تونس: عنوان المقاربة الاقتصادية الفاشلة وقصر النظر السياسي

لطفي العبيدي

Jan 20, 2018

هناك مُقوّمات كامنة تعكسُ عدم الاستقرار الاجتماعي في تونس، الأمر الذي يبرّر حركات الاحتجاج خلال الأسابيع الأولى من كانون الثاني/يناير الجاري، وهو حراك جماهيري ضمن مسار ثوري ينشد تغيير النظم السياسية والاقتصادية ويبعث رسائل للحكومات المتعاقبة من أجل ايجاد رؤية شاملة تُغيّر النمط المعيشي نحو الأفضل وتعالج قصور المعطى السياسي والاقتصادي. وقد كان بالإمكان أن يكون الوضع الاقتصادي في تونس أفضل بكثير ممّا هو عليه الآن لو حدثت اختيارات صائبة ومؤطَّرة، فالمراحل الانتقالية عادة ما تخلق ارتباكا مرحليّا، ولكنّها لا تقاس ضرورة بسنين ثابتة أو بعقود معهودة هي بمثابة ضرورة يُفترض المرور بها، بل يكفي أن تتوفّر الرؤية الاستراتيجية والإرادة السياسية للفعل الاقتصادي والاجتماعي، كي تنتقل البلاد من عهد الدكتاتورية والتسلّط والانفراد بأجهزة الدولة ومؤسّساتها إلى منطق تفاعليّ تشاركيّ يُرسي مؤسّسات مستقلّة بذاتها قادرة على تجاوز الصعوبات المالية والاقتصادية في ظرف وجيز. الأمر الذي يمكّن حينها من التجاوب مع المطالب الاجتماعية التي تواصلت على امتداد سبع سنوات عرفت فيها تونس هبّات اجتماعية فجائيّة أحيانا ومتوقّعة في أحيان أخرى، كثيرا ما تُربك الحكومات، ولكنّها قد تتحوّل إلى ثورة حقيقية في أي لحظة إذا ما تواصل صمّ الآذان عن  مشاكل النّاس وتركهم وأحوالهم المعيشية الصعبة دون أي تغيير. فعوض إيجاد حلول لعسر الحال المعيشي لطبقات واسعة، تتّخذ الحكومة إجراءات التقشّف والزيادة في الأسعار بالتوازي مع  قانون المالية الذي رفع مستوى الضرائب مع تواصل عجز الموازنة إلى 4.9 في المئة مقابل 6 في المئة في عام 2017.
إنّ فشل خيارات النخب الحاكمة في تونس منذ الثورة التي أطاحت الرئيس الأسبق وعائلته المتنفّذة وأربكت «الكارتيل» الحاكم (العائلة ورجال الأعمال المتنفّذين والقيادات الأمنية المستفيدة) وعجزها عن طرح حلول اقتصادية وطنية سيادية، جعل الحكومات المتعاقبة بين براثن صندوق النقد الدولي بعد تفاقم نسبة المديونية، والذي أصبح يفرض عند كلّ مراجعة لنسبة الدَّيْن الخارجي ما اصطلح على تسميته الإصلاحات الهيكلية للاقتصاد الوطني. وأصبحت الدولة التونسية تخضع عمليّا لإملاءات البنك الدولي وهي في وضع تُوجّه مداخيلها لسداد مصاريف التسيير الإداري على حساب نفقات استثمارية ممكنة أو خلاص ما تخلّد بذمّتها من التزامات مالية ضخمة. ومثل هذا المسار كان سمة سنوات ما بعد 2011 وقد طُبع بركود اقتصادي شامل، ولم يحدث إي تحوّل ايجابيّ في كلّ القطاعات المنتجة للقيمة المضافة، الأمر الذي انتهى إلى الاحتجاجات الاجتماعية الأخيرة. فكلّ المعطيات الصّادرة عن البنك المركزي ووزارة المالية أو المعهد الوطني للإحصاء وغيرها تُشير إلى تراجع مؤشر الإنتاج الصناعي وتراجع الايرادات الجبائية  وارتفاع خدمة الدّيْن الخارجي. وقد ازداد الواقع الاقتصادي اختناقا مع ركود النشاط المنجمي وقطاع الطاقة لسنوات فضلا عن تراخي الدولة في إيجاد حلّ للاقتصاد الموازي الذي خلق منافسة شرسة للمؤسسات، ينضاف إلى ذلك اختلال الميزان التجاري وتفاقم ظاهرة التوريد العشوائي للمنتجات الصناعية وغيرها وتآكل القدرة التنافسية لأغلب القطاعات.
كل المعطيات الاقتصادية الوطنية تُشير إلى تراجع حادّ للقدرة الشرائية نتيجة الارتفاع المشطّ للأسعار وتزايد الاحتكار وتفاقم الضّرائب مقابل زيادة محدودة في الرواتب لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تُحدث توازنا، خاصّة أنّ المنظومة الجبائية لم تتمّ مراجعتها إلى الآن وهي تستهدف الفئات الضعيفة والمتوسّطة وتستثني أصحاب المؤسسات والأغنياء من رجال الأعمال وغيرهم. ومثل هذا التضييق أحدث خللا في الواقع الاجتماعي لم يسبق له مثيل، وهو انهيار الطبقة الوسطى التي أصبحت تتأرجح بين منزلتين وهي إلى الطبقة الفقيرة أقرب، وتلك نتيجة طبيعية بالنّظر إلى الضّغط الجبائي المسلّط عليها في الأساس، فمن غير الطبيعي اتّخاذ قرابة 600 إجراء ضريبيّ منذ سنة 2011 وحدوث تحوّل شبه هيكلي للنّسيج الاقتصادي والمالي نحو الأسوأ، وظهور مشهد اجتماعي مغاير تفاقمت فيه المطلبية وانخفض فيه الدّخل الفردي. ومع تقسيم السّلطة وضعف التّسيير وتعطّب الإدارة وتعطّل إجراءاتها وغياب الاستقرار السياسي، عرف التونسيون سنوات عجاف بكلّ ما للكلمة من ثقل دلالي، تراجع فيها الأداء الاقتصادي وتواصلت اخلالاته الثّابتة والموروثة، واتّضح فشل السياسات الاقتصادية المعتمدة منذ أربع سنوات. وقد ازداد الوضع سوءا  إثر تعطّل الأنشطة الإنتاجية لفترة طويلة نسبيا مع رداءة مشروع الأحزاب الحاكمة المصلحي والفئوي الذي يخلط بين مطالب الحزب ومطالب الدولة ومطالب المجتمع. وقد أدّى خطاب المراهقة السياسية إلى ركود الاقتصاد التونسي وبشّر بأزمة اجتماعية محتملة واحتقان شعبي حادّ انتهى إلى رفع شعارات من قبيل «يا حكومة الالتفاف الشعب يعاني في الأرياف» و»زاد الفقر زاد الجوع يا مواطن يا مقهور» و»يا حكومة عار عار الأسعار شعلة نار» .
ومن علامات فشل الحكومات المتعاقبة في سنوات ما بعد الثورة عدم التفاتها للمناطق الداخلية للبلاد رغم ما ينصّ عليه الدستور من فصل التمييز الإيجابي للجهات التي حُرمت في عهود الدكتاتورية البورقيبية والنوفمبرية، وعانت الفقر والتهميش وما زال حالها كما هو. ومثل هذه الجهات اعتادت أن تقود الاحتجاج وتُبادر إلى التعبير عن رفضها للسّياسات الحكومية، وهي تُطالب منذ سنوات بالتنمية التي لم تتحقّق إلى الآن. في الصائفة الماضية حدثت احتجاجات في الجنوب التونسي ضد استغلال الشركات البترولية الأجنبية للثروات الطاقية دون تخصيص مقدار من الأرباح للتنمية الجهوية، وفي الأيام الماضية احتجّت بلدات ومحافظات عدّة مثل القصرين وتالة وسليانة والكاف وسيدي بوزيد والقيروان وطبربة اضافة إلى الأحياء المتاخمة للعاصمة وان كانت تفتقد التأطير السياسي الثوري فإنّ في عفويتها الاندفاعية إشارة واضحة إلى فشل الحكومات المتعاقبة في توفير الحلول الاقتصادية والمالية الناجعة لخلق بيئة تنموية تُحسّن الوضع الاجتماعي لفئات واسعة من الجماهير الشعبية التي تدهورت قدرتها الشرائية. ومع ذلك ما زالت الدولة تُكرّس منطقا غير تشاركي في إدارة الشأن العام وتُثقل كاهلها بالضرائب والزيادات المتزايدة في الأسعار في مواد استهلاكية وخدماتية عديدة وتطالبها بالتقشّف عوض أن تُقدّم الحلول للمشكلات المجتمعية وتُصوّب سياساتها الحكومية. ولا تجد حكومة حركة النهضة وحزب النداء من حلّ سوى اتّهام أطراف سياسية بتحريك الاحتجاجات واعتبار الجبهة الشعبية مسؤولة عن حراك ضَمَّ بعض مجموعات التخريب والنهب. وهي متاهة حقيقية تعيشها الحكومة التونسية التي تنقاد لإملاءات البنك الدولي والمؤسسات المانحة، ولا تخجل من تجريم الاحتجاجات الشعبية ضدّ منظومة حُكْم لم تُقدّم الحلول الاقتصادية والاجتماعية ولم تُبلور ملامح نظام جديد يساعد في ترجمة شعارات الثورة، حرية سياسية، وعدالة اجتماعية، وكرامة إنسانية، إلى واقع ملموس يُغيّر حال البلاد والعباد نحو الأفضل المنشود عوض الاستمرار في خطاب سياسي مُرتجل ومتناقض وضعيف ومغالط للشعب معطى ونتيجة.
وبات مؤكّدا أنّ المرحلة تقتضي تعيين كفاءات وطنية عوض وزراء لا يفقهون شيئا في ميدان الاقتصاد والسياسة جلبتهم المصالح الحزبية الضيقة وقُلّدوا مناصب حسّاسة ومحورية نتيجة محاصصة سياسية غنائمية، ولا يمكن لهؤلاء أن يُحدثوا إصلاحا هيكليا للاقتصاد وللقطاعات المنتجة أو يستبطنوا امكان الاقتدار على معالجة عجز الميزان التجاري وميزان الدفوعات والوضع المحرج لميزانية الدولة وتعويم الدينار ومجابهة التضخّم، ومراجعة قيمة الواردات والحدّ من طابعها العشوائي واستعادة ثقة المستثمر الأجنبي أو التونسي بشكل مستدام أو ضمان استقرار مالي يخفّض مستوى التخوّف لدى من يراقب الوضع الاقتصادي والسياسي في تونس بما في ذلك وكالات الترقيم السيادي والهيئات الدولية المقرضة، فمن تسبّب في تنامي مشاعر الاحباط  وأبقى الوضع الاقتصادي والمعيشي يراوح مكانه منذ سنوات غير مؤهّل لإخراج البلاد من أوضاعها الخانقة، أمّا تمسّكه بالبقاء في السلطة فهو تعنّت دغمائيّ يفتح احداثيات المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي المتأزّم على أكثر من سيناريو.

تونس: عنوان المقاربة الاقتصادية الفاشلة وقصر النظر السياسي

لطفي العبيدي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left