منتمون ولا منتمون

بروين حبيب

Jan 22, 2018

قبل أن نكتشف من نحن تكون الحياة أسهل بكثير بالنسبة لنا، ثم تبدأ بالتعقد وأخذ مسارات مختلفة كلما عرفنا تفاصيل عن هويتنا وانتماءاتنا، وثقافتنا وجذورنا العائلية والثقافية، وكثير من التفاصيل الأخرى التي تنبت مثل الحشائش الضارة حولنا، ونحن منهمكون بالمضي في طريقنا.
في البدء لم نكن سوى بشر، انتمينا لسلالة الإنسان واقتنعنا بأننا أبناء آدم وحواء، وقد انزعجنا على الأرجح حين بلغتنا معلومة مجنونة من عالم ولد في غير زمنه قال إننا قرود متطورة. إن الذي يبعث الرّاحة في أنفسنا هو الاستسلام لفكرة أننا أبناء آدم وحواء كانتماء «محترم» وأننا مثل كل الأخوة على هذه البسيطة نتشاجر ونتقاتل، ونشعل الحروب بأنواعها بين أفراد سلالتنا النقية المترفعة عن القرود. في كل تلك الصراعات نبحث عن مكان للانتماء إليه، أو سلالة معينة أو مجموعة ما تحتوينا وتعطي لحياتنا معنى. إذ يبدو أن فكرة الانتماء هذه ضرورية للإنسان المعاصر، ولا أدري إن كانت كذلك بالنسبة لإنسان عصور سابقة، إذ يبدو لي أن الانتماء للأرض قد يكون الأقدم والأهم، تلته انتماءات أخرى حسب تطوره الإدراكي والفكري.
مشكلة الانتماء بقدر ما هي حاجة تظل الأقسى على بني البشر، وهي التي تتحكم في سلوكه اللطيف أو العدواني، وهي التي تدفعـــــه في كل الـحـــــالات إلى شن حروب، وابتكار قضايا للنضال من أجلها، يبدو الأمر مرتبطا ارتباطا وثيقــــا بالحفاظ على مكانه ومكانته، وفكره وفكر جماعـــــته، وسواء كان منتميا لأيديولوجيا معينة أو لا، فحتما هنــاك ما يجذبه ويقيده بإحكام لوجهات نظر يتقاسمها مع غيره.
في عالم الأدب والشعر والفن، يقال إن الحداثة أحدثت أول مشكلة انتماء للمبدعين، تلتها مراحل ما بعد الحداثة والعولمة، التي زادت في اتساع الهوة بين الفرد وهويته، مع تصادم عنيف بين النماذج الغربية للمعطى الحداثي وإمكانية تطبيقها على أرض واقعنا. بحكم انتمائي للشعر، على سبيل المثال، وجدتني قلقة ومرتابة مع من تعامل معي كوجه تلفزيوني فقط، ولطالما خرجت من أعماقي فورة فجائية للدفاع عن موقعي كشاعرة، رغم أني عشقت مهنتي التلفزيونية وأخلصت لها، إلاّ أنها لا تختصر بما يكفي تجربتي وقناعاتي، فدائرة معارفي بدأت يوم استهواني أول كتاب في الشعر، ولحظة انهمرتُ بكل جوارحي في أنهاره، وكأنني مكَوَّنٌ شعري لا غير. واليوم أشعر دوما بأن أي التباس في تقييمي مزعج لي حتى وإن تقبلته ممتعضة. إن أول وقوف لي على المسرح كان لهدف إلقاء الشعر، ومنه استمددت كل شجاعتي في ما بعد لأقف أمام الكاميرات والجمهور.
ما زلت أذكر تلك اللحظة الفارقة من عمري والقصيدة تمسكني من يدي وتجرني لاعتلاء المسرح، وهذا ولاء كبير أكنه للشعر، لهذا لا أتسامح مع من يطعنون الشعر، أقول الأشياء بكل ما تحملها من علامات استفهام، أطرحها وأناقشها، وأنتصر له لأني منتمية إليه أو منبثقة منه.. لا أدري. أي إشارة إلى موت الشعر أو احتضاره، أو فقر مكنوناته، أو تراجع مكانته يشكل شعورا مخيفا في داخلي بالفقدان، ترن أجراس قلبي مباشرة بعد رنين كلمة «الشعر» خلال أي محادثة، و كأن ما أسمعه اسم حبيبي الأول والوحيد. كما أصبح أكثر حساسية حين يتعلّق الأمر بالطعن في مهنة الإعلامي، أيا كان هذا الإعلامي، قبل أن تتوضح توجهاته وآرائه. فلطالما تعاطفت مع زملاء المهنة، ولكن هل كل الزملاء يتعاطفون مع بعضهم بعضا؟ حضرني السؤال مرارا خلال مناقشات عديدة توضح من خلالها أن الإعلاميين أيضا منقسمون، وأن المهنة لا تجمعهم في الحقيقة ، بقدر ما تجمعهم المؤسسة، أو لنقل بشكل صريح «مصدر المال». في صيغة أكثر بساطة، كان الانتماء بؤرة من العناصر القوية، التي تتحوّل أحيانا إلى ما يشبه السلطة، لأن إغلاق أو فتح القضايا الشائكة والصعبة يقوم على فكرة الانتماء، لكن لا أدري ما الذي حدث، فقد تغيّرت المفاهيم، وأصبح المنتمي كالمقيد، وأصبحت فكرة «اللامنتمي» أقرب لتوجيه النخبة لفضاء بلا قضبان.
قفزة نحو الماضي، للفكرة نفسها التي أطلقها كولن ولسون، والتي يبدو أنها تباغتنا بين الحين والآخر بعودتها لواجهة النقاش، لتعكس قلقنا الحقيقي، وشعورنا بالضياع، وليس لأن بريق الفكرة مستمر، فالكِتاب في كل محتواه لم يعد يبهر الأجيال الجامعية الجديدة عندنا كما في السابق، إلا أن فكرة الانتماء كما تشرحها المفاهيم الحالية تحيلنا إلى تقلصات مهمة لحجمها، بحيث أصبح البعض لا ينتمي إلا لنفسه، وهذا بشكل ما مرادف لفكرة «اللامنتمي».
في التقسيمات الجديدة نجد الأفراد على سبيل المثال منصاعين للتصنيفات التي تضعهم في خانات مختلفة، بدءا بخانة العائلة ومكانتها في المجتمع، إلى خانات الأديان، ونوعية التعليم والاختصاص والمهنة، والصداقات وعلاقات المصاهرة، إلخ. تشكيل هذه المجموعات تأتي بشكل عفوي تماما لكنها تُخرج الإنسان من عقر إنسانيته وتشتت تفكيره لترمي به في دوائر متقاطعة لجماعات عديدة، تتسع حسب معطيات انتماءاته. ولو أننا رسمنا خريطة لوضع شخص من هذا الزمان في دائرة انتماءاته، فسنصدم بعدد الدوائر المتقاطعة والمتداخلة التي ينتمي إليها، وكأن دائرة واحدة لا تكفيه، عشر دوائر لا تكفيه، ومئات الدوائر لا تكفيه، كلها تصنع شبكة علاقاته، ضجيج وصخب عالمه، مكونات العائلة الكبيرة التي ينتمي إليها وبدونها يصبح وحيدا ومنكسرا.
فكرة اللامنتمي فكرة خيالية غير قابلة للتطبيق، أو لنقل فكرة شخصية جدا، تنبع من رغبة خاصة لهواة «اللاّانتماء»، ولعل الكاتب الإنكليزي دانيال ديفو روى بعبقريته الفذة قصة روبنسون كروزو الشهيرة، واصفا فيها عزلة رجل في جزيرة خالية لمدة ثمان وعشرين سنة ظلّ خلالها مثابرا مجتهدا ليجد سبيلا للعودة للعالم الذي ينتمي إليه. لكن الأكثر طرافة اليوم أن يصدر قرار هو الأول من نوعه من موطن ديفو نفسه بتعيين وزيرة للوحدة، بعد أن نهشت الوحدة قلوب الإنكليز وجعلت مئات الآلاف منهم يعيشون في عزلة، وأنّها أكثر شيء محزن في الحياة الحديثة، أما وظيفة الوزارة فستعمل على تعزيز الانتماء لدى هذه الفئات الحزينة وإعادة إدماجهم في مجتمع معظم أفراده شبه متخاصمين، إنه ليس تعزيزا للانتماء للغة أو لوطن أو للأدب مثلا، أو غيرها، بل إنه تطبيق لاستراتيجية ذكية لبناء علاقات إنسانية حقيقية بين أفراد مصت حياة المدينة أرواحهم، وأفرغتهم من الدفء الإنساني. أن ننتمي أو ألاّ ننتمي قرار شخصي في البداية، لكنّه قد يصبح عدوى خطيرة، ومرضا فتّاكا يستلزم وزارة بطاقم كامل لمحاربته إن كان ممكنا ذلك بالفعل.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

منتمون ولا منتمون

بروين حبيب

- -

2 تعليقات

  1. نعم .
    (الإنتماء) عادة يكون (للوطن) على شرط
    يجد الإنسان في وطنه العدالة والحياة
    الكريمة .
    *أما اذا لم يجد الشخص في وطنه
    سوى الظلم والاستبداد والفساد
    سيتحول ويدخل مربع(اللا انتماء)
    وربما يترك بلده ويهاجر بلا رجعة.
    سلام

  2. فيلم الشخص المنعزل في الجزيرة او شخص مثل نيلسون مانديلا يخرج من السجن بعد سبعة وعشرون عام ويمارس حياته الطبيعية .لكن ليس كل انسان يستطيع ان يتحمل العزلة او السجن.مرة على التلفزيون الفرنسي شاهدت قصة شاب من جزر المارتينيك كان يعيش في فرنسا قتل افراد العصابة التي كان ينتمي اليها بعدما خرج من السجن لأن لم يساعدوه بعد خروجه من السجن.القي القبض عليه وسجن اكثر من اربعين عام والسلطات لم تخلي سبيله بعدما تعبت اعصابه و نفسيته و تَدَّخل محامي ونشطاء حقوق الانسان والاجتماع لمساعدته لكي يفرجوا عنه.واثناء المحاولة تحدث مساعد اجتماعي وقال المشكلة عندما تأخذ انسان وتسجنه حوالي نصف قرن في هذه الحالة يفقد الانسان مرجعيته يعني يكون قد فقد كل شيء الاهل الاصدقاء كلهم رحلوا.الحب انتهى وكل شيء قد تبدل وتغير.في النهاية في الصباح الباكر وجدوه قد فارق الحياة.كثير من الناس تعاطفو معه من خلال الصحف والتلفزيون و اصبح مثل البطل تجمعوا و عملوه له قدّاس و صلاة مسيرة حتى الى المقبرة.كانت قصته حزينة و مؤثرة.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left