التَشيُع في مصرَ بعد ثورة 2011 بينَ مرافق قديمة وهيئات حديثة

د. محمد عبدالرحمن عريف

Jan 27, 2018

مسألة التشيُع في مصر، موضوع لم يَنَل حَظّه الكافي من البحث، خاصة بعد الثورة المصرية عام2011 وما استتبع ذلك من تقارب مصري – إيراني ملحوظ، حيث تعالت أصواتٌ تُحذّر من الامتداد الشيعي داخل مصر، مع ظهور تغيّر في مواقف مؤيدي التقارب إثر اكتشافهم أنهُ غير ذيِ جدوى.
ورغم تاريخ الدولة الفاطمية، فقد ظلت مصر متمسكة بمذهب أهل السنة، إلا أن الشيعة استفادوا خلال القرن المنصرم من مجموعة من العوامل ساعدتهم لنشر مذهبهم وأفكارهم، وجذب بعض المواطنين المصريين من الهيئات الرسمية والشعبية. وشهدت الفترة الأخيرة نشاطًا شيعيًا خطيرًا لارتباطه بأطماع سياسية توسعية مغلفة بمظهر ديني، وهو ما أثار جدلا واسعًا بين المصريين بسبب تجدد الحديث عن المسألة المذهبية والعمل على إثارتها بشكل قوي في أجهزة الإعلام.
جاء الأزهر بدار التقريب بين المذاهب الإسلامية التي تأسست سنة 1947 في حي الزمالك في القاهرة، وقد ساهم في تأسيسها عدد من شيوخ الأزهر مثل محمود شلتوت وعبد المجيد سليم ومصطفى عبد الرازق وغيرهم، وعدد من علماء الشيعة مثل محمد تقي القمي، الذي كان أميناً عاماً للدار، وعبد الحسين شرف الدين ومحمد حسن بروجردي. وجاء دور المجالس والهيئات الشيعية، والتي منها المجلس الأعلى لرعاية آل البيت، وترأسه محمد الدريني، وأصدر صحيفة «صوت آل البيت». وجمعية آل البيت التي تأسست سنة 1973، كانت تعتبر مركز الشيعة في مصر، واستند عملها إلى فتوى الشيخ شلتوت، وكان للجمعية مقر في شارع الجلاء في القاهرة، وكانت تتبع الجمعية فروع في أنحاء كثيرة من قرى مصر تسمى حسينيات، كان هدفها نشر الفكر الشيعي، وتنـظيم التعـازي والمناسـبات الشـيعية.
وكان آخر رئيس لها قبل أن تحلّ سنة 1979محمد عزت مهدي، وكان مرجعه في إيران محمد الشيرازي، والمرشد الروحي للجمعية سيد طالب الرفاعي الذي قام بالصلاة على شاه إيران محمد رضا بهلوي في مسجد الرفاعي في القاهرة.
يعود تاريخ ظهور الشيعة المصريين في العصر الحديث لأكثر من قضية مع الحكومة المصرية، وكانت المرة الأولى بعد قيام الثورة الإيرانية سنة 1979، في حكم السادات الذي أخذ منها موقفًا عدائيًا، حيث تم حل جمعية أهل البيت ومصادرة ممتلكاتها، رغم علاقات النسب التي كانت تربط الأسرتين المالكتين في إيران ومصر، فشاه إيران محمد رضا بهلوي كان متزوجاً من إحدى أميرات مصر. كما أن السادات كان مرتبطاً بعلاقة سياسية وشخصية مع شاه إيران، واستقبله في مصر بعد فقدانه لعرش بلاده. وفي ظل هذه الأجواء نشأت بعض الجمعيات والهيئات الشيعية، ومارست نشاطها بدون مضايقات تذكر، مثل جمعية آل البيت التي تأسست سنة1973 أثناء عهد السادات. وأخذت محاولات المد الشيعي في مصر أسلوبًا جديدًا يهدف إلى جذب الشباب واستمالتهم بطريقة غير مباشرة، وتقدم عدد كبير منهم بطلبات لوزارة الأوقاف لإقامة المساجد الشيعية المعروفة باسم «الحسينيات».
وفي عام 1987 رصدت السلطات المصرية ما سموه (تنظيما)، يضم العشرات من المتشيعين، ومحاولاتهم لجذب أسر وعائلات كاملة في وسط الدلتا، وبصفة خاصة محافظة الشرقية. وفي 1988، تم القبض على أربعة عراقيين من المقيمين في مصر واثنين من الكويتيين، وثلاثة طلاب من البحرين، ولبنانيين، وفلسطيني، وباكستاني، وتم إغلاق دار النشر المصرية الشيعية، ووجهت إليها تهمة تمويل من إيران، وكذلك دار النشر الشيعية اللبنانية البلاغة، وخلال هذه الفترة جاء توقف الحرب العراقية الإيرانية سنة 1988، حيث عارضت مصر إيران في تصديرها للثورة، ووقفت مع العراق في حربه مع إيران (1980-1988) وبعد انتهاء الحرب ثم وفاة الخميني، بدأت الأمور تسير نحو الانفراج، وبدأ الضغط الحكومي على المتشيعين يقل.
معرض القاهرة للكتاب، شكلَّ منفذًا شيعيًا مهمًا، إذ تم ويتم من خلاله نشر الكثير من الكتب الشيعية، خاصة تلك التي تحضرها دور النشر اللبنانية. وإن كان لهذا جذور تعود لصدور عدد من الصحف باللغة الفارسية في القاهرة والإسكندرية في أواخر القرن التاسع عشر، بلغ عددها خمس صحف هي (حكمت، ثريا، برورش، جهره نما، كمال) ثم ما لبثت هذه الصحف أن توقفت بسبب مشاكلها الداخلية وقيامها على جهود فردية، وقلة عدد الإيرانيين المقيمين في مصر.
كما كان هناك تعاون وثيق بين مؤسسة الأهرام ومركزها للدراسات السياسية والاستراتيجية، ومعهد الدراسات السياسية والدولية التابع لوزارة الخارجية الإيرانية، إذ أثمر هذا التعاون عن إصدار مركز الأهرام مجلة «مختارات إيرانية» وهي مجلة شهرية صدرت باللغة العربية بدءاً من آب/اغسطس 2000. وعقدت الندوة الأولى في طهران (عام 2000)، وعقدت الندوة الثانية في القاهرة(عام 2001). وجاءت الندوة الثالثة في طهران (عام 2002).
عزمت بعض القيادات الشيعية في مصر في حكم مبارك، رفع دعوى قضائية جديدة ضد وزير الداخلية للمطالبة بإعادة فتح جمعية الشيعة التي أغلقت عقب حركة الضباط عام 1952، وكانت تعرف باسم «جمعية آل البيت»، ومطالبة الدولة بإعطاء تصاريح لبناء مساجد وحسينيات خاصة بالشيعة والسماح لهم بإلقاء محاضرات دينية. وظهر سعي لإنشاء حزب شيعي يطلقون عليه اسم «الغدير» وإعادة إصدار مجلة «رسالة الإسلام» المتخصصة بالمذهب الشيعي. جاء هذا التوسع في مساجد آل البيت على وجه التحديد في أعقاب رفض حمدي زقزوق وزير الأوقاف المطالب التي تقدم بها رموز الشيعة في مصر لإقامة مساجد وحسينيات خاصة بهم في مدينة السادس من أكتوبر، حيث يقيم آلاف من الشيعة العراقيين الذين فروا من بلدهم في أعقاب الغزو الأمريكي 2003.‏‎ اسنادًا لفتوى شلتوت 1959 التي أجازت التعبد بالمذهب الجعفري، وأكد سيد طنطاوي شيخ الأزهر استمرار العمل بها في 1997.
بدأ مشروع تكوين تكتل شيعي ودخلت خمس محافظات في مصر على خريطة التشيع في مركز متقدم منذ بدايات التشيع. وظهر نشاط شيعي في محافظات عدة، وبصرف النظر عن قلة أو ندرة التواجد الشيعي بمصر إلا أننا أمام واقع حول طرق نشر التشيع. وجاء تدشين القنوات الشيعية الصادرة عن استوديوهات داخل مصر كسبيل جديد لنشر المذهب. فيما كان للمشايخ الأزهرين والمفكرين نصيب أيضًا، حيث لجأوا إلى استقطابهم ومن ثم استقطاب أتباعهم، وجاء ذلك عبر نشر كتب وإصدارات لهم فى مصر، وتدشين دور نشر، وروى المتحولون أنفسهم، أن تحولهم جاء عبر قناعة ذهنية وليس إغراءات اقتصادية، وأن سبب التحول قد يكون ثالثًا ومختلفًا عن هذين السببين.
تطورت الأحداث وجاء الربيع العربي، وتَمثَلَ في مصرَ في ثورةِ يناير/كانون الثاني2011، ونظر الجميع إلى وصول الإسلاميين في مصر على أنه بداية صحوة جديدة، تناسى الجميع فيها الصراعات الحزبية، ومن قبلها الصراعات الطائفية والمذهبية، وظهر وسط هذا وذاك من يَدفَع البلاد لفتنةِ مذهبيةِ (سنية شيعية). مستندًا لتاريخ المد الشيعي القديم في مصر، والذي مر عليه ثمانية قرون من الخلافة الفاطمية في مصر.
وسط هذا الجدل أطلق شيعة مصر بعد ثورة يناير/كانون الثاني، حزبًا سياسيًا في شهر أغسطس/آب 2011باسم «الوحدة والحرية»، ووصف وكيل مؤسسي الحزب، راسم النفيس، الحزب بأنه (يمثل المستضعفين في مصر). وكُشف عن وجود أكثر من عشرين جمعية شيعية تم الترخيص لها بالعمل مستغلة عدم اشتراط الموافقة الأمنية لنيل التراخيص بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011. وظهر مشروع لإنشاء صندوق تكافلي لتحسين أحوال الفقراء والمحتاجين من الشيعة المصريين باسم «نجباء مصر»، من خلال جمع تبرعات وأموال الزكاة والخمس، من الشيعة المصريين أنفسهم، دون تلقى أية تمويلات خارجية، عن الجمعيات الشيعية الموجودة فى مصر. على الرغم من وجود أكثر من عشرين جمعية شيعية خيرية مثل «الثقلين، وفاطمة، والزهراء، والعترة المحمدية، وجمعية الإمام جعفر الصادق»، وغيرها، من الجمعيات التى تحمل أسماء شيعية، أو صوفية، فإنها لا تعمل لصالح الشيعة في مصر، ويقوم عليها كل من طاهر الهاشمي، وسالم الصباغ، وعماد قنديل.
وهناك العديد من الدول التي تمول الجمعيات حسب مرجعيتها المذهبية، وهناك وكلاء للعديد من المراجع الشيعية فى مصر. ولا توجد حسابات واضحة لهم عبر البنوك. وظهر صندوق نجباء مصر، من مبادرة لمجموعة من شباب الشيعة في مصر لإنشاء صندوق تكافلي مصري لرعاية البسطاء من الشيعة المصريين، على أن تكون مصادر تمويله في تبرعات زكاة الخمس من الشيعة المصريين فقط.
وجاء الهدف منه تحسين أحوال شيعة مصر، لأن هناك العديد من فقراء الشيعة لا يجدون من يسأل عنهم أو يدعمهم. أراد الشيعة أن يكون وجودهم شرعياً يخضع لمراقبة الدولة، وأجهزتها المعنية، وللجهاز المركزي للمحاسبات، وأن تُتابع حساباتهم في البنوك وأنشطتهم من قبل وزارة التضامن. فهل يتم ذلك في مصر.

كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

التَشيُع في مصرَ بعد ثورة 2011 بينَ مرافق قديمة وهيئات حديثة

د. محمد عبدالرحمن عريف

- -

1 COMMENT

  1. المقال يطرق موضوع مهم يقل تناوله وعرض الكاتب المد الشيعي في مصر بشكل ممتاز ويسعى الشيعة بقوة لنشر التشيع بمصر لهم مداخلهم منها الطرق الصوفية المنتشرة في ربوع مصر لكن تبقي مصر الازهر مصر الدين القوي مالسنى

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left