في علاقة الفساد بالسلطوية

المعطي منجب

Jan 19, 2018

تشهد كل المؤشرات الاقتصادية والسياسية عن وجود علاقة وثيقة بين ظاهرتي الفساد والسلطوية. ونعني هنا بالفساد، الفساد المالي والاقتصادي والإداري حيث تتفشى الرشوة والسطو على المال العام والمحسوبية في التعيين في المناصب العليا وانعدام الشفافية في طلبات العروض و تفويت الصفقات العمومية للمقاولات الخاصة. أقول هذا لأن السلطوية في حد ذاتها، يعتبرها الكثير من المفكرين، ومنهم المعلم الأول أرسطو، فسادا سياسيا.
ولنبرهن على هذه العلاقة سنصوب نظرنا في هذا المقال السريع نحو حالتي إفريقيا والمغرب. فمؤشر الديمقراطية في العالم الذي تنشره كل سنة الهيئة المتخصصة التابعة لجريدة «ايكونوميست» وهي مؤسسة إعلامية بالغة الجدية، يضع على رأس قائمة الدول الإفريقية الأكثر احتراما للديمقراطية، قواعد وقيما، ثلاثة بلدان هي جزيرة موريس والرأس الأخضر وبوتسوانا.
. والغريب بل والمنطقي هو أن منظمات دولية أخرى متخصصة في جمع المعلومات عن الفساد بين دول العالم، وهي بالمناسبة تعتمد منهجيات ومؤشرات مختلفة عن تلك المتعلقة بالديمقراطية، تصل إلى ترتيب قريب جدا فيما يخص إفريقيا: فالبلدان الأقل فسادا تكاد تكون هي نفسها الأكثر احتراما للحريات العمومية والفصل بين السلط والمساواة القانونية والاعتبارية بين المواطنين. فمنظمة الشفافية ترانسبرانسي انترناشيونال تضع البلدان الثلاثة السابقة الذكر على رأس لائحتها الخاصة بإفريقيا. الفرق الوحيد أن بوتسوانا هي الأولى وجزيرة موريس هي الثالثة بينما تحتل دولة الرأس الأخضر المرتبة الثانية في اللائحتين. أما في ما يتعلق بالمغرب فيمكن ملاحظة نفس التلازم بين الإرادة الرسمية المعبر عنها فيما يخص الدمقرطة ومحاربة الفساد. نقول هذا الكلام بمناسبة البيان الذي أصدرته مؤخرا الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة بمناسبة الذكرى الثانية والعشرين لتأسيسها والذي تؤكد فيه أن وضعية البلاد المتعلقة بالرشوة والفساد أصبحت لا تطاق. يقول البيان بالحرف الواحد:
«لا يزال المغرب يعاني من فساد نسقي ومزمن كما يتضح من خلال العديد من المؤشرات ذات الصلة، ولا تسمح التطورات الراهنة بالأمل في إمكانية حدوث تقدم ملحوظ دون تغيير في مواقف السلطات العمومية. إذ بعدما كانت هذه السلطات تنكر استفحال الظاهرة، أصبحت تقر بها وتبادر لإعلان النوايا لاحتوائها، ولكنها لا تزال تتجنب اتخاذ أية خطوات حاسمة وقوية ومتقاربة وفعالة» لمحاربة الظاهرة. يمكن أن نذهب أبعد مما تقول ترنسبرانسي ـ المغرب، فالرأي العام يتذكر أنه وتبعا للحراك الديمقراطي الذي عرفه المغرب سنة 2011 و2012 اتخذت السلطات عدة قرارات كان يمكن أن تكون حاسمة في محاربة الفساد. ومن هذه القرارات المهمة تقوية دور وسلطات مؤسسات الحكامة المتعلقة بالشفافية ومنها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها. ومنها كذلك مجلس التنافسية الاقتصادية. فتبعا لمقولة «وكم من حاجة قضيناها بتركها»، عمدت السلطات إلى تجميد هاتين الهيئتين في محاربة الفساد وانعدام الشفافية الاقتصادية. تم تجميدهما بشكل يكاد يكون نهائيا وذلك بعدم تعيين أو تعويض من انسحب من الشخصيات الضرورية لعملهما، بل إن رئيس مجلس التنافسية السيد عبد العالي بنعمور وهو سياسي معروف بجرأته، صرح للاسبوعية الفرنكفونية «تيل كيل»، أن هناك «لوبيات اقتصادية عملت على كبح عمله».
ورغم أن قضية التجميد هذه أثيرت أمام البرلمان من قبل عمر بلافريج ممثل فيدرالية اليسار الديمقراطي، وأن السؤال الموجه للحكومة من لدن البرلماني الشاب أثار صخبا كبيرا في مجلس النواب وعلى صفحات الصحافة المستقلة فإن السلطات لم تقم بأي رد فعل يذكر إلى اليوم.
وهنا لابد من التذكير أن آخر تقرير نشره مجلس التنافسية يعود إلى سنة 2013 وهي السنة بالضبط التي توقفت فيها مسيرة الإصلاح الديمقراطي بالمغرب وهي نفس السنة التي وقع فيها الانقلاب بمصر والتراجع عن المكتسبات الديمقراطية بعدة دول بالمنطقة. وتلك قضية أخرى.

٭ كاتب مغربي

في علاقة الفساد بالسلطوية

المعطي منجب

- -

3 تعليقات

  1. عندما يحكم الشعب مباشرة دون وساطة ودون تفويض لأحد فإن الأنظمة الفاسد والمستبدة لن تجد لها طريقا إلى الحكم.

  2. التسلط يستحكم بشراء الذمم والأستئثار بالثروات، والفساد كالطحالب لا ينتعش إلا في الأوساط المتعفنة (عدم استقلالية القضاء ديموقراطية صورية حرية التعبير محدودة حقوق الإنسان منتهكة عدالة إجتماعية مغيبة…)، الفساد هو وقود ومصدر طاقة للتسلط والإستبداد، هناك علاقة جدلية بين الفساد والتسلط، حين يسقط الإستبداد يضمحل الفساد. أشار كاتب المقال إلى نموذج المغرب ودول إفريقية في محاولة رصد العلاقة المتلازمة بين الآفتين، أورد مثالين كمؤشر لترابط الفساد بالتسلط:
    1- المتتبع للأوضاع السياسية والإقتصادية بالمغرب لا يكاد يستوعب التناقض بين معطى الصعوبات التي يعرفها اقتصاد البلد وتزايد ديونه الخارجية ونجاح محيط الملك في المقابل في تدبير ثروته لترتفع في غضون أربع سنوات من 2.1 مليار دولار إلى 5.7 مليار دولار!؟!
    2- في الوقت الذي لم يعرف فيه قطاعي الفلاحة والصيد البحري أي تطور يذكر في السنوات الأخيرة،!؟!

  3. المغرب تراجع عن المسلسل الديمقراطي بعد نجاح الثورة المضادة ويوجد الان في وضعيته القديمة،لا هو ديمقراطي ولا هو ديكتاتوري. السؤال هو ما سبب غياب مجتمع يضم نخب فكرية واقتصادية تفرض بناء دولة ديمقراطية في المغرب .علما ان هذه الوضعية لا تضمن مستقبلا افضل لانها تعيق التنمية والازدهار.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left