احتجاجات تونس: أزمة عابرة أم ثورة جديدة؟

روعة قاسم

Jan 20, 2018

تونس ـ «القدس العربي»:تشهد تونس حالة من الاحتقان بسبب غلاء المعيشة الذي استهدف في الأساس الطبقتين الوسطى والفقيرة، وقضى على القدرة الشرائية للمواطن. وحجبت هذه المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، النجاحات التي تحققت في المجال السياسي وكذا على المستوى الأمني بعد أن عاد الهدوء والاستقرار بعد 2014 ليطغى على المشهد بعد سنوات عجاف تلت الثورة مباشرة.
وقد كان قانون المالية لسنة 2018 الذي رفع ضريبة القيمة المضافة، القطرة التي أفاضت الكأس والشرارة التي أشعلت لهيب الاحتجاجات الاجتماعية التي عرفتها مدن تونسية عديدة. فلا يبدو أن شيئا تغير في تونس منذ أحداث كانون الثاني/يناير 1978 التي عرفت بـ»أحداث الخميس الأسود» وأحداث الخبز في الشهر نفسه من سنة 1984 التي عجلت برحيل نظام بورقيبة بعد سنوات معدودات، وأحداث الشهر ذاته من سنة 2011 والتي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي.
لم تتحقق مطالب الشباب العاطل عن العمل والجهات الداخلية المحرومة من التنمية ومن مقومات العيش الكريم طوال كل هذه السنوات رغم المحاولات من هذا الطرف أو ذاك خصوصا قبل «الثورة». فالكل كان يجنح إلى الحلول الترقيعية والمؤقتة والظرفية دون معالجة المشكلة من جذورها، بما في ذلك أولئك الذين تسلموا مقاليد الحكم بعد «الثورة» حيث حققوا مطالبهم السياسية وتناسوا المطالب الاجتماعية التي لولاها لما وصلوا إلى سدة الحكم.
وعادة ما تحيد المطالب الاجتماعية العادلة في تونس عن مسارها وتتحول إلى أعمال نهب وتخريب بفعل مندسين، فتذهب المطالب سدى في خضم ذلك ويتحول الحديث إلى ضرورة حماية الممتلكات والضرب على أيدي العابثين بالأمن والاستقرار. ولم تشذ هذه الاحتجاجات عن القاعدة بفعل دخول عناصر تتحرك ليلا وفي جنح الظلام استغلالا للأوضاع الاستثنائية لممارسة أعمال السلب والنهب فيحسبون في النهاية على المحتجين ويسيئون إلى الحراك الاجتماعي.
عدم ثقة
وفي هذا الإطار يقول محمد جويلي أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية لـ»القدس العربي» أنه يمكن أن نسمي ما حصل في تونس بـ « قفة الغضب» أي الاحتجاجات التي قامت على خلفية الزيادة في أسعار عديد المواد الاستهلاكية مع زيادة أخرى تتعلق برفع القيمة المضافة في قانون المالية الذي دخل حيز التنفيذ مع بداية السنة. ويرى أن الظاهر هو غلاء المعيشة وهو العنوان الذي يمكن أن نصف به ما حصل، ولكن مع ذلك، وفي رأيه، هناك رأسمال عاطفي يتشكل منذ سبع سنوات مضمونه عدم الثقة في المناخ العام الذي تعيشه تونس وخوف مما ستؤول إليه الأمور في المستقبل وفقدان البوصلة التي تحدّد الإتجاه العام للدولة.
ويضيف: «إن ما حدث في تونس هو احتجاج على الطبقة السياسية التي وعدت ولم تف بوعودها الانتخابية، هو أيضا احتجاج على أدائها المحتشم عندما تظهر أمام الرأي العام عبر قنوات التواصل المختلفة، هو أيضا إحباط من وضع يتغلغل فيه الفساد بالرغم من الإجراءات الأخيرة التي قامت بها الحكومة بالضرب على بعض رموزه. أغلب الاحتجاجات الاجتماعية في العالم تتحول إلى عمليات تخريب ولو بدرجات مختلفة وقد حصل هذا في عنف الضواحي في باريس مثلا وفي بعض الدول الأوروبية، وتتحول الاحتجاجات إلى عمليات تخريب عندما تكون الأحزاب السياسية  ومنظمات المجتمع المدني غير قادرة على تأطير هذه الاحتجاجات ومرافقتها».

فشل

ويعتبر الجويلي أن الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة أثناء الاحتجاجات لا يمكن أن يتحول إلى خطاب لتمييع حالة الإحتقان والغضب جراء فشل السياسات منذ الثورة. فما حصل في تونس من تمييع لحالة الإحتقان، في رأيه، هو عملية تحويل لكل الخطاب نحو التنديد بعمليات التخريب ووضع غضب الناس مما حصل على الهامش. وهذا لا يجوز في رأي محدثنا الذي يعتبر أيضا أن ما حدث هو أزمة عابرة ولكنها حاملة لرسائل عديدة وعلى الجميع التقاط مضامينها. الأمر يتجاوز مجرد غلاء في المعيشة، إنه غضب على انسداد الأفق وفقدان الثقة في الحاضر والمستقبل. ولكن تراكم الأزمات العابرة على المدى القريب والمتوسط يمكن أن يكون له مفعول ثورة جديدة.
وعن رؤيته للأزمة الاجتماعية في تونس، يعتبر أنها أزمة تشغيل في الأساس وأزمة في المنظومة الإدماجية بكل عناصرها في دولة لا تزال تشتغل بنموذج منغلق موغل في الحمائية وغير قادر على أن يتخلص من مكبلاته القديمة. فما حصل هو أننا أمام واقع فيه المشكلات الاجتماعية أصبحت تعاش على أنها إخفاقات فردية. وهذا يعني، أن المشكل الاجتماعي مهما كان عنوانه لم يعد مصنفا على أنه اجتماعي أي أن حلّه يمرّ عبر ما هو جماعي. عندما يعاش المشكل على أنه إخفاق فردي، فإن في هذا معاناة أكبر وذهاب سريع نحو الخلاص الفردي الذي يترجم إلى سلوكيات محفوفة بالمخاطر مثل الهجرة السرية واستهلاك المخدرات والإنخراط في الجريمة المنظمة وفي شبكات الإرهاب، يجد الفرد نفسه في مواجهة ما يمكن تسميته بمجتمع المخاطر أمام عجز مؤسسات المرافقة الاجتماعية.

هوة بين الشباب والساسة

في كل حراك جديد ترتفع مطالب عديدة لكن أبرزها تلك التي تتحدث عن دور الشباب في الحياة العامة وكيف يمكن الانصات لصوته واشراكه في العملية السياسية وفي دورة الحياة الاقتصادية. فمن الواضح ان الشباب على اختلاف شرائحه العمرية وانتماءاته الايديولوجية أو الفكرية أو الاجتماعية، يحمل هما واحدا وهو البحث عن الكرامة من خلال التشغيل. تلك كانت العناوين العريضة لكل الانتفاضات التي عرفتها تونس عبر تاريخها الحديث. إذ يبدو ان هناك فجوة تتسع يوما بعد يوم بين الشباب وبين المسؤولين – ربما حتى ثورة 2011 – لم تتمكن من تقليصها بعد، بسبب ما يعتبره البعض فشل السياسات التنموية. وينظر الكثيرون إلى ان ما حصل في تونس خلال السبع سنوات كان ثورة حقيقية وانقلب إلى مجرد عملية تغيير في الحكم، تبدلت فيها وجوه الساسة لكن السياسات ظلت نفسها خاصة فيما يتعلق بالمحسوبية والفساد مع تعثر كبير في ما يمكن تسميته بـ «التحول الاقتصادي» فماهو دور الشباب في تونس ومطالبه وكيف يمكن الانصات لصوته؟ يرى الجويلي: «إن الشباب ليس سوى كلمة كما يقول بورديو. هو خليط وفسيفساء من الملامح والمسارات والتوجهات. هناك من الشباب من هو غير معني أساسا بالعملية السياسية فهي ليست من أولوياته على الإطلاق، يفكر في الهجرة وتأمين الظروف المناسبة لعيش كريم. وهناك من يريد أن يشارك في العملية السياسية ولكن ما يراه من بؤس المناخ السياسي وضعف الطبقة السياسية وتردي خطابها وبيروقراطية تعاملها يجعل من هؤلاء الشباب حذرين جدا من خوض التجربة.
ويضيف:»ستحصل انتخابات بلدية في شهر آيار/مايو المقبل وسنقف عند حقيقة رفض جزء كبير من الشباب المشاركة فيها. يسميه البعض عزوفا. ولكنني لا أراه كذلك، العزوف هو مصطلح يسم به الفاعل السياسي كل من لا ينتخب وخصوصا من الشباب لأنه في حاجة إلى أصواتهم. لا يمكن لهذا الفاعل السياسي أن يفهم أن ما يسميه عزوفا هو بأكثر دقّة موقف رافض للعملية السياسية برمتها. هؤلاء الشباب لا يثقون في الشأن السياسي وكيفية إدارته، لقد بدأ منسوب ثقتهم في الديمقراطية التمثيلية يضعف. ولهذا فإن جزءا منهم يشارك في الشأن العام بأشكال جديدة وغير تقليدية، فهو من يختار مضامين مشاركته وحدودها، وهو الذي يضع لها أفقا حسب منطق حساباته. وهو الشاب الذي ينتقل من مجال إلى آخر دون أن يكون ملزما ببناء مسار نضالي طويل المدى. تصبح المشاركة في الشأن العام مشاركة تحت الطلب. ولهذا من الصعب إقناع الشباب بالانخراط في الشأن العام عبر الهياكل المتعارف عليها. وسنرى نتيجة ذلك بطريقة واضحة في الانتخابات البلدية المقبلة».
ربما تمكنت الحكومة من اسكات هذه الاحتجاجات خاصة بعد ان بدأت تتحول إلى عملية فوضى وتدمير للأملاك العامة والخاصة وهو ما عبر عن رفضه جل التونسيين ونقلته وسائل التواصل الاجتماعي أو الإعلام، التنديد بالفوضى ورفض كل مظاهر التخريب، وسهل على الحكومة اسكات صوت المحتجين، وحملة «فاش تستناو» التي بدأت تعبيرا عن الغضب بسبب الزيادة التي خطتها الميزانية الجديدة، أصبحت عاصفة عابرة لكن «جمر الغضب» الذي خلفته ما زال تحت الرماد ولا يعلم أحد متى يشتعل مجددا وكيف طالما ان مناخ الثورات ما زال قائما.
 

احتجاجات تونس: أزمة عابرة أم ثورة جديدة؟

روعة قاسم

- -

1 COMMENT

  1. يجب أن تكون هناك إرادة حقيقية للقضاء على الفساد
    عندها فقط ستتحسن الأحوال
    ولا حول ولا قوة الا بالله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left