هوليوود قبل إعلان ترشيحات الأوسكار: التحرشات الجنسية تُقرِّر مصير الأفلام المتنافسة وليس قيمها الفنية

القضاء انتقل من المحاكم إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت الحاكم والجلاد

حسام عاصي

Jan 22, 2018

لوس أنجليس – «القدس العربي»: عادة في موسم جوائز هوليوود، تهيمن الأفلام المتنافسة على الحديث والنقاشات في الحفلات والمناسبات، فضلا عن تصدرها لعناوين أخبار السينما، ولكن هذا الموسم انقلبت الأمور رأسا على عقب. فبدلا عن الحديث عن الأفلام، أجد نفسي في هذه الحفلات أناقش اتهامات التحرش الجنسي الموجهة إلى صانعيها ونجومها وكأن أخلاقياتهم أصبحت المعيار الوحيد لتكريم أعمالهم الفنية وليست مواهبهم. والأكثر غرابة أن الكثير من النجوم المتنافسين صاروا يتم تفاديهم، كما حدث مؤخرا لفائزي جوائز «الغولدن غلوب» جيمس فرانكو وعزيز أنصاري.
عندما صعد جيمس فرانكو إلى المنصة لتسلم جائزة «الغلودن غلوب» لأفضل ممثل في عمل كوميدي أو موسيقي، كانت ممثلاته وتمليذاته بين الملايين، الذي كانوا يشاهدونه يرتدي رمز التضامن على صدره مع ضحايا الاعتداءات الجنسية «كفاية».
وبينما كان يلقي خطاب استلام الجائزة، كانت تلك الممثلات تبث ادعاءات عنه على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي تتهمه بتصرفات بذيئة تجاههن خلال العمل معه على مشاريع أفلام. وفي الأيام اللاحقة، قضى فرانكو وقته يدافع عن نفسه في برامج «التوكشوا» بدلا من الاحتفاء بجائزته.
كما أنه تفادى لاحقا حضور حفل توزيع جوائز النقاء السينمائيين، حيث فاز بجائزة أفضل ممثل مرة أخرى، وقد وضع أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة في أزمة لأن الترشيح لجوائز الأوسكار أُغلق قبل ظهور الاتهامات ضده، ومن المتوقع أن يرشح في فئة أفضل ممثل. فهل ستدعوه الأكاديمية إلى حفل توزيع جوائز الأوسكار؟ وإذا حضر كيف سيواجه الإعلام؟
هذا السؤال تواجهه الأكاديمية في خصوص دعوة نجم آخر، وهو كيسي أفليك لتقديم جائزة أفضل ممثل، التي فاز بها العام الماضي عن دوره في فيلم «مانشستر باي ذي سي.» أفليك أيضا يواجه اتهامات تحرش جنسي من قبل بعض النساء، اللواتي ما زلن يطالبن هوليوود بمقاطعته. تخيّل كيف سيكون رد الجماهير على مواقع التواصل الاجتماعي إذا فاز فرانكو بجائزة أفضل ممثل وقدمها له أفليك؟

البريطاني غاري أولدمان المرشح الأفضل للأوسكار

المرشح الأقوى للفوز في أوسكار أفضل ممثل ليس فرانكو وإنما البريطاني غاري أولدمان عن أداء دور وينستون تشرشل في «أكثر الساعات ظلمة». لكن هذا الأمر لن ينجد الأكاديمية من أزمتها. فمثل فرانكو، فوز أولدمان بغولدن غلوب أفضل ممثل في عمل درامي أثار غضب بعض النساء لأنه كان أيضا متهما بالاعتداء على زوجته عام 2001. فيبدو أن الأكاديمية في مأزق صعب لا مخرج منه.
أنصاري هو أيضا صنع تاريخا الأسبوع الماضي عندما أصبح أول مسلم يفوز بجائزة أفضل ممثل في عمل تلفزيوني كوميدي. ولكن بدلا من الاحتقاء بتحقيقه التاريخي، كان عليه أن يتصدى لاتهمات فتاة ادّعت أنه أكرهها على مضاجعته في بيته في نيويورك العام الماضي.
اتهامات التحرش الجنسي اندلعت منذ فضح المنتج الهوليوودي العملاق هارفي واينستين بداية شهر اوكتوبر/تشرين الأول الماضي في مقال نشرته جريدة «نيويورك تايمز».
ومنذ ذلك الحين أسفرت هذه الاتهامات، التي لم تُثبت في محاكم قضائية، إلى انهيار بعض ابرز نجوم ومسؤولي هوليوود وسقوطهم من مناصبهم على غرار الممثل كيفين سبيسي والمخرج بريت راتنر ومؤسس شركة «بيكسار» للصور المتحركة ومدير شركة «ديزني» جون لاسيتر. بعض الاتهامات جدية مثل إكراه الضحايا على ممارسة جنسية أو حتى اغتصاب، ولكن عددا كبيرا منها تبدو تصرفات عادية تمارس في الحياة اليومية في المجتمعات الغربية، مثل عادة لاساير معانقة النساء. الحقيقة هي أنه كان يعانق النساء والرجال. وكان يعانقني كلما التقيت به وكنت أشاهده يعانق الجميع بدون تمييز ولم أشعر إن كانت نيته سيئة، ولكن ذلك لم يحميه من هجوم شرس ضده على صفحات التواصل الاجتماعي واضطر إلى ترك منصبه.
حركة «أنا أيضا»، التي تشجع النساء على فضح كل من تحرش بهن أو اعتدى عليهم في حياتهن، أصبحت سيلا عارما تجرف كل ما يقف أمامها وتسحقه. فعندما حاول مات ديمون، الشهر الماضي، أن يحذر من الافراط والتهور في نشر هذه الاتهامات، التي أسفرت عن تدمير أشخاص ابرياء، بدون فحص صحتها ودقتها، انقلبت الحركة ضده وهاجمته بالاستنكار واتهمته بالجهل وعدم الحساسية، رغم أنه كان واحدا من أشد مناصريها.
كما واجهت النجمة الفرنسية، كاثرين دينوف، هجوما شرسا عندما قامت هي ومئة امرأة فرنسية بنشر تصريح تستنكر العداء تجاه الرجال وتقر حقهم في مغازلة النساء.
الاتهامات الأخيرة ضد أنصاري وفرانكو كانت تافهة لدرجة أن بعض مناصري حركة «أنا أيضا» تراجعوا أمام استـهتار الجـمهور بها على مواقـع التـواصل الاجتمـاعي. فرانكو وانصاري لم يعتديا على أحد. الأول طلب من الممثـلات أن يخـلعن ملابـسهن في مشـهد جنسـي في فيـلم كنّ على علم سابق بفحواه وهذا أمر عـادي في صـنع الأفلام، والثاني كان في بداية علاقة رومانسية مع متهمته، التي ذهبت إلى بيته برضاها ولم يكرهها على مضاجعته. فإذا كان تصرف فرانكو وأنصاري غير أخلاقي أو اجرامي فهذا يعني أن الحضارة الغربية، التي تفتخر بالحرية الجنسية، هي غير أخلاقية واجرامية.

وسائل التواصل تحاكم النجوم

قبل فضيحة واينستين، كان نجوم ومسؤولو هوليوود يستأجرون طواقم من المحامين ويلجأون إلى المحاكم لإسكات متهمينهم. ولكن الآن لم يعد القانون فعالا في حمايتهم والدفاع عنهم إذ أن القضاء انتقل من المحاكم إلى مواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت الحاكم والجلاد بدون أن تخضع لاي قوانين او نظام، مما أثار الرعب في قلوب نجوم ومسؤولي هوليوود، الذين لم يبقى أمامهم إلا الاختباء والابتعاد عن الانظار. وهذا ما لاحظته في حفلات «الغولدن غلوب»، إذ أن غالبية النجوم اختفوا بعد استلام جوائزهم بدلا من الاحتفاء بفوزهم حتى ساعات الصباح كما كان يفعلون في الاعوام السابقة.
السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف أثرّت كل هذه التطورات على الأفلام المتنافسة؟
موسم الجوائز ينطلق في شهر أيلول/ سبتمبر بعد مهرجانات «فينيسيا» الايطالي و»تورنتو» الكندي، حيث يبرز فيلم واحد أو فيلمان يتصدران المنافسة حتى وصولهما إلى جوائز الأوسكار. هذا العام لم يلمع فيلم واحد وكانت المنافسة مفتوحة بين عدة أفلام. ولكن يبدو أن احداث التحرشات الجنسية سوف تقرر مصير الأفلام المتنافسة وليس قيمها الفنية، كما شاهدنا في جوائز «الغولدن غلوب» قبل أسبوعين، حيث هيمنت أفلام نسائية عليها على غرار فيلم «ثلاثة لوحات اعلانية في ايبينغ ميزوري»، الذي حصد خمس جوائز ويدور حول أم تطالب الشرطة بالتحقيق في اغتصاب ومقتل ابنتها.

النساء السود يفرضون أنفسهم

كما يتعرض مصوتو الأوسكار للضغط من أجل تكريم فيلم غريتا غيرويغ «لادي بيرد»، فيلم نسائي من إخراج امرأة ويتناول نضوج فتاة مراهقة وعلاقتها مع أمها. وهناك حملة تقارنه بفيلم «مونلايت» الذي فاز العام الماضي بأوسكار أفضل فيلم ويدور حول نضوج شاب أسود.
التركيز على قضايا النساء همّش هذا العام قضايا السود والتمييز العرقي، التي كانت تُثار في مواسم الجوائز السابقة والتي اجبرت لاحقا الأكاديمية على القيام بتغييرات جذرية في عملية ترشيحها للافلام من خلال دعوة مئات من اعراق غير بيضاء للانضمام اليها ومنحهم حق التصويت، التي كان يحتكره الرجال البيض، مما أدّى العام الماضي إلى ترشيح عدد قـياسي من الفـنانين الملـونين.
بلا شك أن الأكاديمية تدرك أن تجاهل أفلام السود سوف يخلق أزمة أخرى لها، لهذا يُتوقع أن يتم ترشيح فيلم المخرج الأسـود جوناثان بيل «أخـرج»، الذي يسخر من نفاق وعداء اللـيبراليين للـسود، في عدة فـئات، وتكريم فيـلم المـخرجة السوداء دي ريس «مادباوند»، الذي يتناول بشـاعة العنصرية تجاه السود خلال وبعد الحرب العالمية الثانـية.
الأفلام المتنافسة الأخرى تضم فيلم المكسيكي غييرمو ديل تورو «شكل الماء» وفيلم ستيفين سبيلبرغ «بوست»، كلاهما يتمحور حول شخصية انثوية قوية. الأول يحكي قصة منظفة بكماء تنقذ كائن مائي من مختبر المخابرات الأمريكية المركزية أبان الحرب الباردة وتقع في حبه والثاني يقدم مالكة جريدة واشنطن بوست، كاثرين غراهام، التي قررت نشر أوراق البنتاغون السرية عام 1971 رغم تهديدات ادارة الرئيس الأمريكي آنذاك ريتشارد نيكسون.
أنا لا أنكر أن الأفلام المذكورة أعلاه تتسم بجودة فنية راقية ولكني لا اعتقد أن المعيار وراء تكريمها سوف يكون قيمها الفنية بل مضامينها، التي تعكس الاحداث والواقع في هوليوود وخارجها. وهذا ليس سابقا بل تغييرا في نهج تكريم الأفلام. ففي الماضي معظم الأفلام التي كان تحظى بجوائز الأوسكار كانت تعالج محرقة اليهود في الحرب العالمية الثانية ولكن تعزز نفوذ السود والأعراق الأخرى حطّ شيئا ما من هيمنة اليهود في هوليوود وساهم في تسليط الضوء على مواضيع اخـرى تستـحق أيضا التكـريم.
هذه الأيام تمر هوليوود في حالة ترقب شديد لما سيحدث بعد اعلان ترشيحات الأوسكار التي سوف يُعلن عنها غدا. الأكاديمية بين المطرقة والسندان، وتدرك أن لا يمكنها إرضاء الجميع وبغض النظر عن تركيبة أو نوعية الترشيحات فسوف تتعرض للانتقادات من جهة أو أخرى. والسؤال الذي تواجهه هو: هل هي مؤسسة لتكريم الفن السينمائي طبقا للمعايير المهنية أم أصبحت جسدا شعبيا يلبي طلبات حملات متابعي مواقع التواصل الالكتروني؟

هوليوود قبل إعلان ترشيحات الأوسكار: التحرشات الجنسية تُقرِّر مصير الأفلام المتنافسة وليس قيمها الفنية
القضاء انتقل من المحاكم إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت الحاكم والجلاد
حسام عاصي
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left