الصورة في شعره شكلت معادلاً موضوعياً للفكرة: ت. س. إليوت وشعرنا الحديث

عبد الواحد لؤلؤة

Jan 20, 2018

ثانية وثالثة تُذَكِّرني الشهور بغياب بعضٍ من كبار الشعراء والأدباء. ففي الرابع من كانون الثاني/يناير من عام 1965 توفي «الشاعر ـ الناقد الأمريكي المولد، البريطاني التجنّس ت.س.إليوت، الذي ولد في 26 ـ 9 ـ 1888 في سانت لويس بولاية مزّوره الأمريكية، عام وفاة الشاعر ـ الناقد الإنكليزي ماثيو آرنولد. بين هاتين القامتين في الشعر والنقد كثير من الوشائج. آرنولد إبن مدير مدرسة «ركبي» الشهيرة، حيث درس ليلتحق بجامعة أكسفورد، أعرق الجامعات البريطانية، وإليوت درس في «سانت لويس» التي أسس جامعتها جدُّه لأبيه، حامل دكتوراه في اللاهوت من هارفرد، الجامعة التي التحق بها إليوت عام 1906 واستعدّ لدراسة الفلسفة، ثم ذهب إلى باريس لقضاء سنة في السوربون لدراسة الأدب الفرنسي والفلسفة. وبعدها قضى سنة في كلية «مرتن» أقدم كليات أكسفورد، لدراسة الفلسفة الإغريقيّة، وبعد أن قضى سنة دراسية حاول قضاء سنة في جامعة «ماربرغ» أقدم الجامعات الألمانية، لكن نشوب الحرب العالمية الأولى في صيف 1914 حال دون ذلك الحلم.
مثل آرنولد الإنكليزي، كان إليوت يتقن عدداً من اللغات الأوروبية إلى جانب الإغريقية واللاتينية. ونلمس ذلك من كتابات الإثنين في النقد وفي القصائد التي كتباها. يرى الناقدان أن من الضروري على الشاعر أن يكون محيطاً بمجمل النتاج الشعري منذ هوميروس حتى معاصري الشاعر نفسه، وبلغاتها الأصلية. ربما كان هذا ممكناً في القرن التاسع عشر، يوم كانت الثقافة لا تكتمل دون الإحاطة بتراث الإغريق والرومان. أما في القرن العشرين يوم كان إليوت يكتب نقداً وشعراً، فهذا الطلب موضع تساؤل وشكّ. لكن الشاعر ـ الناقد إليوت يقول في مقال له شهير، بعنوان «التراث والموهبة الفردية» ما مؤداه أن الذي يريد أن يبقى شاعراً بعد الخامسة والعشرين من العمر عليه أن يحمل في نخاع العظم منه أفضل ما أنتجه الشعراء منذ هوميروس حتى المعاصرين، وبعدد من اللغات الأصلية. وقد كتب إليوت شعراً يمثل هذا كله، بدءاً من أول قصيدة نشرها عام 1915 بعنوان «أغنية حب ج.الفريد بروفروك» وذلك في مجلة «شعر» الأمريكية التي كانت تصدرها هارييت مونرو، وتوالت قصائده على المنوال نفسه. والفرق الملحوظ بين قصائد آرنولد وقصائد إليوت هو التزام الأول بالأوزان التقليدية وبالقوافي. لكن الثاني أدخل أسلوب «الشعر الحر» الذي اشترعه والت وتمان الأمريكي في مجموعة بعنوان «أوراق العشب» التي نشرها عام 1855. في «الشعر الحر» بمعناه الدقيق لا توجد «أبيات» بالمعنى التقليدي، بل إن الأسطر/الأبيات تلتزم بالتعبير عن «الفكرة» أو «الصورة» وقد يطول السطر أو يقصر.
لكن إليوت بقي يراعي شيئاً من القوافي التي تبدو في أغلبها غير مُتقصّدة ولا عن عمد. وهو يرى أن كتابة الشعر الحرّ الجيد أصعب من كتابة الشعر الموزون المقفى. كما يرى أن الفكرة يجب أن تأتي قبل العاطفة. لذا فهو يأخذ على الرومانسيين أن ليس لديهم «كفاية من معرفة»، على ما في شعرهم من جمال وتعبير عن المشاعر.
كان إليوت شديد الاهتمام بالشعر الفرنسي في أواخر القرن التاسع عشر. فقد كان شديد الإعجاب بشعراء مثل جول لافورغ وبودلير ورامبو وفيرلين لما في شعرهم من رمزية وصُوَر. قبيل الحرب العالمية الأولى التقى إليوت الشاعر الأمريكي عزرا باوند وتأثر كثيراً بأسلوبه «الصُوَري» الذي يقدِّم الصورة التي توحي بالفكرة. يدعم ذلك إشارات تضمينية من شعراء «يسكنون نخاع العظم منه». وقد أدى ذلك إلى وصف شعره بالصعوبة والغموض. ومع غياب الوزن والقافية من الشعر التراثي صار الشعر الحرّ بشكله الحديث يعتمد على ترابط الأفكار بدعم من الصور التي قد تكون مفرطة، مما يزيد في صعوبة الفهم، وبخاصة عند من يعوزه «الكثير من المعرفة» والإحاطة بأفضل أمثلة الشعر من هوميروس إلى الحاضر. وهنا تبرز فكرة «المعادل الموضوعي» الذي يقدِّم الصورة لتكون «معادلاً للفكرة» التي يريد الشاعر تقديمها. نلمس ذلك في أول قصائده المنشورة «أغنية حب». فشخصية بروفروك ليست شخصية عاشق، بل شخصية «باحث عن العشق» في صورة إنسان ضعيف متردد، غير واثق من نفسه أو مما يُقدِم عليه. فهو في هذه القصيدة يطلب من زميل «فلنذهبن إذن، أنت وأنا» عند هبوط الظلام، لنذهبن معاً، لأنه لا يجرؤ على الذهاب وحده «خلال شوارع بعينها، نصف مهجورة» بحثا عن حب تكتنفه «تراجعات مُغَمغِمَة… لقضاء ليلات حب في فنادق رخيصة… في شوارع تتلوى مثل جدلٍ عقيم بمقصد خفي… يقود إلى سؤال غامر… لكن لا تَسَل ما هو… دَعنا نمضي لنقوم بزيارتنا»… هذا «البطل» الباحث عن الحب يكثر من التأجيل في إعطاء صورة عن أخفاقاته، لأنه كان يقيس إنجازات حياته بعدد ملاعق القهوة التي يحضّرها في فطور كل صباح… لا شيء بطولي في حياته. وهو يحاول أن يبدو شاباً فيقلب نهاية سرواله ليحاكي الأزياء الشائعة، بلبس سروال من الفانيلا البيضاء، ويفرق شعر رأسه. لكن إذ يسير بمحاذاة الشاطئ، يحاول أن يقضم خوخة ليثبت أن أسنانه ما تزال قوية ولكن لا فائدة، لأنه لا يجلب انتباه الحوريات في البحر، «فغناؤهن ليس له» لا مثل غناء الحوريّات عند مرور سفينة يوليسيس. هذه الصور في تسلسلها توحي بفكرة عن هذه الشخصية وهي شخصية الضياع والضعف عند الإنسان المعاصر، صورة تشتد تعقيداً في قصيدته الكبرى «الأرض اليباب» التي جاءت بعد هذه القصيدة بخمس سنوات. والصور تشكل معادلاً موضوعيا للفكرة التي يريد عرضها الشاعر.
تتميز قصائد إليوت المبكرة بهذه «الصُوَرية» التي قد تصل حد الإفراط أحياناً. من ذلك أربع قصائد بعنوان «مقدمات» هي مقدمات موسيقية صورية، تظهر دائماً في قصائده اللاحقة. ففي أوّل هذه المقدمات الأربع نقرأ: «يهبط المساء الشتائي/ بروائح الشِّواء في ممرّات البنايات/ الساعة السادسة/ النهايات المحترقة لنهارات مدخّنة/ وها هي عَصفةُ ريح تكتنف/ المِزَق المتّسخة/ لأوراق ذاوية حول قدميك/ وجرائد من عَرَصاتٍ خاوية/ تصطفق الزخّات/ على ستائر مكسّرة وفوهات مداخن/ وفي زاوية الشارع/ حصان عربة مُستوحِد ينفث من جلده البخار وهو يضرب الأرض بحوافره/ثم تضاء المصابيح».
هذه صور خُواء حيث لا شيء يحدث. والصورة الأخيرة: تضاء مصابيح الشارع، فقد عمّ الظلام الذي يغطي على القليل من صور الحياة. هذه الصورة استهوت السياب فاستعملها في قصيدة «المومس العمياء»:
الليل يُطبق مرّةً أخرى، فتشربُه المدينة
والعابرون إلى القرارة.. مثل أغنية حزينة
وتفتّحت، كأزاهر الدِّفلى، مصابيحُ الطريق،
كعيون ميدوزا تُحجِّر كل قلبٍ بالضغينة
وكأنها نُذُرٌ تُبشِّر أهلَ بابل بالحريق.
هذا مثال بسيط لأثر أسلوب إليوت في استعمال الصُّوَر معادلاً موضوعياً للفكرة أو الشعور: وفي هذه الحالة بؤس الحياة التي تحياها مومس عمياء، والوقت ليل يطبق على المدينة، وأزاهر الدِّفلى هي أزاهر قليلة في شجيرة الدِّفلى التي تنمو في المقابر. وتفتّحها الكئيب هي كل «مصابيح الطريق» المتوفرة في مدينة تشرب الليل. وهي أزاهر مثل عيون ميدوزا في الأسطورة الإغريقية، شَعرُها أفاعٍ، إذا نظر إليها المرء تحوّلت عيناه بياضاً لا يرى، فطوّرها بدر إلى عيون تحجِّر كل قلبٍ بشري إلى ضغينة على هذا المجتمع الذي اضطر عمياء أن تصبح مومساً لتعيش. ولكن هذه الحال تُبشِّر أهل بابل (العراق) بالحريق والدمار.
ثمة الكثير من أمثلة الشعر العربي الحديث التي تستعمل أسلوب «شعر التفعيلة» وهو نسخة مهذبة من الشعر الحرّ الذي يخلو من الوزن والقافية، وقد برع في الشعر الحرّ قليلون من الأدباء: في لبنان، توفيق صايغ، في العراق، جبرا إبراهيم جبرا، في المغرب، محمد بنيس، وآخرون، الصّوَريّة واستعمال الكثير من الأساطير من الشرق والغرب، والإشارات التضمينية هي ما أفاده شعرنا الحديث من إليوت.

الصورة في شعره شكلت معادلاً موضوعياً للفكرة: ت. س. إليوت وشعرنا الحديث

عبد الواحد لؤلؤة

- -

3 تعليقات

  1. صباح الخير استاذنا الكبير د. عبد الواحد لؤلؤة ..
    التحية والاحترام
    قبل شهرين تقريباً قرأت مقالاً خطته انامل استاذنا الدكتور عبد الواحد لؤلؤة بعنوان ( أرض اليباب ) وعلاقة شعر السياب المستوحى من قصيدة الاسطورة ت. س اليوت وتابعت كل بيت شعر مناظر بين اليوت والسياب كالعيون الزرقاء وغابات النخيل ، واليوم تناول استاذنا الكبير بحثاً رائعا عن الاسطورة بغزارة علمية معتادة وعاصفة ذهنية ، لنتعرف من اين استوحى السياب ( المؤمس العمياء) لنتبين من ( اولى مقدمات ) اليوت ، من الصعب جداً الخوض والابحار في هذه الشخصية من دون ان يكون الاستاذ الكبير عبد الواحد لؤلؤة قبطان هذه الرحلة الصعبة، والتي تحمل الذوق ورسالة النخبة الادبية التي نفتقدها في هذا الزمن الذي لايحمل لنا غير السطحية .
    تحياتي
    نجم الدراجي . بغداد

  2. عرض جميل يا أستاذ لؤلؤة
    تبقى قصيدة ارض اليباب القصيدة الأم لكل طالب شعر

  3. أبوتاج الحكمةأحببت أسرة قدسنا العربي،فضميرهاأصفى من الذهب هي نهضة الشرق الجميل زهت، دررا على الأفهام والأدب

    أشرقت بين الناس عبدالواحد، من آل لؤلؤة بخيرمحامد
    شكراللمقال الجميل
    إنما عتبي على أدعياءالشعرالحرالذين عجزوا عن الوزن التقليدي وتستروا به
    ولله درالشاعرحيث قال:
    أردت اليوم أن أهذي،بألفاظ بلامعنى
    وأن أختارأسلوبا،ينافي الذوق والفنا
    فدلوني على نمط،بلا معنى ولا مبنى
    وقالوا دونك التجديدلاتخترله وزنا
    وسم الفأرطاووسا،وقل طاووسناغنى
    وقل ماشئت من لفظ،فرب الشعرقدجنا
    أبو تاج الحكمة
    شاعر سوري مقيم في باريس

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left