الأزمة الاجتماعية وفشل التحول الاقتصادي في تونس

حكيم بن حمودة

Jan 20, 2018

تعرف تونس منذ بداية هذه السنة تحركات اجتماعية واحتجاجات كبيرة انتشرت في مختلف أنحاء البلاد، وذلك بسبب ارتفاع الأسعار وموجة الغلاء التي اجتاحت البلاد، والتي ستزداد حدتها بعد تطبيق بعض القرارات التي أتى بها قانون المالية لسنة 2018. وأكدت الأرقام الرسمية ارتفاع الأسعار بنسق غير مسبوق خلال السنة المنصرمة والتي بلغت 6.4 في المئة.
ولئن نجحت تونس في كبح جماح التضخم في السنوات الماضية، حيث لم يتجاوز 5 في المئة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فقد عرفت الأسعار ارتفاعا كبيرا خلال الأشهر الفائتة، ليعود مع هذا الارتفاع القياسي، الجدل في الساحة السياسية حول مسألة التضخم كما كان الحال في السنوات الأولى بعد الثورة.
وأسباب هذا التطور الكبير في الأسعار عديدة، لعل أهمها تراجع سعر صرف العملة الوطنية، الدينار التونسي، أمام العملات الأجنبية، ما نتج عنه تطور هام لـ»التضخم المستورد» وارتفاع كبير لأسعار المواد المستوردة. كما ساهمت سياسة الرفع التدريجي للدعم، خاصة في مجال الطاقة، في ارتفاع الأسعار في عديد القطاعات ومن ضمنها قطاع النقل الذي تأثر كثيرا بهذا الارتفاع.
كما لعبت مسالك التوزيع وتواجد عديد شبكات المضاربة والاحتكار دورا في تأجيج لهيب الأسعار وارتفاعها بشكل لافت. وقد كان ارتفاع الأسعار بدوره وراء عديد التحركات الاجتماعية الاحتجاجية مع استفحال الأزمة الاجتماعية الخانقة، وهي أزمة تمر بها تونس منذ سنوات ما بعد الثورة، ساهمت في خلق الكثير من الإحباط وتراجع الأمل في قدرة الحكومات على تغيير الواقع الاجتماعي والسياسي.
ولا يمكن فهم هذا الازدياد الكبير للأسعار، والأزمة الاجتماعية المستفحلة، بمعزل عن الأزمة الاقتصادية الخانقة، وفشل التحول الاقتصادي في مرحلة ما بعد الثورة. فقد عرفت تونس تطورا هاما في المجال السياسي، وقطعت خطوات جادة في مسار التحول الديمقراطي، وأشاد بهذه التحولات العديد من المتابعين والمؤسسات الدولية، حتى اعتبرت عدد من الجهات أن الديمقراطية الناشئة في تونس هي التجربة الوحيدة الناجحة في تجارب ما يسمى «الربيع العربي».
ولكن هذه المسيرة الناجحة على المستوى السياسي لم تصحبها النجاحات والإنجازات نفسها على المستوى الاقتصادي، وذلك مع بقاء مستوى النمو ضعيفا في السنوات الأخيرة. كما عرفت التوازنات المالية الكبرى انخراما كبيرا خاصة في تصرف المالية العمومية والتجارة الخارجية التي تعرف أهم أزماتها في فترة ما بعد الاستقلال.
أما الاستثمار، فقد عرف كذلك تراجعا هاما مع بقاء المستثمرين سواء التونسيين أو الأجانب في موقع الإنتظار والتردد لأسباب عديدة. وعرف نسق الإصلاحات الاقتصادية بطئا كبيرا كان وراء الصعوبات التي عرفتها تونس في علاقاتها مع المؤسسات الدولية وخاصة صندوق النقد الدولي.
إن التحركات الاجتماعية الأخيرة والاحتجاجات حول غلاء الأسعار تطرح قضية أكبر وتخص عمق الأزمة الاقتصادية وعجز عديد الحكومات التونسية عن القيام بخطوات هامة لبناء نمط تنموي جديد. والمشكلة أن هذه الإخفاقات وتراجع التنمية الاقتصادية ستضر حتما بالتحول السياسي وتنعكس سلبا على نجاحاته.

الأزمة الاجتماعية وفشل التحول الاقتصادي في تونس

حكيم بن حمودة

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left