الأمازيغية في الجزائر والمارسيون الجدد

ناصر جابي

Jan 22, 2018

تاريخ الجزائر السياسي يخبرنا، أن شهر مارس 1962 الذي يحيل إليه العنوان، قد عرف وقف إطلاق النار بين جيش التحرير الجزائري والجيش الفرنسي، تمهيدا لإعلان الاستقلال في يوليو من السنة نفسها.
وقف إطلاق النار في 19 مارس، كان فرصة لالتحاق أعداد غفيرة من الانتهازيين بجيش التحرير، بعد أن توقف القتال، ولم يعد التحاقهم المتأخر هذا، يؤذيهم، أو يسبب لهم أي خطر. لبسوا أحسن لباس وتسلحوا بأسلحة لم تكن متوفرة لجيش التحرير، وانطلقوا في أخذ الصور في كل مكان، بعد ان تأكدوا من أن الجيش الفرنسي، قد توقف عن القتال. لدرجة أن الكثير من الصور التي تظهر «مجاهدين» بلباسهم الجميل وعتادهم العسكري المتميز، هي لهؤلاء المارسيين التقطوها، بعد وقف إطلاق النار وليس قبله، فحالتهم الصحية ولباسهم الحديث وأسلحتهم الجيدة، لا توحي تماما بأنهم أخذوا هذه الصور في جبال الأوراس، قبل مارس 1962.
فئة من الانتهازيين انتجت لاحقا ظواهر سياسية سلبية عديدة، كظاهرة المجاهدين المزيفين، وأبناء المجاهدين المزيفين، وكل الذين قايضوا مشاركة وهمية في حرب التحرير للحصول على الكثير من الامتيازات العينية والرمزية من الدولة الوطنية الريعية التي ظهرت بعد الاستقلال. ما يحصل هذه الأيام مع الامازيغية، يشبه تماما ما حصل في مارس 1962، مع القضية الوطنية والاستقلال. فقد برز فجأة إلى السطح عدد كبير من «مناضلي» القضية الأمازيغية لم يكن يعرفهم أو يسمع بهم أحد، قبل الاعتراف الدستوري بها كلغة وطنية ورسمية أو الاعتراف بالناير كعيد وطني. أخذوا يفتون في كل القضايا، كيفية كتابة الأمازيغية والحرف الذي يجب ان تكتب به، الذي لن يكون إلا العربية بالطبع، وغيرها من القضايا الحساسة والمهمة، التي تتطلب معرفة ودراية غير متوفرة أصلا عند هؤلاء المارسيين الذين لا يخبروننا كيف انتقلوا فجأة من موقع المعادي والمعارض لترسيم الأمازيغية والاعتراف بها كلغة وطنية ورسمية، إلى المؤيد والمدافع عنها.
في حقيقة الأمر هذه المواقف المؤيدة المتأخرة من الأمازيغية ليست غريبة من المارسي، فهو يعرف بالسليقة أنه يجب عدم إغضاب الحاكم واتخاذ موقف معارض لموقفه المعلن رسميا، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بقرار صادر عن رئيس الجمهورية شخصيا. فالمارسي يمارس التقية في كل شيء، ومن عادته أن يضمر موقفا ويعلن عن موقف آخر مختلف، يراعي موازين القوى، وينتظر الفرصة للانقضاض، وقد لا نعرف موقفه الحقيقي الذي يؤمن به إلا في الدار الأخرى، فالوقت هو حليفه الأساسي.
فالمارسي كان يعادي على سبيل المثال، الثورة الزراعية، في عهد بومدين، لكننا لم نعرف موقفه إلا بعد التراجع عن القرار رسميا ووفاة بومدين. وكان ضد التأميمات، لكنه لم يخبرنا برأيه، رغم أنه يكتب يوميا في الصحافة الوطنية والدولية، وكان ضد منع مولود معمري من إلقاء محاضرته في جامعة تيزي وزو في 1980 وضد وضد، لكنه لم يقل هذا وسكت ولم يكتبه في حينه، بدون ان يمنعه أن يعلن في الجلسات الخاصة واللقاءات الحميمية، عن مواقفه المتناقضة بالضرورة والمختلفة، من مجلس الى آخر، يتكيف فيها مع جمهوره الحاضر. فقد تعلم المارسي ألا يغامر بالكتابة، فالشفهي هو السائد عنده، حتى إن كان صحافيا كبيرا، أو أستاذا في الجامعة، أو سياسيا مخضرما.
«حلفاء» جدد اذن حصل عليهم المطلب الأمازيغي في الجزائر، مثل الإعلام الرسمي الذي بالغ لدرجة الهذيان، في الاحتفال الفلكلوري، هذه السنة بالعيد الأمازيغي النايري، بعد أن تم ترسيمه. «حلفاء» سينتظرون الفرصة للردة في أي وقت. فالمارسي كان لوقت قصير يؤمن بأن الأمازيغي عربي قح، من أصول يمنية وأن «لهجته» لن ترقى إلى مكانة اللغة، مهما فعلت، وأن المطلب الأمازيغي الذي ناضل من أجله أجيال، منتوج استعماري تم طبخه في باريس.
موقف ليس بعيدا عن الموقف الرسمي، الذي تواطأت معه فصائل مهمة من النخب القبائلية والشاوية الرسمية، التي فضلت لسنوات السكوت، مقابل الامتيازات التي حصلت عليها، قبل أن يتغير موقفها في السنوات الأخيرة، لاعتبارات كثيرة، ليست بعيدة عن السياسي والآني من الأمور، فالرئيس الجزائري نفسه كابن لجيل سياسي يعقوبي، صرّح في بداية عهدته، بأن الأمازيغية لن تكون رسمية ووطنية مادام على رأس السلطة، إلا عن طريق استفتاء شعبي. وها هو يعترف بها كلغة وطنية ورسمية ويرسم الناير عيدا وطنيا وهو على أبواب عهدة خامسة، بدون استفتاء ولا استشارة.
فنحن إذن أمام قبول كبير حصل عليه المطلب الأمازيغي في الجزائر والشمال الإفريقي، ليس على مستوى النخب السياسية والفكرية الحاكمة بمن فيهم المارسيون الجدد، بل على مستوى شعبي كذلك. فقد نضج المطلب ولم يعد ينظر إليه كتهديد للوحدة الوطنية التي مازالت حاضرة بقوة كفكرة سياسية مركزية. فقد تعرف الجزائريون على بعضهم بعضا، بشكل كثيف، بعد الاستقلال، تزوجوا، في ما بينهم من خارج مناطقهم، سافروا وانتقلوا للعيش في مناطق بعيدة عن مواطنهم الأصلية، اختلطوا في المدينة والجامعة ومكان العمل، كونوا أحزابا وجمعيات زوروا الانتخابات.
تحولات اجتماعية وديموغرافية، ازدادت قوة بعد الاستقلال، هي التي تفسر القبول الذي يحظى به المطلب الأمازيغي في الجزائر في السنوات الأخيرة، جرّ المارسي الى تبنيه والدفاع عنه علنا، هو الذي يؤمن بقناعة راسخة، أن الناس لا يمكن ان يكونوا إلا على دين ملوكهم. فقد عاش المجتمع الجزائري بمختلف مناطقه وأجياله، مستويات عليا من الاندماج، على أكثر من صعيد، اقتصاديا واجتماعيا وديموغرافيا، من الصعب ان تنتكس الى الوراء، حتى لو حاول المارسي اللعب على تفاصيلها ونقاط ضعفها لاحقا. كما فعل مع الكثير من القضايا الوطنية المهمة التي استلمها.
كاتب جزائري

الأمازيغية في الجزائر والمارسيون الجدد

ناصر جابي

- -

3 تعليقات

  1. أبوتاج الحكمةأحببت أسرة قدسنا العربي،فضميرهاأصفى من الذهب هي نهضة الشرق الجميل زهت، دررا على الأفهام والأدب

    لله درك ناصرالجابي،شكري إليك وصدق ترحابي
    نعم الأمازيغي عربي قح أصله يمني قديم من العرب العاربة والتطابق بين الحميرية والأمازيغية مذهل
    لقد كنت عبرت لسعادة السفير الجزائري في باريس عن حزني وتأثري الشديد لكتابة الأمازيغية باللاتينية عوضاعن الحرف الأمازيغي القديم الذي يشيرلحضارة عريقة ويقال إن اليونان اقتبسوه حرفالهم
    والموقف الوسط الذي أراه هو كتابة الأمازيغية بالحرفين جنباإلى جنب اللاتيني والأمازيغي مثلمانشتري في باريس الغرض من السوق ويدون عليه السعرباليورو والفرنك الفرنسي القديم.
    أبو تاج الحكمة
    شاعر سوري(باريس)

  2. ” فالرئيس الجزائري نفسه كابن لجيل سياسي يعقوبي، صرّح في بداية عهدته، بأن الأمازيغية لن تكون رسمية ووطنية مادام على رأس السلطة، إلا عن طريق استفتاء شعبي. وها هو يعترف بها كلغة وطنية ورسمية ويرسم الناير عيدا وطنيا وهو على أبواب عهدة خامسة، بدون استفتاء ولا استشارة.” إهـ
    إنه سحر كرسي الحُكم !

    ولا حول ولا قوة الا بالله

  3. ماتراه من مخططات يااستاذ ناصر…كلها طرحت من طرف الاستعمار في مرحلة هيمنته المباشرة….ومنها التمييز العرقي والثقاقي بين مكونات شعوب المغرب الكبير…ولكن تم افشالها من طرف الوطنيين الحقيقيين واغلبهم امازيغ لمعرفتهم بان نوايا فرنسا تتمثل تحديدا في خلق نخبة فرنكفونية تحرص على مصالحها وترعاها…، وهاهي المحاولات تتكرر من جديد تحت مسميات مموهة وفي اطار نفس الاهداف …مع حرص تام من طرف اتباعها على تحقيق النجاح الذي افتقدته الدولة الام….والباقي تفاصيل لا تخرج عن هذا السياق ونفس الاهداف….وخاصة فيما يتعلق بالعربية والاسلام.!!!!!.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left