الاحتجاجات الاجتماعية في تونس: الحسم المؤجل

الصحبي بن فرج

Jan 20, 2018

توقعت الطبقة السياسية التونسية ان يكون شهر كانون الثاني/يناير الحالي ساخنا اجتماعيا وسياسيا، خاصة وقد اتفق الجميع على أن سنة 2018 هي السنة التي ستشهد ذروة الازمة الاقتصادية والاجتماعية وحتمية اتخاذ إجراءات مؤلمة على مستوى قانون الميزانية، إضافة إلى المأزق السياسي الذي يسيطر على المشهد العام. فأطل علينا شهر كانون الثاني/يناير باحتجاجات محتشمة نسبيا في الشارع، لكن العدوى سرعان ما انتقلت في شكل أعمال عنف وتخريب إلى الحزام الأكثر فقرا حول العاصمة والمدن الكبرى، وأيضا إلى المناطق الداخلية التي ظلّت طيلة عقود دولة الاستقلال وسنوات الثورة خارج دورة التنمية وحتى خارج دورة الحياة.
لم تكن أحداث العنف خلال الأسبوع الأول من الشهر الجاري منفصلة عما يحدث منذ أشهر من صراع سياسي داخل أجنحة الحكم، ولا بعيدة عما وقع من حرب ضروس على قوى المافيا والتهريب ولوبيات المال والفساد. ولم تغب عنها عناصر الصّراع التقليدي بين السلطة وأحزاب الحكم من جهة وأحزاب أقصى اليسار الراديكالي وأقصى اليمين الثوري من جهة أخرى.
ولربما فوجئت الحكومة في البداية بحدة أعمال العنف وامتدادها إلى أغلب ولايات الجمهورية، لكنها استغلت بذكاء عدم انخراط الجماهير الشعبية فيها، واستنكار الرأي العام لأعمال التخريب فيها، لتطلق حملة إعلامية موجهة تقوم أساسا على إبراز عبثية وخطورة ما وقع. في هذه الأثناء عملت قوات الأمن على استيعاب أحداث اليومين الأوّلين وتفادي التصادم المباشر مع الشباب وخاصة الامتناع عن استخدام الرصاص خلال المواجهات.
هجوم معاكس
لقد كان الرهان الأمني/السياسي هو الخروج من الأزمة دون سقوط ضحايا من المتظاهرين وحتى المخربين الذين يخرج أغلبهم ليلا وفي جنح الظلام للسلب والنهب وإتلاف الممتلكات. وهو ما وقع فعلا، إذا استثنينا حالة الوفاة الوحيدة المسجلة وهي محل تحقيق قضائي وينتظر أن يقول فيها القضاء كلمته إن عاجلا أم آجلا.
بعد امتصاص موجة الأيام الأولى، وانخفاض وتيرة الأحداث والتأكد من نأي المواطنين بأنفسهم عن الانخراط في أعمال العنف وفشل محاولات تحويل الانفلات الأمني إلى احتجاج شعبي، عكست قوى الأمن الهجوم بقيامها بعمليات واسعة للقبض على مثيري الشغب والمتورطين في أعمال العنف مما أدى بعد قرابة أسبوع من بداية الأحداث إلى عودة الهدوء إلى أغلب المناطق الساخنة. وفي هذه الأثناء، استغلت الحكومة فترة التهدئة لتقرر جملة من الإجراءات موجهة نحو العائلات المعوزة والفئات الاجتماعية الهشة لتخفيف وقع الأزمة الاقتصادية وتقطع بالتالي أي انخراط شعبي واسع في الحراك الاجتماعي.
من الواضح ان أجهزة الدولة، وبالرغم من بعض التخبط والعديد من الأخطاء، قد نجحت نسبيا في تصريف الأزمة بأقل التكاليف وأسرع وقت ممكن. فهل يعني ذلك ان الحكومة قد تجاوزت نهائيا أزمة كانون الثاني/يناير؟ يبدو من خلال جملة من المعطيات انها نجحت فقط في تأخير موعد الاحتجاج الحقيقي إلى أجل قد لا بكون بعيدا: ففي أواخر الشهر الحالي ستبدأ المفاعيل الحقيقية لقانون الميزانية في التأثير على موازين العائلات، أما شهرا شباط/فبراير وآذار/مارس، فسيكون موعد ظهور الانعكاسات السلبية لقانون المالية على المؤسسات الخاصة وعلى أسعار المواد الأولية والمصنّعة وعندها فقط سندخل فعليًّا في الأزمة.
هل ستصمد الحكومة وتنجح كما نجحت هذه الأيام؟ بكل صراحة، سيتوجب عليها أن تستبق الأحداث منذ اليوم وتقوم بتعديل ما يمكن تعديله. على الحكومة أن تتخذ ما يمكن إتخاذه من قرارات وإجراءات وقوانين في الاقتصاد والجباية والمالية العمومية حتى تتفادى اندلاع أزمة قد تذهب بالانتقال الديمقراطي برمته إلى ما لا يحمد عقباه.

الاحتجاجات الاجتماعية في تونس: الحسم المؤجل

الصحبي بن فرج

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left