الروائي السوري فادي عزام في «بيت حُدُد»: تجسيد المأساة وحقائق الثورة المغدورة

هاشم شفيق

Jan 20, 2018

كلُّ حربٍ لها ضحاياها ومشعلوها، وكل مأساةٍ لها مدوِّنوها وكتابها وموثقوها، ولها الشاهد العِياني، والمشارك، إنْ كان صحافياً، أو كاتباً، أو أديباً مغامراً ووطنياً، وجد البلاد في عهدته، أو في قلبه كتعبير نيرودا، وهو المواطن التشيلي حين كتب أثناء الحرب الأهلية «إسبانيا في القلب»، أو همنغواي حين كتب روايته «وداعاً للسلاح»، وموديانو في مجمل رواياته، وستيفان زفايغ في مذكراته التي كتبها في البرازيل قبيل انتحاره هناك، كذلك الفرنسي اندريه مالرو الذي كتب رواية «الأمل»، هذا ناهيك عن «المذكرات المضادة» التي كتبها مالرو ودوَّن الكثير عن خفايا الحرب العالمية الثانية، وفضح أيضاً الكثير ممن هادنوا وصمتوا، وابتعدوا وتواطأوا مع الأجنبي الدخيل، والمعتدي على أرضهم الفرنسية. كتابات ووثائق وروايات كثيرة ظهرت عن الحربين العالميتين الأولى والثانية، وصُنِعتْ أفلام لا تحصى عنهما، ولا تزال حتى اللحظة تكتب روايات مستعيدة تلك الأيام العصيبة في الحياة الأوروبية والأمريكية .
أزعم أن الحروب والجوائح والتهاويل الكارثية والتراجيديات هي من يصنع الأعمال الباهرة والمؤثرة، كونها ترتبط بالمصير الإنساني وبالنهايات للبشرية، ومآلات المجتمعات حين تدهمها كارثة ما، أو مأساة تفجر الدم وتحصد الكائنات الحية، وتدمر الحياة وتفني الأرض والبشر، ومثالنا الساطع والحي في عالمنا العربي حربا الخليج الأولى والثانية، وحروب «داعش» في كل من العراق وسوريا، ومن ثم حروب «الربيع العربي» وما آلت إليه من انتكاسات وحروب دموية ومصائب يومية، في كل من اليمن وسوريا .
وفق هذا السياق، بدت الحرب السورية حرباً مدمرة، دمرت بلدات وحواضر ومدائن لا تحصى، كل ذلك جاء عبر نداء يطالب بالحرية، والحقوق الديمقراطية، والانفتاح الفكري والعقائدي، وعدم احتكار السلطات بيد واحدة، وحصر المعتقدات في معتقد واحد، فحصلتْ ثورة سلمية، من دون سلاح في المبتدى، حوَّلتها السلطات الفاشية والطائفية والديكتاتورية إلى ثورة مسلحة بالقوة، قوة المحق والقتل والتعذيب، قوة البراميل المتفجرة، والمواد الكيميائية التي طاولت النساء والشيوخ والأطفال، وقضت على حياة كاملة لآمنين، غير مسلحين، وشردتْ شعباً أعزل إلى مدن مجاورة وأجنبية، تعدى العشرة ملايين، من أجل الحفاظ في النهاية على الكرسي لشخص واحد، وفئة واحدة، طائفية، مسنودة بميليشيات خارجية، وعصابات وافدة من هنا وهناك، لتقول: نحن أقوى من الشعب، ونحن كعيِّنة مجرمة الأكثر بقاء على هذه الأرض المحروقة، والمدماة والمحروثة بالقنابل والصواريخ الإيرانية والروسية، والمسقية بغاز السارين والخردل، وبراميل الموت المحمولة بطائرات الحاكم .
مناسبة هذا الكلام الآنف، المحزن والمؤسي، هو صدور رواية «بيت حُدُد» للروائي والإعلامي السوري فادي عزام، الذي جسَّد على نحو خلاق ومبدع حقيقة هذه الثورة المغدورة، بتفاصيل لا تحصى، وحبكات كثيرة تخللت هذا العمل المتعدِّد والكبير والبوليفوني، ذا الأصوات الكثيرة والمتداخلة في نسيج شخصيات لا تنسى، شخصيات مركزية ومُعبِّرة، عبَّرتْ بحنكة وحذاقة ودربة جمالية، دربة ألمَّتْ بالتِقانات المنتسجة داخل النص الروائي، كتضفير شبكي مجدول بإتقان، متواشج ومتناغم ومتسق مع الحادثة اليومية، والواقعة الحربية، والمشاهد التراجيدية المتوالية، ذات السمة الفيلولوجية، الظاهرة، تلك التي تميل في أحيان كثيرة، لتتخذ البعد الأبستمولوجي، مثل دراسة بحثية، تبحث في شؤون المجتمعات، لتربطها بالتاريخ والحضارات والتكاوين الأولى، لبلد حافل بالمبادآت والاجتراحات والتخليق الأولي، على صعيد البناء الأول للحضارات الإنسانية كـ «بيت حُدُد» على سبيل المثال، هذا البيت المثالي والاستاتيكي والأركيولوجي، أنه بيت متحفي، مستمد اسمه من إله الصواعق والأمطار «آداد» كما تجسِّده الأسطورة الرافدية، العراقية والسورية القديمتين.
تضجّ الرواية بالثيمات والفانتزمات والخطوط الدرامية التي تتواتر وتتدرَّج، كلما أوغلت الشخصيات في مصيرها المتشظي والدامي والدراماتيكي، إننا حقاً أمام عمل دراماتيكي يصلح لأن يكون فيلماً، جارحاً ومؤثراً، لا تشفير رمزياً في العمل، بل دلالات تظهر، ومعان تبرز، وطبوغرافيات تنهض من واقع أرض مترعة بالآلهة والأساطير والتكاوين البكر للحضارات والبدايات والتشكلات البدئية، في الأرض السورية، حيث عملية الخلق والتخليق الميثيولوجي تأسست فوق تلك الأرض الرافدية، لتتشكل مدن أولى ترقى إلى آلاف القرون قبل الميلاد .
من هنا تشكلت ثيمة العمل، وتمحورتْ حول سياق جوهري تركز في «بيت حُدُد» التاريخي، وقام النسق السردي عبر شخصيات رئيسية، هي الخال أنيس الذي يملك هذا البيت، والمسجل باسمه عبر أوراق مكتوبة ومختومة، فهو طبيب جراح يعيش في لندن، له ابن اسمه سامي يعيش معه في المملكة المتحدة، ومتزوج من إنكليزية، طبيبة أيضاً، وهناك في السياق الثاني من السرد شخصية فيديل الذي يعيش في دبي، له والد ماركسي، سماه فيديل تيمناً بفيديل كاسترو، وأم تتمنى له أن يكون داعية، مثل أخواله، ولهذا حمل اسمين، فيديل الشيوعي وفضل الديني.
زمان الرواية
يبدأ في عام 2011 ولهذا دلالته الواضحة على بدء انطلاقة شرارة الثورة السورية، في مثل هذا التوقيت. ومكان الرواية يتوزع بين دبي حيث يقيم فيديل المخرج السينمائي ولندن، ثم دمشق وبعض المناطق السورية التي ثارت على النظام البعثي الفاشي في سوريا .
لكن الشخصيتين فيما بعد ستكونان في دمشق، ففيديل يأتيه عرض مغرٍ لإخراج فيلم في سوريا، وأنيس الطبيب في تشلسي، تأتيه رسالة صوتية على المجيب الآلي، تدعوه إلى القدوم لسوريا، لتسوية الإرث الذي تركه له خاله، هو «بيت حُدُد» .
حال وصول الشخصيتين، ستبدأ ثورة الرواية، فهي عمل جامع وشامل، تتجلى فيه صورة الثورة السورية الممزقة بنيران الأسلحة الثقيلة، وأجندات أجنبية استغلت الثورة والثوار، واحتلت واستباحت الدول الموالية للنظام البعثي المقادير والمقاليد والدفة الحربية، لتكون الأداة التي غيَّرتْ من اتجاهات الثورة وسياقها الاستراتيجي، المتمثِّل بإزاحة كابوس النظام الديكتاتوري عن سوريا .
وحين تدخل الحرب إلى بلد، سيظهر في المقابل العالم المناقض له، الحب، حرب وحب، وكما قال أوفيد صاحب «فن الهوى»: الحب ضرب من الحرب.
إذاً في غمار الحرب وداخل أتونها، تظهر قصص الحب، كتعويض عن عالم الموت والنهايات، والمهالك والكوارث التي تؤكدها الحروب، وهي تسير لتطحن بأسنانها النارية كل ما يمت للحياة بصلة .
وكما خطط الدكتور أنيس لرحلته التي أرادها، وهو في لندن، أن تكون مختصرة ببيع البيت ثم العودة إلى لندن ومواصلة عمله الطبي، غير أن التمني شيء، والأحداث والأقدار التي تقع عليك هي شيء آخر، ففور وصوله يسعى د.أنيس إلى الاتصال بمحام لترتيب عملية البيع، بيد أن المسار الجديد والواقع المختلف الذي واجهه كان يفوق الوصف، بعد إجراءات وحوادث وتصوير البيت وهبوب رياح الثورة، حيث سيقلب كل شيء رأساً على عقب، سيقع الدكتور وهو في سياق بحثه عن مشتر لبيع البيت التراثي، في حب سامية المناضلة والمنحازة للثورة، وسيكون البيت مقراً لتجمع الثوار. فيديل سيقع أيضا في حب ليل المتزوجة أيضاً من عادل وهو طبيب أورام، وثمة رويدا الصحافية الشيوعية، وعيسى صديق رويدا التي ستعتقل بسبب نشاطها الحزبي. وعيسى هذا هو صديق قديم للدكتور وليل، وهو الذي سيلتقيه في إحدى مقاهي الشام، بعد وصوله بقليل، ليوضِّح له مسار الحياة الجديدة، في ظل غياب الدكتور أنيس الطويل عن دمشق، مستغرقاً في الحديث عن الأصدقاء القدامى، وماذا حلَّ بهم، وأين أصبحوا، كعباس الذي أصبح مخبراً في الأمن وغيرهم .
وعطفاً على هذه البدايات، ستدخل الشخصيات المسالمة في منعطفات خطرة، فحين ستتطور الثورة السلمية إلى حرب مفجعة، طاحنة، تتشارك بها دول إقليمية وأجنبية، وتدخل على الطرف الآخر ميليشيا تنظيم «الدولة» الإسلامية الطائفي المجرم، ستتلوَّث الثورة، والأبيض سيدخل بقوة السلاح وجبروته إلى المنطقة الرمادية، ليكون وقود الحرب الطاحنة والضحية في آن، وكمثال على ذلك ها هو الدكتور أنيس القادم من لندن، لتسوية بيع بيت تراثي، سيُختطف ويُجبر من قبل قادة بعض الميليشيات المسلحة وميليشيا النظام، على عمل عمليات جراحية، لمجموعة مسلحة تتاجر بالأعضاء البشرية. ابنه سامي الذي جاء إلى دمشق أيضاً، سينخرط في الحراك السوري، وسيقع في يد عصابات النظام، ولكنه سوف ينجو بعد لأي ومصائب لا تعد ولا تحصى، ليتخلص من هذا الأتون، عبر وساطات أدَّتْ به إلى أن يعود إلى لندن ليفتتح موقعاً إلكترونياً خاصاً بـ «بيت حُدُد» جامعاً التدوينات البحثية، ليودعها المكتبة الوطنية البريطانية. سامية التي تتحدَّر من أسرة علوية والتي ارتبطتْ بعلاقة مع أنيس وانخرطتْ في الثورة، ستعمل في مستشفى ميداني يسعف الثوار الجرحى، لتنقذ ما يمكن انقاذه.
ومثل أي حرب، يسود في بعض جوانبها اللا قانون، وتطغى شريعة الغاب، كي يحل الفساد والنهب والقتل كسمات بارزة، سنشهد ميليشيات تتصارع وتتقاتل ليل نهار، ثمة خليط ظاهر، جنود روس، شبِّيحة النظام، المخابرات ورجال الأمن، ميليشيا عراقية وإيرانية، يقابلها جنود فارون، الجيش الحر، عصابات مسلحة من هنا وهناك، «داعش» وأخواتها، أكراد مدعومون من أمريكا، دول ما تساعد هذا وذاك، دم وسلاح وقتل على الهُوية، سواتر وحواجز أمنية وعسكرية للنظام وللمعارضين، بيوت وبلدات تتهدَّم، وعود وعهود ومواثيق تذروها الرياح، مشرَّدون وخيام وضحايا بالآلاف، حيث تحول الضحية الى جلاد بقوة الكراهية والسلاح والقهر، كما حصل للدكتور أنيس، إذ يُسجن ليلاقي تعذيباً رهيباً، قاسياً ومرعباً، والذي سينتهي نهاية مأساوية، تؤدي به إلى الانتحار، وكذلك فيديل سيلاقي المصير ذاته، عادل زوج ليل يُصرف من عمله، ليصاب بجلطة، وليل أيضاً تُصرف من عملها، لدى مستشفيات النظام، كونها صديقة لسامية، تأتيها تهديدات من جماعة الطبيب سعد الدين البعثي والموالي للنظام، وتطلب منها مغادرة سوريا، وحتى لبنان، عليها ألا تفكر به.
هذه رواية وثيقة، رواية سينمائية، مترعة بالوثائق والشهادات والمدوَّنات، وتحتاج إلى أكثر من مبحث ودرس وتحليل يفيها حقها.

فادي عزام: «بيت حُدُد»
دار الآداب، بيروت ـ 2017
463 صفحة

 

الروائي السوري فادي عزام في «بيت حُدُد»: تجسيد المأساة وحقائق الثورة المغدورة

هاشم شفيق

- -

1 COMMENT

  1. عرض شيق وممتاز ورواية تستحق كل تقدير وتقدير اي رواية هو قراءتها

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left