قراءة في معارض تشكيلية تشهدها القاهرة: موضوعات الحب والطفولة والروح الشعبية

محمد عبد الرحيم

Jan 20, 2018

القاهرة ــ «القدس العربي»: من خلال عدة معارض أقيمت مؤخراً في القاهرة، ورغم تباين الخبرات الفنية والجمالية، والعوالم التي تعبّر عنها، إلا أن من الممكن اكتشاف حالة عامة تربط بينها، حالة جمالية بعيدة عن صخب الموضة وصرعة التقليد والتكرار المزمن. حالات إنسانية ترتبط بالوعي المصري والبيئة المصرية إلى أقصى حد، دون محاولة لتغريب أو نظرة متعالية استعراضية في أساسها كما نراها في العديد من المعارض المقامة والتي ستقام بالطبع. فما بين ذكريات طفولية وأيقونات تمثل حالات الحب المختلفة، وحِس وروح شعبي يتأصل في العلاقة بين الرجل والمرأة، أو عالم الأنوثة الشعبي كما كان يعرفه المصريون جيداً. تأتي أعمال الفنانين لتحتفي بالشعور الإنساني، وتحاول التواصل من خلال اللون والتكوين مع المتلقي، كتذكارات من عالم منسي أو تعمّد الكثيرون نسيانه في مناخ التوتر والقلق الذي نحياه.

نغمات البهجة

«نغمات البهجة» هو عنوان معرض الفنان عفت حسني، الذي أقامه في غاليري «بيكاسو» والذي من خلاله يبحث ويجسد حالة من التناغم بين الإنسان والطبيعة والأشياء من حوله. الأمر هنا يؤكد أن الحالة الأنثوية وروحها الشعبي هو الأساس، الطبيعة ، أشجار، حيوانات، طيور، كائنات بحرية كالأسماك، كلها في حال من التوافق، لابتكار عالم آخر، وكأنه يحوّل الوقائع والمشاهد البصرية المألوفة إلى حالة حلم مستمر، فلا توجد غرابة في اجتماع أسد أبي زيد الهلالي وسيفه المعهود، وإحدى الأسماك، وديك الصباح يتصدر ويحتل مساحة كبيرة من خلفية اللوحة. أما فكرة التأنيث فتأتي من الألوان المبهجة والخطوط المنحنية في أكثرها، سواء في حالة غير مباشرة كما في اللوحة السابقة، أو في لوحات أخرى، يختلط فيها مشهد قديم من الواقع، وتفاصيل من الحلم، امرأة وحبيبها في عربة حنطور، وحصان تبدو خطوطه المنحنية أشبه بالبراق كما تمثلته المخيلة الشعبية، وحاولت التعبير عنه في بعض الرسومات. الروح الأنثوي أيضاً يتأكد من خلال حالة دائمة من القوة والحضور للمرأة، سواء كانت راقصة شعبية أو امرأة مترفة تسكن إحدى الحارات المصرية القديمة، الجمال الأنثوي المثير للبهجة والفرح، وحتى إن كانت اللوحة تتمثل لوحات النساء الاستقراطيات، إلا أنها تحتفي بامرأة شعبية، في جلستها المسترخية والواثقة تماماً. وبخلاف الانشغال بالعديد من الموروثات ورموز الأساطير الشعبية، السيف الأخضر، الأسماك، الحصان، الذي يبدو دوماً في حال وله بالمرأة التي تفوقه ثقة وجمالا، وهو لا يستطيع مجاراتها، رغم ما يُعرف عنه من قوة.

روح الحب

ويأتي معرض الفنان جورج فكري، المعنون بـ «روح الحب» والذي أقامه مؤخراً في غاليري «الزمالك للفن» كتنويعات لعلاقات الحب المتباينة الفئات، وفي شكل أقرب للأيقونات، ذلك من حيث شكل الوجه والجسد، والألوان التي تشبه ألوان الأيقونات القديمة، الأزرق والأحمر. يستعرض الفنان حالات عديدة غاية في الرقة بين المرأة والرجل، بداية من العناق والإيماء وصولاً إلى فارس الأحلام الذي يبدو فوق حصانه، تحيطة دائرة القمر في السماء. في كل لوحة أو لقطة يبدو الطقس الاحتفالي بهذه العلاقة، سواء من خلال صديقات الفتاة الحالمات، حيث يعزفن موسيقاهن على آلات مختلفة، ويتخذن شكلاً دائرياً، يوحي بمدى الجو الرومانتيكي، المستمر والممتد إلى ما لا نهاية. حالة متواصلة من السعادة التي لا تنتهي. الأمر الآخر هو تباين الفئات الاجتماعية التي يرصدها الفنان، فلا يقتصر الأمر على فتيات المدن البسيطات، بل وفي جو متناغم ينتقل إلى عالم الريف والفلاحين، المرأة هنا تقوم بعمل اعتيادي لطالما تقوم به في الحقيقة، مجرد إعداد كوب من الشاي، بينما الرجل يسترخي في الحقل بعد عمل يوم شاق. ورغم كون اللقطة اعتيادية ومُستهلكة بصرياً، إلا أننا نتلمس فيها شحنة عاطفية صادقة، من إيماءة بسيطة وابتسامة وعيون تشعر بالحب. تعبيرات بسيطة وعميقة في الوقت نفسه، دونما صخب لوني أو حركي، فما بين المرأة والرجل القمر المستدير، الذي يُشكل مع وجهيهما اتزان التكوين والحركة في اللوحة. يرحل الفنان أيضاً إلى بيئة السواحل، حيث المركب والبحر وشِباك الصيد. تبدو الدوائر سمة أساسية في تشكيل اللوحات، بما لها من مدلول، حيث الزمن الدائم الذي لا ينتهي، والحب القائم إلى الأبد. الدائرة وإن لم تكن صريحة في بعض التفاصيل، هنا تبدو الأجساد والأرض والسماء، كلها خطوط أقرب إلى المنحنية، فلا توجد خطوط حادة أو متكسرة، حتى لا تخدش هذه الحالة في أي لحظة من لحطات التوتر أو القلق.

زمن البراءة

ومن العالم الأنثوي وأساطيره، وأيقونات المُحبين، يأتي عالم الطفولة، «زمن البراءة» كما أطلق عليه الفنان مصطفى ربيع في معرضه الشخصي الأول، والمقام في غاليري «الزمالك للفن». وربما تشترك الذاكرة في هذه المعارض، ذاكرة الحارات الشعبية ومصر ما قبل السبعينيات من القرن الفائت، كما في معرض عفت حسني، أو تماثل ذاكرة الأيقونات المقدسة، كما في معرض جورج فكري، إلا أن ذاكرة مصطفى ربيع تصبح هنا ذاكرة عالم الطفولة، أو البراءة كما أطلق على لوحاته. ورغم رومانتيكية العنوان، إلا أن للطفولة هنا منطقها ومنطق حياتها. الألوان المبهجة، والأجساد التي تقترب من رسومات الأطفال، هنا يبدو الأسلوب قريبا تماماً من العالم الذي أراد الفنان التواصل معه وإحياء تفاصيله من جديد. لقطات تجسد حالات الفرح، الأعياد والحفلات الصاخبة ومظاهرها، رحلات المصايف، والألعاب الطفولية في الشارع. لكن اللافت هو تجسيد هذا العالم المختفي من خلال نساء ورجال تجاوزا هذه السن ــ سنوات طفولتهم ــ لكنهم يصرون عليها ويحاولون في استماته القبض على هذا الزمن وهذه اللحظات التي فرّت ولن تعود إلا من خلال الذاكرة وحدها. هنا يبدو الحِس الرومانتيكي، رغم مظاهر الفرح وتفاصيله في كل لوحة أو لقطة من اللقطات، حيث الحفل القائم والمستمر. بالطبع لم يتجاوز الفنان الفئة الاجتماعية التي يعرفها جيداً ويعي مفرداتها، وهو أمر يُحسب له، حتى لا يتورط كالكثير من مدّعي الفن، الذي يتواصلون مع بيئات يجهلونها، فتصبح أعمالهم كلقطات السائح الغريب، فتثير بعضا من الشفقة والكثير من السخرية.
هذه لمحة سريعة عن العالم الذي حاول الفنانون التعبير عنه وتجسيده، في محاولات للعودة إلى زمن أهدأ نسبياً عما نحياه، محاولة للتواصل عبر ما كان، حتى يمكن مواصلة اللحظة الآنية، شحنة عاطفية للقدرة على الاستمرار. فرغم الصخب والاختناق، يبدو الملاذ الأخير في المُخيلة، وخاصة مُخيلة الفنان، التي لا عاصم له سواها وسط طوفان السخف والتكرار والتقليد، الذي أصبح سمة عامة من سمات التشكيل المصري، إلا مَن رحمه ربه.

قراءة في معارض تشكيلية تشهدها القاهرة: موضوعات الحب والطفولة والروح الشعبية

محمد عبد الرحيم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left