاكرة فيتنام.
يستنفد الرئيس ترامب رصيده من الحلول لأنه يختلق المشكلات بأسرع مما يمكن لأي أحد أن يعمل على ترتيب الأوضاع من ورائه، والورطات التي يمضي إليها يبدو أنها ستتعقد لدرجة أن تنحصر حلوله في تجربة اللهو بالزر النووي، الذي اكتشف ترامب أنه أكبر وأكثر فعالية من الذي يمتلكه كيم جونغ أون في كوريا الشمالية، في خطاب سياسي يبدو أنه يقترب بسرعة من مستوى المناكفات التي تجري بين السكارى حول طاولات القمار.
كاتب أردني

شهوة البيدق وتربص الفيل: لعبة ترامب مع الأمم المتحدة

سامح المحاريق

- -

1 COMMENT

  1. أعجبني عنوان مقالك ففيه وصف دقيق.كثيرون لا ينتبهون لدلالة الفيل ؛ للحزب الجمهوريّ الأمريكيّ.الفيل رمزالعدوان المتغطرس عبرالعصور.
    فقط لديّ ملاحظة عامة بشأن سياسة ترامب ؛ لا نقع بوهم أنه رئيس ساذج وأحمق ويفتعل…هولديه برنامج ؛ يُهيء له الأجواء والمستلزمات…
    ثمّ يشرع ويشرّع ؛ لينطلق كالشراع تدفعه عاصفة من الغموض حتى الأفق المبين له.وغالبًا لا يعيراهتمامًا للرأي العام الخارجيّ ؛ فأمريكا أولًا.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left