من رام الله خيط أفق شفيف

جواد بولس

Jan 19, 2018

مقدمة لا بد منها،
لم أشارك في الماضي باجتماعات رسمية لمؤسسات منظمة التحرير، ولا بلقاءات فصائلها بما فيها أكبر هذه الفصائل، حركة التحرير الوطني الفلسطيني، «فتح». دعيت من حين إلى آخر لمقابلة الرئيس الراحل أبو عمار، وكان ذلك إما برفقة الراحل فيصل الحسيني وإما لوحدي. دارت مواضيع تلك اللقاءات حول شؤون سياسية إسرائيلية عامة، كان أبو عمار يريد أن يسمع فيها رأيي أو لمناقشة مواضيع تخص القدس، وكنت بحكم عملي لسنوات طويلة في «بيت الشرق» على دراية بما يحصل في المدينة، وصاحب وجهة نظر في شؤونها.
مع رحيل القائدين تبدلت في القدس دول ورجال، وفي مبنى المقاطعة لم أعد أحصى من أصحاب «الرأي»، ولم ألتق سيادة الرئيس محمود عباس، إلا في مناسبتين عنيتا بقضايا الأسرى في سجون الاحتلال، وفيهما أشعرني بحقيقة احترامه وتقديره لعملي ولرأيي، على حد سواء.
على غير العادة وقبل انعقاد الدورة الثامنة والعشرين للمجلس المركزي تلقيت دعوة من مكتب عضو اللجنة المركزية لحركة فتح السيد محمد المدني، وهو مفوض العلاقات مع «فلسطينيي الداخل». من دون تردد أخبرت محدثي أنني سأحضر إلا إذا منعني المرض الذي أعاني منه منذ أيام. لم أتردد في الموافقة مع أنني خشيت من الفوضى التي قد تسود المكان ومن شعوري «كالغريب»، لأنني لست من أهل «القبيلة» ولا من زوّارها وعوّادها الدائمين، وأنا أعرف أن لهذه المناسبات كهنتها وطقوسها وديباجاتها وبخورها؛ لكنني، مع هذا، شعرت بضرورة وجودي هناك، وحاجتي كي أسمع وأرى مباشرة وأحس نبض القاعة ووقع الكلمات في لحظتها وسياقها، من دون تغليف أو تكرير أو تخمير.
وصلت الى مدخل المقاطعة وبصحبتي صديقي المحامي أسامة السعدي. البرد متمرد والضباب يملأ الساحات والشوارع. المطر ينهمر برتابة مزعجة. يشتد للحظات ثم يستعيد إيقاعه ولا يتوقف. لم أجد في محيط المقاطعة مكانًا لإيقاف سيارتي. في لحظة إرباك سمعنا نقرة على الشباك وخلفه ظهر أمامنا كالشبح الملفوف بقطعة بلاستيكية كبيرة تقيه غضب المطر. كان رجل أمن وقف مع بعض زملائه في المكان ليطلب من المدعوين التوجه بسياراتهم الى موقف «الأمة» قبالة ضريح أبو عمار، فهناك تنتظرهم جيبات أعدت خصيصًا لنقل الوافدين إلى قاعة «أحمد الشقيري» لحضور الاجتماع. تبدد شعوري في الفوضى فمن الموقف نقلنا مباشرة الى القاعة التي دخلناها بتأخير طفيف. بدت الصفوف ملآنة والجموع واقفة على موسيقى النشيد الوطني. لم نفتش على أحد فجلسنا على أول مقعدين خاليين وجدناهما في الصف الأخير.
بعد لحظات تلا سليم الزعنون رئيس المجلس الوطني كلمته وأعقبه محمد بركة باسم «لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في إسرائيل»، ثم كانت كلمة الرئيس محمود عباس التي استمرت لقرابة الساعتين. كل من كان معنيًا بسماع خطاب الرئيس سمعه، إما مباشرة وإما لاحقًا، وكثيرون كتبوا عنه بموضوعية ورجاحة نقد، وآخرون علقوا عليه بما تمليه عليهم مواقعهم الحزبية أو انتماءاتهم الفصائلية أو ولاءاتهم الحركية أو كراهيتهم الراسخة للرئيس وتاريخه، بينما مارس البعض ضده هوايته المزمنة في التهكم والإدمان على التقريع والسخرية اللتين باتتا من أهم عادات «الثوار» الفيسبوكية غير السرية. للجميع حق في التعبير عن موقفه ازاء ما قيل، خاصةً أننا في مرحلة حاسمة من تاريخ النضال الفلسطيني والجميع يشعر بأن المؤامرة على تصفية القضية صارت قاب صفقة أو أدنى، كما صرح الرئيس في خطابه. لا يمكن إعفاء الرئيس ولا من معه في قيادة منظمة التحرير من وزر الماضي وقرارات المراحل السابقة، ولا أعتقد أن من سمع الرئيس لم يشعر بتحمله عبء تلك المسؤولية، حتى لو اشتمت أحيانًا بين كلماته نبرة تبريرية أو دفاعية عن ظروف اتخاذ تلك القرارات.
بعيدًا عما يمكن مناقشته من تفاصيل وردت في أو غابت عن خطاب الرئيس، وبوجود إمكانيات واضحة لتفكيك كل جملة ومناكفتها بمعطيات «تاريخية» أو بناءً على تجنيد فقه التجارب، سأنأى بنفسي عن جميع ذلك وسأكتب بتفاؤل عما أحسسته كإنسان سمع ما سمعه بأذنين أصغيتا بحذر وبعقل، حاول أن يفتش عن سلالم النجاة من دون أن يغفل مواقع المطبات بين الجمل والفواصل.
أستطيع أن أملأ عددًا من البوستات بما كان يجب أن يقوله الرئيس ولم يقله، وأستطيع أن افترض، كما فعل البعض، أن الرئيس كان يجب أن يوضح هنا أكثر، وأن يحسم هناك أكثر، لكنني سأكتفي، كمواطن جاء محملًا بهواجس ثقيلة ومحرضًا بغضب وعتب على كيف «باع الرئيس القضية» أن أنقل لكم مشاعري عندما تركت القاعة وأقلني الجيب عائدًا إلى سيارتي ثم إلى بيتي في القدس.
من الصعب على من لا يسكن فلسطين أن يعرف قيمة ومعنى الأمل في حياة كل مواطن فلسطيني، مهما كان عمره وموقعه. ومن المستحيل أن يعرف البعيدون دقة معنى أن يكون «ظلم ذوي القربى أشد مضاضة» وفي موطنك لم يعد لحلمك ليلٌ يسعه ولا سجن جدير بدمك. كنت راضيًا من قراري ومجيئي، ففي المكان ساد جو طبيعي وخال من العصبية أو الخوف أو التزلف. كلام الرئيس كان صريحًا حتى الشفافية، وفي كثير من المحطات تخطى أعراف الدبلوماسية الحذرة، خاصة عندما أعلن بحزم مناكف الموقف السعودي وجازمًا أن» القدس ليست أقل من مكة»، لا بل لم يتردد حين واجه جملة الأشقاء العرب قائلًا لهم «حلّوا عنا»، بعد أن كشف كيف دعم بعض هؤلاء العرب دونالد ترامب، وحاولوا تسويغ صفقته التي رفضها الرئيس واصفًا إياها «بصفعة العصر». وحتى عندما أسهب فيما بدا مقدمة متعبة في تاريخ المنطقة، تبين أنها جاءت في سياق استعادته لخطاب الحركة الوطنية الفلسطينية الأصلي والأساسي، في رد مواجه لخطاب الحركة الصهيونية المتصاعد والنافي للوجود وللحق الفلسطينيين في فلسطين التاريخية. كانت الجمل تزيل غبار المفارق القديمة وكنت مع كل موقف واضح أشعر بأن الحضور يستعيد تدريجيا ثقة تشظت، وملامح أفق غطاه الالتباس وفائض وهم الضفادع بصداقة العقارب في الرحلة المستحيلة فوق الأنهر العاتية.
«لا سلطة بدون سلطة» قال الرئيس وأردف حاثًا أعضاء المجلس ومتسائلا، إذن إلى أين نحن ذاهبون؟ فأنتم من ستجيبون على ذلك لأنه ما كان لن يكون ولن يدوم الوضع الراهن كما هو عليه ولا «احتلال بدون كلفة عسكرية» فلنتبنّ موقف المقاومة الشعبية السلمية التي في ظروفنا ستكون أنجع وأفيد وأكثر تأثيرًا على الاحتلال. لا أنوي ولا أرغب باستعراض عناصر خطبة الرئيس، فكما قلت، لقد فعل ذلك قبلي كثيرون، لكنني أؤكد أنني غادرت القاعة وقد ارتفع منسوب الأمل في داخلي، فصور الرئيس وهو يصارح غالبًا ويلمح أحيانًا، قربتني إلى واقعنا أكثر، فقارنته مع ما يقوله رؤساء العرب لشعوبهم وأحزابهم و»مثقفيهم» ومثلهم رؤساء العالم، من أصدقاء ومقاومين، ولم أجد سببًا لماذا نشتري إيهاماتنا ونشكك في مواقف الرئيس ولاءاته الصارمة؟ وعندما سمعته وهو يشرح كيف حاول المتآمرون، من عرب وعجم وترك وغرب، في الخارج وأعوانهم في الداخل، تفعيل الضغوط عليه للركوع، توقفت عند طوابير المفكرين والمنظرين والمحللين، الذين ينهالون على السياسة الفلسطينية وعلى قادتها «المنهزمين» و»المفرطين» وهم في مراكز دراساتهم وجامعاتهم ومؤسساتهم التي تزدهر برعاية ورضا تلك الدول وأجهزة حكمها وتحكمها في هذه الفضاءات المسممة. لم يكن خطابًا سحريًا لكنه كان جيّدًا في مجمله، فلقد تضمن اعترافًا بمخاطر المرحلة القاتلة، وتوصيفًا لمعسكرات الأعداء وتعريفًا بمباعث قوة الفلسطينيين وأولها الصمود في الوطن والوحدة والتمسك بالثوابت، فمن دون ذلك تتحقق الهزيمة وبها سيأتي النصر حتى لو بعد حين.
وصف الرئيس خطورة المنزلق الذي وصلت إليه الحالة الفلسطينية، وهو لا يملك حلولًا فورية للخلاص، ولم يعط مخارج مضمونة وآمنة، لكنه حاول أن يرسم ما يرفضه بشكل مطلق، فأمريكا لن تقبل بعد اليوم كراعية لأي عملية تفاوض، والمفاوضات لن تستأنف إذا لم تعتمد حل الدولتين أساسا لها ومرجعية، وانهاء الاحتلال يجب أن يكون شرطا يفضي لاقامة دولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وحل قضية اللاجئين على أساس القرار 194. خرجت قبل تداعي النهايات في القاعة. كانت الجيبات تنتظر الضيوف، ركبت وآخرون لم أتعرف عليهم. في طريقي كانت الردهة تعج بالناس وعلى وجوه بعضهم علت ابتسامات عريضة وآخرين يصرخون في سماعات هواتفهم بعبارات مطمئنة، وأخرى تعبر عن مفاجأتهم السعيدة، فلقد أراحهم كون الرئيس صريحًا حازمًا وواضحًا وأنه لم «يوفر» أحدًا. لقد أوصل خطاب الرئيس رسائله المهمة، والبقية في عهدة القادة والتاريخ.
أعرف أن كثيرين لن يوافقوا على إحساسي وحدسي وأقر بحق جميعهم، من يعرفونني ومن لا يعرفونني، لكنني لن أستوعب معارضة من يصغرون أقلامهم ويخرسونها في مواطن الاستبداد، وهم يرفلون في «أحضان» تحاول نسف أواصر القضية الفلسطينية والقضاء عليها، أو يعيشون في «مزارع» تخضر بنعم راعين وداعمين يقسمون باسم فلسطين في الأمسيات ويحفرون لأهلها القبور في الصباح.
حاولت أن أكتب ببساطة مواطن عادي ومن غير «تفلسف» زائد، فلقد كنت مثل آلاف الفلسطينيين غير المؤطرين تنظيميًا بحاجة إلى جرعة أمل فتلقيتها، وأنا لست ساذجًا، لأنني أعرف أن طريق العودة إلى الصواب والى البئر الأولى ما زال طويلًا وشاقًا، وأخالني سمعت الرئيس يقر بذلك، وسمعته أيضًا يوصي بالتعقل والصبر واجتراح المستحيل، فالبحر من حولنا يزخر بالحيتان الجائعة وبالمفترسين الذين لا يرحمون.
لو أردت لكتبت مئة مقال غير هذا، وأرضيت حفاري الرعد وعشاق البرق، لكنني أعرف ما يحتاجه اليوم الناس في فلسطين، حفنة وعد وخيط أفق شفيف وتنهيدة صبح في حضن الحبيب.
كاتب فلسطيني

من رام الله خيط أفق شفيف

جواد بولس

- -

3 تعليقات

  1. كل العرب المخلصون رايهم لا يختلف عن رايك ويتمنون ان يبقى الخطاب الفلسطيني والسياسة الفلسطينية كما انت شعرت بها وان لا تعود للوراء . حتى لا تتحطم الامال من جديد وحتى تبقى القدس عربية . وان شاء الله تبقى .

  2. العبرة بالأفعال و ليس بالأقوال
    خطاب و شعار و ما يهم الشعب هو العمل
    تنسيق امني و على اعلى المستويات و سلطه تعطي أسباب استمرار المعاناة
    نختلف في الرأي ولا مشكل في هذا .المشكل بانك تبالغ في آمالك و توقعاتك. الشعب بحاجه إلى رئيس على قدر المسئولية و عباس لا يملك هذه الصفات.

  3. غاندي حنا ناصر - كوريا الجنوبيه - سول ( # أنقذوا إسراء الجعابيص

    أستاذ جواد ..أنت إبن الأرض والقبيله وشيخ العشيره أنت الجواد العربي الأصيل ؟؟ نقول كل الرجال تموت وليس كل الرجال تحيا..مودتي

    أضحكني وأعجبني سردكم لبتروتوكولات الضيافه والتشريفات ؟؟ كان أحري سيدي أن يعقد الأجتماع في غزه المحاصره في مخيمات الاجئين كان أحرى ان يعقد الأجتماع في مدرسة الفاخوره في غزه الذي قصفها المحتل بالفسفور الأبيض لاسيدي دعني أعارضك لايوجد منطقه وسطى بين الحق والباطل كما لم يوجد منطقه وسطى بين الجنه والنار ..سيدي لا ليس هكذا تُسرج الخيل ولاهكذا تورد الأبل وغير هيك كلام لن يكون في محله قل ماشأت هذا شأنك .. عقد هذا الأجتماع في مدينة رام الله خطيئه كبرى وإقصاء للأخر الفلسطيني ولايوجد حرص على للملمة عار أوسلوا ولم الشمل الفلسطيني وإحتواء الأخر لايوجد نيه من حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح بترتيب البيت الفلسطيني؟ نحن لسنا غرباء ولابعيدون عن الهم نحن القضيه ياأستاذ جواد نحن التيه نحن النكبه نحن الشات الاجؤون بربك أعدني الى بيتي في يافا ؟؟ هل تخيلت يوماً أنك منفي ومبعد عن بيتك في الجليل هل شعرت يوما بأن بيتك وبيت أجداك يسكنه الغرباء ومغتصب من أسره أكرانيه لا تعلم لماذا اتت الى هذه الأرض وما قيمتها ..حلق كماشئت من غير الشتات ومن غير مبادىء تنطلق من مبادىء الثوره على لم الكل الفلسطيني وجعل مصلحة المشروع الوطني هي المصلحه العليا يصبح كل هذا تحليق باطل عن سياق الأمور وهروب الى الخلف وحدتنا
    طريق عودتنا ؟وطني علمني أن حروف التاريخ مزورةٌ إن لم تكتب بدماء وطني لم يكن ولن يكون يوماً بقايا من داحس والغبراء وطني القدس وشوارعها العتيقه وطني الشيخ الجليل وتسبيحة ناسك وطني بحر يافا وغزة هاشم قاهرة الغزاه وطني شعبي الفلسطيني هويتي كرامتي زيتونة اجدادي ترنيمة كنعانيه في موسم الحصاد في مرج بن عامر وطني دموع وألام إسراء الجعابيص وإباء عهد التميمي وطني المسروق من بعاة الحمام والمرابين وطني آيه قدسيه في صلاة التراويح في الأقصى وطني ألام يسوع الناصري على الصليب وطني المسروق المسكون بخفافيش الليل .. لن تسقط الرايه وسوف تستمر معركة الأرادة الصمود.. الحريه لعهد التميمي ورفيقات دربها … الحريه والشفاء العاجل لأسراء الجعابيص ..
    #القدس_عاصمة_فلسطين

    ———–
    إبن النكبه العائد غلىيافا
    لاجىء فلسطيني

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left