مَن يحكم السودان… وكيف؟!

د. الشفيع خضر سعيد

Jan 22, 2018

صحيح أن سؤال «من وكيف يحكم السودان؟» ظل يرمز إلى فشل النخب المتعاقبة على حكم البلاد منذ استقلالها، عام 1956، في تمييز كيانها كنخب متماسكة وتمتلك رؤية واضحة المعالم، وعجز هذه النخب عن طرح فكر سياسي وبرنامج، أو مشروع وطني، يخاطب قضايا بناء دولة سودان ما بعد الاستقلال ويرتقي بحياة الناس. وأيضا، ظل السؤال يرمز، بصورة عامة، إلى تطلع الأجيال المتعاقبة في توصيف وتعريف النخبة التي ترغب هذه الأجيال في أن تراها في دست الحكم، بحيث يمكن وضع ضوابط ومعايير يسهل معها إعمال مبدأ المحاسبة والتغيير وفق مبدأ التداول السلمي الديمقراطي للسلطة. لكن اليوم، وفي الظرف الذي يشهده السودان، يشير سؤال من وكيف يحكم السودان، بأصابع الاتهام إلى من يحكمون السودان اليوم بضيق الأفق، مثلما يهدف إلى فضح ستار الجهل الذي يتحركون من وراءه، وإلى كشف أجندتهم الخالية من هموم الناس. ومن زاوية أخرى، فإن السؤال لا يطرح بمعناه الفقهي والدستوري الذي يرسم للحكومة خط سير لا تحيد عنه، وإنما يطرح بمعنى الاحتجاج والرفض والاستنجاد ضد مختلف الانتهاكات التي تمارسها السلطات السودانية بحق المواطن والوطن.
والسواد الأعظم من جماهير الشعب السوداني يجهر في كل سانحة بأن الإنقاذ فشلت تماما في إدارة هذه البلاد، لكنها تتشبث بكرسي السلطة مستميتة في الدفاع عن المصلحة الخاصة وخوفا من عقاب آتٍ، ولا يهمها أن تصبح البلاد بقايا من حطام. والناظر إلى المشهد السياسي اليوم في السودان لا شك سيصاب بالذهول، وينعقد لسانه دهشة من حقيقة أن نظام الإنقاذ فقد كل مبررات ومقومات وجوده، وأن مؤشرات التغيير نضجت ووصلت تلك المرحلة التي لا تخطئها العين، ومع ذلك لا تزال الإنقاذ تحكم. والسبب يكمن في الفعل المعارض الذي لا يزال عاجزا عن تحويل المتناثر من الومضات إلى فعل متكامل، ولا يزال تسكنه الاتهامات المتبادلة، وتكرار الرجوع إلى المربع الأول، والعمل بإسلوب التجزئة أو القطّاعي، بينما نحن لا نبذل الجهد المطلوب لتغيير ذلك، ونكتفي بالاستنكار وإدانة فعل المؤامرة وألاعيب الأجهزة.
ومع إتفاقنا وتوافقنا مع كل الاستنتاجات والقناعات التي وصلت إلى محطة أن يرحل النظام، إلا أننا نزيد بأن البلاد، في هذا الظرف السياسي المليء بالمتناقضات، تحتاج، مع إنفاذ فعل الترحيل، إلى صياغة ملامح البديل ورسم قوامه من خلال فكر سياسي جديد يولد من رحم الحوار والتفاكر. فما اتفقنا حوله في الماضي، وكنا نظنه حلا مرضيا للجميع، ربما لم يعد كذلك. ما نريده الآن هو إعمال الفكر في قضايا الواقع المتغير، بغرض تحليلها وفك شفرتها حتى نتوصل إلى أفضل الحلول. فإعمال الفكر وتحكيم العقل في تحليل قضايا الواقع اليومي، هي الآلية الوحيدة القادرة على حسم المعركة ضد السياسة التي تتقوى بتجهيل الشعب وتسييد ثقافة الشائعات والإلتفاف على الحقائق، ومحاصرة التفكير لينزوي في ركن تدبير المعيشة اليومية، أو ليضرب الحلفاء بعضهم بعضا. وحتى لا يفهم حديثنا خطأ، فنحن هنا لا ندعو إلى تعاقب وتوالي الآليات، وإنما نفترض الحراك بالتوازي. بمعنى، في نفس الوقت الذي نعمق فيه الحوار والنقاش، نواصل الحراك العملي الملموس. وهكذا، جنبا إلى جنب، وخطوة بخطوة، نستطيع أن نصنع التغيير الذي نريده.
إن ثورة تحرير العقل التي سادت في الغرب خلال القرون الثلاثة المنصرمة هي التي انتجت أفعالا أقل ما يقال عنها أنها خارقة، كالثورة التكنولوجية التي في كل يوم تعيد تجديد ذاتها مع كل إكتشاف جديد ينسف ما كان مسلما به في فترة ماضية. وقبل أكثر من عشرين قرنا من الزمان، وتحديدا في العام 360 قبل الميلاد، وضع إفلاطون في كتابه «الجمهورية» أسس المجتمع الفاضل المثالي القائم على العدالة كفكرة مركزية، وناقش توزيع الأدوار والسلطات وسيادة حكم العقل، واشترط أن يمتلك الحاكم قدرا مناسبا من العلم حتى يصبح مؤهلا لإدارة هذا المجتمع المثالي. يا ترى، هل نحن مازلنا بحاجة إلى تقليب صفحات «الجمهورية»، ولو مجازا، حتى لا نيأس من ضرورة الحوار والعصف الذهني لإنتاج فعل مقاوم يستطيع أن يعيد تأسيس مجتمع التعايش السلمي في السودان؟. صحيح أن الإنقاذ التي انقلبت على الديمقراطية بفكرة وقف نزيف الفشل، وتمددت في الحكم لما يقارب نصف عمر فترة ما بعد الاستقلال، لم تأت إلا بالطغيان والاستبداد، مخلّفة تصدعات انفصال الجنوب والحروب الأهلية والفقر والمعاناة ونهب المال العام والفساد عبر القهر والقمع. وصحيح أن التخبط والفشل المتكرر لازم كل التجارب المتعاقبة في حكم البلاد، وظل يلازم حراكنا السياسي منذ الاستقلال، لكن كل ذلك لا يضاهي ما فعلته الإنقاذ بالوطن والمواطن، ومع ذلك لم ولن نيأس من إمكانية إنتصار فعل التغيير.
تقول القصة: في زمن غابر، لم تعرف فيه بعد الأحذية، كان الناس يسيرون حفاة. وفي ذات مرة خرج الملك في رحلة تفقدية لأنحاء مملكته، وسار حافي القدمين لمسافات طويلة حتى تورمت قدماه وتجرّحت ونزفت. ومباشرة عقب رجوعه إلى القصر، وربما بعد أقل من دقيقة من وصوله، عقد الملك مجلسا لأعوانه من المساعدين والمستشارين، طرح فيه قضية أرجله المتورمة الدامية بسبب السير حافي القدمين، وأبلغ المجتمعين أنه بصدد إصدار فرمان بأن تُغطى كل الطرقات والمسارات التي يمشي عليها بالجلود! لكن، أحد مستشاريه، بادر مقترحا على الملك ما يمكن أن يقلل من التكلفة العالية لتغطية الطرقات بالجلود، فإقترح أن يختصر الأمر على تغطية قدمي الملك بقطعة صغيرة من الجلد يمشي بها على الأرض…، ويقال أن تلك كانت أول حذاء في التاريخ!! ونحن نرى أن من واجب كل أبناء السودان التكاتف لوضع حد لسياسات الحكام الذين يجهلون كيف يحمون أقدامهم من التورم والنزف!

٭ كاتب سوداني

مَن يحكم السودان… وكيف؟!

د. الشفيع خضر سعيد

- -

2 تعليقات

  1. وهل التغيير سياتي فقط عن طريق أحزاب معارضة ؟ .
    ما حدث فى انتفاضات الربيع العربى يثبت أن الكتلة التى تحركت وأشعلت الشرارة لا علاقة لها البتة باي تنظيم .
    وكذلك انتفاضتى 1964 و 1985 فى السودان .
    تتحرك الكتلة الجماهيرية ؛ الكتلة الحرجة فى لحظة نضجها الثورى ؛ ثم تتحرك معها عضوية الأحزاب بعد ذلك .

  2. توصيف حقيقي لما جري ويجري الان من الواقع المحزن الذي يعيشه السودان والمواطن من احد ابنائه المهمومين بتغير الحال البائس الذي لا يشبه السودان واهله وانا كنت اتوقع اشارات اكثر دقه عن من يقوم بالتغير لان الشعب الان بلا قياده حقيقيه تخيل اكثر من 100 حزب ومئات من الجماعات اثنيه عرقيه وقبليه اما الاحزاب التاريخيه كحزب الامه والوطني الاتحادي فانها جزء من الجماعه الفاسده والشيعيون وهم الانبل لانهم لم يتلوثوا مع النظام القبيح ولكن يصد الجماهير هذا الاسم الذي له دلالات غير طيبه عند الانسان السوداني المومن حتي النخاع مع قناعتي انهم انبل وطهر يدا ولسانا من جماعة هي المنافقه التي دمرت البلد الطيب

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left