«زفة» تلفزيونية احتفالا بتقديم مساعدات غذائية لسكان الجبال.. ووزير ينثر حبات السكر في البرلمان!

الطاهر الطويل

Jan 19, 2018

عوض أن يكون التلفزيون المغربي الرسمي أداة لتجسيد الوعي بالحقوق بجانب الواجبات، ومن ضمنها حق المواطن على الدولة في توفير العيش الكريم، نجده يقدم صورا سلبية عن شريحة من المواطنين، ولا سيما الطبقة الفقيرة.
خلال هذه الأيام التي يشتد فيها الصقيع وتتراكم الثلوج في المناطق الجبلية، وتضرب العزلة طوقا حول سكان الجبال والأرياف النائية، تمتلئ نشرات الأخبار التلفزيونية ـ يوميا تقريبا ـ بتقارير تحاول تلميع نظرة المؤسسة الرسمية إلى الفقراء والمحتاجين. وكالعادة، يبدو في تلك التقارير مواطنون مغلوبون على أمرهم، يتسلمون من مسؤولين مساعدات عينية، تتشكل من مواد غذائية وأغطية، حيث يحمل كل مواطن كيس المساعدة على ظهره، ثم يتقدم نحوه الميكروفون والكاميرا، لتسجيل شعوره وانطباعه، مثلما يُطلب منه. وكما هو مألوف في هذه الحالات، تتكرر عبارات الشكر والثناء والمديح، التي لُقّنتْ للبعض من قبل، أو ربما ـ فقط ـ وجدوا أنفسهم مدعوين لترديدها، باعتبار أن التلفزيون ينتمي إلى «المخزن» (السلطة الرسمية)، ولا يمكن للمواطن أن يقول فيه كلاما لا يرضى عنه «المخزن»، وخاصة إذا تلقى من هذا الأخير مساعدات مادية.
غير أن الشكل الذي تُقدّم به تلك «المساعدات» في التقارير التلفزيونية يبدو متضمنا للعديد من عناصر الإهانة والإذلال والحط بالكرامة البشرية، كما لو أن السلطة تمنّ على أولئك المستفيدين من زيت وسكر وغطاء… الخ، ولا توفر لهم حقا من حقوقهم الأساسية التي تندرج ضمن شروط المواطنة الحقة.
ومثلما يقول المثل الصيني الشهير «لا تعطني سمكة ولكن علمني كيف أصطاد السمك»، فأولئك المواطنون البسطاء لا ينتظرون من الحكومة أن تتبجح عليهم بتقديم مساعدات ظرفية، وتحرص على إظهارها من خلال التلفزيون، رغم أن تلك المساعدات لا تسمن ولا تغني من جوع ولا تقي كل الأسر من البرد القارس طيلة فصل الشتاء؛ والحال أن الحكومة والمؤسسات المنتخبة ومختلف أجهزة الدولة الفقراء مطالبة بإيجاد حلول دائمة كفيلة بالتخفيف من معاناة سكان الجبال والمناطق النائية، من خلال تعزيز شبكة الطرق وإنشاء المزيد من المراكز الصحية والمدارس وتوفير العمل للعاطلين وغير ذلك من مقومات المواطنة والعيش الكريم.
قبل بضعة شهور، سخر الكثيرون من رئيس جمعية «إحسانية» في ضواحي مدينة الصويرة (القريبة من أغادير)، كان يوزع مساعدات غذائية لا تتعدى قيمتها 15 دولار، واستنكروا تلك الطريقة التي تُقدّم بها المساعدات على النساء القادمات من مناطق بعيدة، مما أدى إلى وقوع كارثة مؤلمة، تمثلت في مقتل عدة نساء وجرح أخريات بفعل التدافع. لكنّ أولئك الساخرين المستنكرين يتجاهلون أن ذلك «المحسن» إنما يقتدي بعمل المؤسسة الرسمية التي توزع قنينات زيت وقطع سكر وأغطية، وتقيم لذلك «زفة» كبيرة!

وزراء مع الشعب أم ضده؟

وتتوالى المضحكات المبكيات في بلد صارت فيه الحكومة مجرد إطار أجوف له خوار، يكتفي بتنفيذ إملاءات صندوق النقد الدولي، غير عابئ بأوضاع الغالبية العظمى من الشعب.
ومن بين القرارات غير الشعبية للحكومة «العثمانية» (نسبة إلى رئيسها سعد الدين العثماني، المغلوب على أمره) الاتجاه نحو رفع الدعم عن عدد من المواد الأساسية، وإلغاء مجانية التعليم العالي، وتحرير صرف العملة المحلية الدرهم أو ما يسمى «تعويمه»، (وبالمناسبة، فإن «تعويم» الدرهم صار موضوع نكتة وسخرية في المواقع الإلكترونية وفي شبكات التواصل الاجتماعي، حيث يتنافس رسامو الكاريكاتير وفنانو الفوتوشوب المغاربة في إظهار حالات الدرهم وهو «يعوم»!).
ودائما، في إطار المشاهد المضحكة المبكية، ظهر الوزير لحسن الداودي (المنتمي لحزب العدالة والتنمية) منذ بضعة أيام، عبر شاشة التلفزيون، وهو يجيب على أسئلة بعض البرلمانيين حول موضوع رفع الدعم عن المواد الأساسية. وقد حرص الوزير المذكور على حمل إحدى «وسائل الإيضاح»، كما لو أنه أستاذ أمام تلاميذه. وتمثلت تلك الوسيلة في علبة صغيرة جدا للسكر المسحوق الذي يقدم عادة لزبائن المقاهي مع أكواب القهوة أو العصير، كما يستعمل في المخابز. وتساءل: هل هذا النوع من السكر يوجد لدى سكان الجبال؟ إنهم يستعملون أنواعا أخرى من السكر، ولا يستعملون السكر المسحوق الذي يندرج ضمن المواد المدعمة، فتستفيد منه الشركات في المدن، والأصل أن الدعم وُجد لفائدة الفقراء. ولم يكتف الوزير الداودي بإظهار العلبة الصغيرة، وإنما عمد إلى فتحها وترك حبيبات السكر تنساب من بين أصابع يديه، لتتساقط على أرضية القاعة الكبرى للبرلمان، ناسيا أو متناسيا أنه خلق مشكلة في النظافة!
أما زميله في الحكومة وأخوه في الحزب والحركة الدعوية، مصطفى الخلفي، الناطق الرسمي باسم الوزراء، فانبرى مدافعا عن قرار إلغاء مجانية التعليم العالي، ونقلت عنه نشرات الأخبار قوله إن هذا القرار يهم فقط الطبقة الميسورة، التي هي ملزمة بدفع رسوم لتسجيل أبنائها في الجامعات، في حين أن الأسر الفقيرة غير معنية بذلك القرار.
والواقع أن هذا الكلام يتضمن مغالطة كبرى، تتمثل في أن جل أبناء الأثرياء لا يتابعون دراستهم في التعليم العمومي، وإنما يدرسون في المعاهد والجامعات الخاصة، داخل المغرب وخارجه.
أما بخصوص تحرير صرف الدرهم، فإن هذا الموضوع استرعى بانتباه بعض القنوات العربية، ومن بينها قناة «الغد» المصرية، التي استضافت في برنامجها «جولة في السوق» الإعلامي المتخصص في الاقتصاد محمد الشرقي والخبير الاقتصادي كميل الساري، فبينما دافع الأول عن قرار «التعويم»، من منطلق كونه يساهم في تطوير الصادرات وجلب الاستثمارات ويشجع تحويلات المغاربة المقيمين في الخارج، عارض الخبير كميل القرار، مشيرا إلى أن نظام الصرف يختلف بين دول تتوفر على عملة غير قابلة للتحويل وبين دول أخرى لها عملة قابلة لذلك، وموضحا أن بلدانا مثل المغرب والجزائر وتونس ومصر لا تتوفر على عملات قابلة للتحويل، أي أنها لا تخرج عن إطار الحدود ويمنع تداولها خارج هذه البلدان.

صمت غير حكيم!

شخصيًا، أرفض التنابز بالألقاب، ولكن النعت الذي ابتكره بعض الظرفاء لرئيس الحكومة السيد سعد الدين العثماني، ليس موجها إلى شخصه بالذات، بل هو وصف لسلوك سياسي منطبع به، فحين قالوا عنه «صمت الدين البكماني»، ربما أرادوا بذلك انتقاد ميله إلى الصمت، كما لو أنه أبكم، ينفذ ما يمليه عليه اللوبي الاقتصادي المحلي من جهة، وخبراء صندوق النقد الدولي من جهة أخرى، وكل همّه أن تمر فترة ولايته بسلام، مع أن المؤشرات تبين أن حكومته لن تعمّر طويلا، حتى وإن ظلّ التلفزيون الرسمي يطبّـل لها صباح مساء!

كاتب من المغرب

 

«زفة» تلفزيونية احتفالا بتقديم مساعدات غذائية لسكان الجبال.. ووزير ينثر حبات السكر في البرلمان!

الطاهر الطويل

- -

3 تعليقات

  1. معظم حكومات الدول العربية لا تكترث للفقير من مبدأ جوع كلبك يتبعك !
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. اسعد الله صباحكم اخي الكاتب ، مدة طويلة بخلت علينا بإطلالتك الشيقة نتمنى ان يكون المانع خيراً انشاء الله . و الله لن يتغير شىء يذكر ما دام هناك فارق شاسع بين طبقات الشعب المغربي . مغرب نافع و مغرب غير نافع . تناقض كبير وسط المجتمع المغربي و الفوارق شاسعة ، كفى من النفاق السياسي .

    • إن شاء الله عزيزي مواطن حفظكم الله وليس إنشاء الله
      مع تحياتي ومحبتي واحترامي لك وللجميع
      ولا حول ولا قوة الا بالله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left