تونس: بدء العد العكسي للتخلص من يوسف الشاهد وإنهاء الحملة على الفساد

رشيد خشانة

Jan 20, 2018

الأرجح أن ذيول الأزمة الاجتماعية التي أبصرتها تونس في مطلع العام ستطيح برئيس الحكومة يوسف الشاهد، الذي لم يعد خافيا على أحد أن قيادة حزبه «نداء تونس» تُخطط للتخلص منه، منذ أن بات متقدما في استطلاعات الرأي بين الذين يعتزمون الترشيح لرئاسة الجمهورية. وتونس مُقبلة على انتخابات رئاسية وبرلمانية في 2019 لم يُعلن الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي (92 عاما) أنه لا يعتزم ترشيح نفسه لها، فيما طلب رئيس حركة «النهضة» راشد الغنوشي من الشاهد «إيضاح موقفه» بالإعلان رسميا أنه لا يعتزم المشاركة في السباق الرئاسي. واضطُر الشاهد لقطع الشك باليقين، عندما أدلى بتصريحات نفى فيها أن يكون يُفكر في منافسة الباجي قائد السبسي في 2019. لكنه لم يقُل إنه لن يخوض المعركة الرئاسية إذا ما زهد فيها قائد السبسي. وحملت الكيانات اليسارية التي دعمت الحراك الاجتماعي الأخير المياه إلى طاحونة خصوم الشاهد، من دون القدرة على تحسين صورتها لدى الرأي العام.
الأخطر من ذلك أن تلك «الاحتجاجات» سرعان ما استُخدمت غطاء لأعمال إجرامية تمثلت في حرق مقرات رسمية ومؤسسات خاصة، واقتحام أخرى تحت جنح الظلام من أجل السلب والنهب والاعتداء على الأمنيين، على نحو لا صلة له  بالاحتجاج السياسي السلمي، ولا بممارسة حرية التظاهر المكفولة دستوريا في إطار ضوابط قانونية واضحة. لذا كانت تلك الأعمال الفوضوية مشبوهة المصدر والرسالة، وليس أدل على ذلك من أن مكونات هامة من المجتمع المدني مارست الاحتجاج على ارتفاع الأسعار، لكن بوسائل لم تترك مجالا للانزلاق نحو العنف والهدم، من ذلك على سبيل المثال المظاهرة الكبيرة التي قادها اتحاد العمال في سيدي بوزيد، احتجاجا على رفع الأسعار، والتي انطلقت من مقر الاتحاد الجهوي للعمال نحو مبنى الولاية، من دون تسجيل أي حادث.

عودة إلى المؤقت؟

الثابت أن الشاهد يُدرك بعد تلك الاضطرابات أن أيامه باتت معدودة على رأس الحكومة، وأن مصيره سيكون مثل مصير سلفه المستقل حبيب الصيد، الذي اضطره الحزبان المؤتلفان «النداء» و»النهضة» إلى الاستقالة. والصيغة الأكثر ترددا في الأوساط القريبة من القصر الرئاسي هي تسمية حكومة تكنوقراط لإدارة البلد حتى 2019 ما يعني العودة إلى المؤقت الذي لا يستطيع الوزراء في ظله اتخاذ أي قرار، وترحيل الحلول الكبرى إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. وشكل انهيار الائتلاف المُسمى «حكومة الوحدة الوطنية» ذريعة للمتربصين برئيس الحكومة، إذ غادرت الأحزاب المُوقعة على ما يُعرف بـ»وثيقة قرطاج» (مقر الرئاسة) مقاعد الائتلاف واحدا بعد الآخر، ولم يتبق من سند للحكومة سوى نقابتي العمال ورجال الأعمال، لكنهما لن تستطيعا منعها من السقوط. وأتت هذه الصيغة السحرية (حكومة الوحدة الوطنية) لتسويغ الإطاحة بحبيب الصيد صيف 2016 عندما شعر المُوقعون على «الوثيقة» أنهم باتوا رُبان السفينة. غير أن الرُبان ظلوا غير منسجمين منذ تشكيل الائتلاف، لا بل ما فتئوا يتدافعون عبر الميديا التقليدية والجديدة، حتى بالضرب تحت الحزام أحيانا. والظاهر أن المتنفذين في حزب «النداء» لا يريدون الصبر على الشاهد كي لا يمنحوه فرصة استثمار الانتخابات البلدية المقررة في ايار/مايو المقبل، هذا إن أجريت فعلا في أوانها. على هذه الخلفية استأثر الندائيون منذ البدء بالرئاسات الثلاث، ما جعل الخلافات الداخلية لـ»النداء» تنعكس سلبا في مرآة الأداء الحكومي والأداء البرلماني، وكذلك في العلاقات بين المكونات السياسية لحكومة «الوحدة» التي سرعان ما أصبحت حكومة الفرقة.
ويُعزى الشعور بالضيم لدى غالبية الأطراف المنخرطة في «وثيقة قرطاج» إلى أن القاعدة التي بُنيت عليها حكومة الوحدة الوطنية لم تكن منطلقة من برنامج شامل للانقاذ، مع تحديد الكفاءات القادرة على تنفيذه، وإنما من إصرار على ترجمة النتائج الرقمية لانتخابات 2014 إلى حصص في الحكومة، تُوزع بمشيئة الحزبين. لذا رأينا وما زلنا نرى من هو أكفأ مُستبعدا من الموقع الذي يمكن أن يُعطي منه الكثير للبلد، ومن ليست لديه كفاءة يُدير قطاعا ليست له به معرفة كبيرة. لذا ستجد الحكومة المقبلة جبلا من الملفات الاجتماعية التي أرجئ البت فيها بسبب الصراع بين المُتحاصصين، وفي مقدمها ملف التشغيل، الذي كان ولاعة الاضطرابات الأخيرة، إلى جانب ارتفاع الأسعار. ويصل متوسط البطالة حسب الاحصاءات الرسمية إلى 15.3 في المئة، إذ يوجد حاليا نحو 630 ألف عاطل عن العمل (سُكان تونس حوالي 11 مليون ساكن). غير أن نسبة البطالة في الولايات الداخلية أعلى من ذلك بكثير، فهي تفوق 25 في المئة في ولايات الجنوب الشرقي و24 في المئة في الجنوب الشرقي، وهي غير بعيدة عنها في ولايات الوسط الغربي والشمال الغربي، حسب تقديرات المعهد الوطني للإحصاء.
وإزاء انسداد الآفاق في وجه الشباب الذي يظل بلا فرصة عمل، لا تبقى أمامه سوى ثلاثة خيارات، فإما ركوب البحر نحو جنة الأوهام، بما تحمله تلك المغامرة من مخاطر ومفاجآت أليمة، وإما الانخراط في شبكات الجريمة بمختلف أنواعها، ومنها الجماعات الإرهابية، لما يدُرُهُ من مال، أو إفناء شبابه في المقاهي، والقهر يحرق فؤاده.
 مع بلوغ هذه الدرجة من الاحباط واليأس يغدو الشباب حطبا للعدميين والشعبويين الذين لا رصيد لديهم سوى بيع الوهم. واللافت أن الذين يُعتقلون ويُضربون ويُحاكمون هم من ذاك الشباب البريء، بينما يُفلتُ المُهيجون والغوغائيون من المحاسبة. الأخطر من ذلك أن الهرم الشبابي يتآكل من القاعدة والرأس في الوقت نفسه: من القاعدة بفعل تورط بعض الشباب في الجريمة و»الحرقة» (بفتح الحاء أي الهجرة غير النظامية) ومن الرأس بفعل الهجرة المنظمة للكفاءات، فالإحصاءات تشير إلى هجرة 100 ألف عقل تونسي في السنوات الست الأخيرة، وعلى كل عشرة من أولئك المهاجرين هناك واحدٌ على الأقل من العلماء أو أساتذة الجامعات أو الأطباء. وقد توجه 60 في المئة من هؤلاء إلى المقاصد التقليدية أي بلدان أوروبا الغربية، واتجه ما بين 25 و30 في المئة منهم إلى كندا وأمريكا، فيما تم انتداب الـ15 في المئة المتبقين في بلدان الخليج.
كما أظهرت دراسة أصدرها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن 25 في المئة من الشباب التونسيين يُحاولون التواصل مع مهربين لترتيب الهجرة إلى الخارج، ما يُدللُ على درجة الإحباط والقنوط لدى هؤلاء الشباب. ومن المؤشرات الرمزية على تلك الأزمة الوجودية أن 200 ألف شاب يهربون من الخدمة العسكرية، حسب وزارة الدفاع. وكيف يُطلب من شاب أو شابة أن يُدافع عن وطن لم يمنحه الكرامة؟
الكرامة لا تأتي سوى بالحصول على وظيفة في مشروعات ناجحة أو في القطاع العام، غير أن الدولة تُنفق غالبية إيراداتها على الرواتب، بسبب التوظيف العشوائي بعد الثورة، إذ تم إدماج الحاصلين على عفو عام، وغالبيتهم من كوادر «النهضة» في القطاع العمومي، من دون تكوين أو إعادة تأهيل (حوالي 7000 موظف) بالاضافة لتشغيل 2929 شخصا من أقرباء شهداء الثورة، على الرغم من أن اللائحة النهائية للشهداء لن تُعرف سوى في اذار/مارس المقبل. وينوء كاهل الدولة بأعباء كبيرة بسبب الديون الداخلية والخارجية، حتى أن المصارف المحلية رفضت هذه الأيام إقراض الحكومة، بالنظر لارتفاع حجم المديونية. ويلعب انتشار الفساد دورا مهما في الاستيلاء على المال العام وتحويل قسم من إيرادات الدولة إلى وسائد شبكات المهربين والمضاربين والفاسدين. ويتردد أن أحد أسباب المحاولات الجارية للتخلص من الشاهد يتمثل في المعركة التي فتحها على الفساد في العام الماضي، ودشنها باعتقال شفيق جراية أحد أباطرة الفساد، الذي تحدى رئيس الحكومة في مقابلة تلفزيونية أن يتجاسر على اعتقاله، «لأنه غير قادر على اعتقال معزاة» على ما قال. وتسببت هذه المعركة، على خفرها ووداعتها، في تأزيم العلاقات بين رئيس الحكومة والحزب الذي ينتمي إليه، وإشعال صراع مباشر مع مديره التنفيذي، الذي هو نجل رئيس الجمهورية حافظ الباجي قائد السبسي.

خط أحمر

وتُفيد الأوساط القريبة من الحزب أن الشاهد لامس الخط الأحمر بطلبه اعتقال خمسين شخصا على علاقة بجراية، بينهم نواب وقياديون في «النداء» و»النهضة». وفي المقابل يعتبر المقربون من رئيس الحكومة أن مجرد فتحه هذا الملف هو الذي سيكون سببا للإطاحة به. ومن عناوين الفساد التي اتجه لها الشاهد ميناء رادس التجاري جنوب العاصمة، الذي زاره مرتين، والذي يلتهم أموالا ضخمة من العملة الصعبة، بسبب دفع رسوم يومية عن تأخير إفراغ حمولة السفن التجارية في الميناء. وتتحكم في أعمال الشحن والتفريغ شركة عمومية يسيطر عليها اتحاد العمال، ومن الصعب تخصيصها وتطويرها. وتُساوي هذه الرسوم نصف إيرادات تونس من القطاع السياحي، الذي يُعتبر قطاعا استراتيجيا في اقتصاد البلد. وربما هذا ما دفع الرئيسة السابقة لاتحاد الصناعيين والتجار وداد بوشماوي إلى القول أن «التهريب قتل الصناعة».
الباب الثاني للفساد هو الصفقات العمومية الكبيرة التي يعقدها ممثلو الدولة، والتي تشوبها إخلالات وخروق مختلفة، إذ قدر رئيس الهيئة العليا لمكافحة الفساد المحامي شوقي الطبيب خسارة الدولة بسبب التلاعب بالصفقات بألفي مليار دينار (800 مليون دولار). أما الباب الثالث فهو الأراضي الزراعية التي تملكها الدولة، والتي أعطيت في عهد بن علي لـ»مستثمرين» من زبناء الحزب الحاكم السابق، وتُقدر مساحتها بـ250 ألف هيكتار، والتي ستؤمن إذا ما أعيدت هيكلتها وإحياؤها، إيرادا سنويا لا يقل عن 4000 دولار في الهكتار الواحد، إضافة لأربع فرص عمل. بهذا المعنى تغدو المعركة مع الفساد اقتصادية للحد من ارتفاع نسبة المديونية والتضخم المالي، والحيلولة دون استمرار هبوط سعر الدينار، الذي اجتاز حاجز الثلاثة دنانير مقابل اليورو الواحد، علما أن نحو 80 في المئة من مبادلات تونس التجارية تتم مع الاتحاد الأوروبي. وإذا ما صح أن حكومة تكنوقراط ستحل محل الحكومة الحالية، فإن جميع هذه الملفات ستُقفل ويهنأ بال الفاسدين، لأن الحكومة الجديدة ستكتفي بتصريف الأعمال والإعداد للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، أسوة بما فعلت حكومة التكنوقراط الأولى برئاسة مهدي جمعة (2014-2015) والتي تركت ملفات ملتهبة عالقة، بعضها حتى اليوم.
والأرجح أن حكومة التكنوقراط المقبلة ستتألف من وزراء قريبين من الحزبين المؤتلفين في إطار المُحاصصة التي شلت البلد منذ أربع سنوات، والتي نزعت من مسار الانتقال التونسي ألقهُ وتميُزه، وحولته إلى ضرب من ضروب الصراع على تقاسم جلد الثور.

 تونس: بدء العد العكسي للتخلص من يوسف الشاهد وإنهاء الحملة على الفساد

رشيد خشانة

- -

1 COMMENT

  1. استاذنا الكبير رشيد خشانة تحليلك في منتهى الدقة ووضعت اصبعك على الجرح الحقيقي الذي تعاني منه تونس حفظها الله ورعاها من كل إثم عظيم

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left