سيمونا عبدالله صبية من فلسطين تسعى لبناء جسر موسيقي بين الشرق والغرب

أتقنت عزف الإيقاعات عبر النظر والسماع ووجدت شهرة في أوروبا

Jan 20, 2018

بيروت ـ «القدس العربي»: زهرة مرعي : جذبتها الطبلة منذ طفولتها، لكن العادات والتقاليد حاصرتها بعيداً عنها. وعندما امتلكت سيمونا عبدالله قرارها صارت من عازفات الإيقاع الشهيرات في أوروبا. صبية من فلسطين عاشت طفولتها في غيتو للاجئين في الدنمارك، حيث شروط ونظم الحياة الاجتماعية مشابهة لأي مجتمع عربي منغلق يقصي الفتاة عن تحقيق ذاتها، ويجد سترها في زواجها.
سيمونا عبدالله من مدينة حيفا، والداها من مواليد لبنان، البحث عن الحياة الكريمة قاد العائلة إلى الدنمارك. وفي منزل ذويها تشربت الموسيقى الشرقية، وسرت نغمات الطبلة في دمها. دفء الشرق جذبها فعادت إلى بيروت بحثاً عن مشروع فني جديد، وكانت لها حفلات «صولو» كما اهتم الإعلام بموهبتها، فعازفات الإيقاع قلة أو حتى نادرات. كذلك منحها الفنان الياس الرحباني لحنين قديمين له لتمزجهما في الموسيقى الإلكترونية.
مع سيمونا التي تعزف بكل جوارحها ناشرة حولها ذبذبات من الحيوية والحركة والحب كان هذا الحوار:
■ أنت في بيروت منذ حوالي شهرين فما هو المشروع؟
■ هذه ليست زيارتي الأولى، سبقتها زيارة قبل أربع سنوات. جئت سابقاً وأجريت أبحاثاً. بصراحة أنا بشوق للأجواء العربية. أقيم في الدنمارك منذ سنة 1985 وأنا دنماركية، لكن جذوري هنا، وأشتاق لها. في الزيارة الأولى أعجبتني الحياة الاجتماعية في بيروت. أنا هنا كذلك لأني أحتاج لشهرة عربية، فجمهوري بأغلبيته أوروبي. الموسيقى التي أعزفها تشكل مزيجاً بين الشرقي والغربي. منذ طفولتي أعشق موسيقانا الأصيلة من بليغ حمدي، ومحمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وعبد الحليم، ووردة وكل من غنى بدءاً من أربعينيات القرن الماضي وحتى السبعينيات. أستمع للموسيقى العربية القديمة وأشعر كم يضع الموسيقي من روحه في معزوفته. كعازفة إيقاع أرغب في العودة لتلك الموسيقى والمساهمة بجعلها حية على مدى الأيام. في كافة حفلاتي في أوروبا أقدم «ريميكس» يمزج بين الموسيقى العربية القديمة والموسيقى الإلكترونية. تعرّف جمهوري إلى الموسيقى العربية القديمة وأعجبته كثيراً، ومن خلال الآلة وحدها. اعتمد في حفلاتي الـ»باكينك تراك». منذ 18 سنة وأنا أعزف، والطبلة هي تخصصي. أما دافع الزيارة المباشر إلى بيروت أن جاد الرحباني اكتشف فني منذ حوالي سنة ووجه لي دعوة للزيارة بهدف تقديم «ميدلي» من أغنيات فيروز. أعجبه هدفي في العمل لبناء جسر بين الشرق والغرب من خلال الموسيقى، مع الاحتفاظ بالجذور العربية. قبل أيام حصلنا على الحقوق القانونية لتقديم أغنيتي «كان الزمان وكان، ويا ناسيني». سأعمل مع منتج أعمالي لؤي حناوي لتقديمهما «ريميكس وميدلي» ومزجهما بالموسيقى الإلكترونية الراقصة، وسيتم هذا العمل في لندن. إذاً إقامتي هنا كانت مثمرة مهنياً، وكانت لي كذلك العديد من الحفلات.
■ قررت إيصال الإيقاع العربي الشرقي إلى أوروبا كيف استقبله الجمهور؟
■ الجمهور الدنماركي يُنصت بتركيز للموسيقى. وبعد الحفل يخبروني بحماسهم للتصفيق والرقص، وامتناعهم لعدم ازعاجي. منذ تسع سنوات وحفلاتي في الدول الاسكندنافية متواصلة، والجميع يرغب في سماع الجديد الذي أقدمه.
■ هل من خصوصية تلتزمين بها لدى التوجه للمتلقي الغربي؟
■ ليس بالضرورة. أغلب حفلاتي صولو، وعزفت مع فنانين دنماركيين وقدمنا موسيقى جاز وفوك. دائماً أتلقى دعوات لحفلات تمزج بين الإيقاعات الغربية والعربية. عزفت في البرلمان الدنماركي، وتلقيت دعوة لزيارة القصر الملكي. هناك ينظرون لي كنموذج يحتذى به خرج من غيتو اللاجئين. كذلك قدمت الكثير من المحاضرات، حكيت فيها قصتي الشخصية، وتحدثت عن الموسيقى العربية. وكذلك عن كل ما هو جميل في مجتمعنا العربي، خاصة وأن الصورة الراسخة لديهم عنا كعرب ومسلمين سلبية للغاية.
■ نعرف أن عائلتك محبة للموسيقى والغناء كم استفدت من هذا المخزون الذي زُرع داخلك؟
■ رغم التواجد منذ الطفولة في الدنمارك فالتلفزيون في بيتنا وبيوت كل من نعرف من العرب يعمل على محطة عربية طوال الوقت. في صغري كانت الحفلات الفنية المسجلة من المدن العربية الشرقية لا تنتهي، وكان أخي الكبير يعزف على الأورغ والدرامز في الأعراس، ويتدرب في بيتنا. كل تلك الموسيقى شكلت روحي. وعندما أحضر لي أخي طبلة وأنا في عمر 14 سنة وجدتها هدية من السماء، وبدأ التواصل الروحي معها ولا يزال. صرت أراقب عازف الطبلة على الشاشة وأدخل غرفتي لتعليم نفسي الإيقاعات. في الغيتو كنت أجلس في الصف الأول في حفلات الخطوبة والزواج الكثيرة لمراقبة عازف الطبلة. وهكذا تعلمت بالنظر والسمع.
■ هل سعيت لأن تكون معرفتك الموسيقية أكاديمية؟
■ لم يكن مسموحاً، المدرسة وحدها مسموحة. لكني ثابرت على تعليم نفسي خاصة بعد أن أعطاني أخي إثر زواجه حوالي 5007 كرونة، ورحت أتابع التمارين برفقتها.عزفت بداية لفتيات العائلة ومنذ أتقنت الريتم الأول والثاني. كانت المساحة الوحيدة المتاحة.
■ لأن الطبلة كانت اختيارك في الموسيقى فهل كنت تتمكنين في التمرين حيث تعيشين؟ ألم يعترض الجيران على الصوت؟
■ في الغيتو لم أسمع اعتراضاً، الجميع يخبط ويضج في كوبنهاغن، وعندما اعترض الجيران صرت أحشوا الطبلة مناشف لتخفيف الصوت، ولأتمكن فقط من تمرين يديَ.
■ ما هي المصاعب التي واجهتك في الاحتراف؟
■ بعد الانتهاء من المدرسة منعني أهلي من العزف. حسبهم «ما عنا بنات تعزف طبلة هاي للشباب». خاطبني الجميع «إهدي». فيما كان الإيقاع يجري في دمي. في عمر الـ23 انتقلت إلى كوبنهاغن بفعل الزواج، وهناك بدأت اللقاءات مع الفنانين، وتلبية الدعوات لحفلات خاصة. ومن حينها قررت أن تكون الموسيقى حياتي. بدأت الاحتراف سنة 2007. لكني واجهت مصاعب مع عائلتي لدى الانفصال لأني قررت العيش في كوبنهاغن. بالنسبة لي العودة إلى الغيتو مستحيلة، فقد خنقني كفاية وحدّ من تطوري. فكانت ردة فعل أهلي المباشرة: «والعالم شو منقلهم؟ رجعي ع بيت أهلك». بعد سنوات تقبلوا الفكرة. اتصلت مرة بوالدي لأخبره بحفل لي قريباً من الغيتو من ضمن جولة في الدنمارك. دعوته لحضور الحفل وأخبرته أن الطبلة صارت مهنتي. جاء مع أخويَ محمد وفاتن. جلس في الصف الأول وكان قلبي يكاد ينخلع من مكانه. صورني فيديو، ومن ثم صعد إلى المسرح للتصوير، واقترب مني وقبلني على جبيني. وكانت المباركة.
■ ولدت في المانيا وتعيشين في الدنمارك لماذا هذا الخيار؟
■ هاجرت عائلتي من مخيم البداوي إلى المانيا مع الحرب الأهلية في لبنان. وفي بداية الثمانينيات أعادونا بحجة هدوء الوضع، وكنت قد ولدت هناك. سنة 1985 كرر والدي الهجرة منفرداً على ان نتبعه كجمع شمل. ولأكثر من سنة لم نعرف عنه خبراً. رسائل كثيرة بعثناها ولم تصل واحدة. علمت والدتي أن الدنمارك تستقبل الفلسطينيين، فقررت الهجرة وكنا برفقة عمي. والدي الذي كان يعيش في جزيرة بعيدة سبع ساعات عن كوبنهاغن، سمع في دوره أن عائلات فلسطينية وصلت إلى العاصمة، فجاء إلى حيث تجمع المهاجرين عله يجدنا. بعد وصولنا بست ساعات سمعت والدتي من يناديها. فكان والدي.
■ هل تعرفين اللغة العربية قراءة وكتابة؟
■ اتمنى لو أتمكن من التعبير عن نفسي بالعربية بسهولة أكثر. تعلمتها في الدنمارك ولأني لا أستعملها تغيب عني مصطلحات.
■ ومن ساندك في مشوار الفن؟
■ فقط أخويَ فاتن ومحمد، وكنت أحتاج لهما كسند عائلي، وكانا يحضران حفلاتي حين يتمكنان، وذلك قبل معرفة والدي باحترافي.
■ من هم الموسيقيون العرب الذين تتعاونين معهم؟
■ تعاونت مع بلال أرشيد، وهو عازف عود محترف من القدس. واستخدمت موسيقى سعيد مراد. وكان لي حفل مع تامر حسني والشاب خالد. وجولة مع ناتاشا أطلس. وعلى صعيد منفرد كانت لي جولات في افريقيا وآسيا وأوروبا، هي جولات تخللتها حفلات صولو وورشات عمل ومحاضرات.
■ هل لنا القول أن الإحساس السماعي لديك هو عربي شرقي صافي؟
■ بكل تأكيد. وحاليا أعمل مع المنتج لؤي الحناوي لتقديم ألبوم. وكانت البداية ريميكس لقصيدة «قارئة الفنجان» ومصممان معاً لتقديم أغنية «من غير ليه».
■ متى وأين تعيشين الاحساس بالموسيقى الأوروبية؟
■ أعيش في المجتمع الدنماركي ويومياً نسمع الغربي. في منزلي فقط أسمع الموسيقى العربية. الدنماركيون لن يطربوا بأم كلثوم، ومن أجل تلك المشاعر أنا في بيروت، وأعشق العيش فيها.
■ بماذا يصفك الغربيون؟ كيف ينظرون لحضورك على المسرح؟
■ الموسيقى التي أقدمها تمس المتلقين، ومنهم من يُغمض عينيه ليسمع بنقاء، ومنهم من يبكي، فالذبذبات تترك فيهم أثراً. يصف الإعلام الموسيقى التي أقدمها بالقوية والفعالة، ويرحب بالدمج بين الموسيقى الغربية والعربية.
■ الطبلة نجمة الأفراح هل تحيين منها الكثير للمهاجرين العرب في أوروبا؟
■ لا أحب العزف في الأفراح في الدنمارك، الجمهور العربي هناك لن يتوافق مع رؤيتي الموسيقية، عدا عن كونهم لم يتقبلوا بعد عزف الإيقاع من قبل امرأة، فيما استقبلت بالترحاب في شتى البلدان العربية. نسبة اللاجئين العرب في حفلاتي في الدنمارك لا تتعدى 20 في المئة.
■ ماذا عن عزفك مع فريق من ست فتيات لاجئات؟
■ بل نحن خمس لاجئات عازفات. نعزف الطبلة، الكورة وهي آلة افريقية وغيرها. ننتمي للعراق، فلسطين والارجنتين. والفتيات الأربع يعشن في السويد. حفلاتنا تلقى الإقبال الكبير، وكل منا تحكي بعضاً من قصتها، وتقدم الآلة التي تعزفها للجمهور.
■ وماذا عن تعاونك مع عازفين غربيين؟
■ يتكرر هذا التعاون مع فرق صغيرة وكبيرة ومع الأوركسترا السيمفونية. افتتحت حفلات لفنانين يضم حفلهم بحدود 50 ألف شخص. حفلاتي مع دنماركيين، وسويديين وافريقيين.
■ في لبنان أنت قريبة لفلسطين هل شعرت بهذه المسافة الصغيرة البعيدة؟
■ زرت فلسطين ومكثت فيها ثلاثة أشهر، أحييت حفلات في القدس ورام الله، عزفت في مسرح عشتار وهو الأقدم في فلسطين، وفي البيت الدنماركي في رام الله. أحببت رام الله. فيها الكثير من المهرجانات، يحضرها الشباب والثورة في عيونهم، وخلال الحفل يتلقون خبر اعتقال هذا القريب أو الصديق. 50 في المئة من سكان المدينة مروا بتجربة السجن. وصلت إلى فلسطين وخضعت لتحقيق لمدة أربع ساعات من سلطات الاحتلال.
■ هل تشغلك قضية فلسطين؟ وكيف تعبرين عنها في الغرب؟
■ بالتأكيد. وفي كافة محاضراتي أروي قصتي وهجرة أجدادي من فلسطين، ولماذا أنا في الدنمارك. لست سياسية لكني لا أنسى وطني المسلوب وما يتعرض له شعبه.

سيمونا عبدالله صبية من فلسطين تسعى لبناء جسر موسيقي بين الشرق والغرب
أتقنت عزف الإيقاعات عبر النظر والسماع ووجدت شهرة في أوروبا
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left