الزعماء والساسة على شاشة السينما المصرية بين الخوف والهوى

كمال القاضي

Jan 27, 2018

القاهرة ـ «القدس العربي»: تأتي الغالبية العظمى من الأفلام التي تناولت السير السياسية للزعماء والرؤساء وبعض الشخصيات العامة المؤثرة محكومة بأطر وسياسات المرحلة التي قدمت خلالها، فالقليل منها فقط هو الذي تحرر نسبياً من هذه الإشكالية. وربما يكون النموذج الأوضح لهذا التحرر النسبي هو فيلم «أسد الصحراء» للمخرج مصطفى العقاد، الذي جسد حياة المناضل الليبي عمر المختار، إذ لم يكن هناك خلاف على عظمة الشخصية واعتبارها النضالي والسياسي، لذا بقي عمر المختار أيقونة السينما العربية رغم إنتاج عشرات الأفلام التي جاءت بعد ذلك. وقد يكون لتوجه هذه الأفلام أسباب تتعلق بشروط رقابية وتمويلية وميول أيديولوجية، فمن الممكن أن يتم إنجاز فيلم عن شخصية وطنية مهمة في مرحلة ما، ويتأخر عرضه لأسباب لم تكن في حسبان صناعه حين شرعوا في إنجازه.

من مصطفى كامل إلى الملك فاروق

وهناك مثال لحالة من هذا النوع دلل عليها فيلم «مصطفى كامل « للمخرج الراحل أحمد بدرخان، وهو الفيلم الوحيد تقريباً الذي عرض حياة وتاريخ الزعيم مصطفى كامل في مرحلة مبكرة من عمر السينما المصرية، قبل قيام ثورة يوليو/تموز، وظل حبيساً لفترة طويلة إلى أن أفرج عن الفيلم بعد تدخل بعض كبار المسؤولين، وبتأثير حالة الحراك الثوري التي صاحبت المرحلة آنذاك، ولا يزال الفيلم إلى الآن يعرض على استحياء وفي المناسبات الوطنية فقط.
ولو دققنا النظر سيتأكد لنا مدى ارتباط هذه النوعية من الأفلام والأعمال الدرامية الأخرى بسياقات المرحلة التاريخية فقبل 50 عاماً لم يكن مطروحاً على الإطلاق إنتاج فيلم مصري عن الملك فاروق، ومن ثم لم يأت ذكر اسم الملك إلا متضمناً داخل الأحداث، وعلى نحو ما يتفق مع التوجه العام للفيلم، كما حدث في فيلم «رد قلبي» بوصفة العمل الأكبر والأشهر والأوضح من الناحية التاريخية، في حين جاءت أعمال أخرى حديثة بإنتاج ضخم لتعيد النظر في تاريخ الملك فاروق، برؤى منحازة تختلف عن ذلك التناول الهامشي للشخصية. ولم يكن يتأتى هذا التغير في المفاهيم الإبداعية إلا بتغير المرحلة السياسية. وكذلك ظلت شخصية الزعيم جمال عبد الناصر في طور التعتيم الفني طوال فترة حكم الرئيس السادات، فلم يكن مسموحاً بورود اسم ناصر أو ظهور صورته إلا في إطار النقد السلبي، كما حدث في أفلام مثل «ميرامار» و»الكرنك» و»ثرثرة فوق النيل» و»طائر الليل الحزين» و»إحنا بتوع الأتوبيس» وغيرها.

عودة عبد الناصر

بيد أن ذلك كله اختلف في مراحل تالية فرضت خلالها الزعامة الناصرية نفسها بفعل المتناقضات الاجتماعية والسياسية، وحالة التأزم القصوى التي انتابت الجماهير بالتراكم، منذ كامب ديفيد، وصولاً إلى حالة التردي العام والسخط الكامل إبان حكم مبارك، فاستدعت الجماهير ذكرى ناصر وأمجاده الثورية مجدداً، فكان طبيعياً أن تستلهم السينما من هذه الأجواء فيلمي «جمال عبد الناصر» للمخرج أنور قوادري و»ناصر 56» للمخرج محمد فاضل. وتنحو الدراما التلفزيونية النحو نفسه فتخرج مسلسلات أخرى تحمل اسم الشخصية لتتناول السيرة الذاتية وتتوغل في عمق المواقف السياسية والأحداث التاريخية كنوع من التوثيق برؤى متباينة ومتعددة، وهو ما شكل ثراءً فنياً إبداعياً متميزاً كان له أثر بالغ في تعريف الأجيال الجديدة بالمتواري والغامض عليهم في سيرة الرئيس عبد الناصر.

تجربة السادات وكوميديا مبارك

وبالتبعية ووفق التيار السينمائي الذي ساد في فترة التسعينيات جاء فيلم «أيام السادات» للمخرج محمد خان ليصبح امتداداً لما قبله على مستويات كثيرة، تاريخية وفنية واستثمارية، حيث لم يكن للسينما وصناعها هدف واحد، بل تداخلت كل الخطوط فأسفرت عما رأيناه من إنجازات وتجارب كان لكل منها موقعه. ولهذا لم تتردد السينما المصرية ذاتها في تناول شخصية الرئيس الأسبق حسني مبارك في فيلم «طباخ الريس» ولكنها عمدت هذه المرة إلى إعمال الحيلة الذكية في التناول، لتخرج من مطب التقييم الشخصي له ولفترة حكمه، فاحتمت في الكوميديا كسياق يزيل عنها الحرج، فلم يشر السيناريو بشكل صريح إلى مبارك وتركت المسألة للاستدلال على الشخصية من حيثياتها الشكلية والجوهرية. وللتمرير أخذت الشخصية الثانية، شخصية «الطباخ» مساحة واسعة، فظهرت كأنها البطل الرئيسي وهي التي رفعت من أسهم الممثل الثانوي طلعت زكريا، فصار من بعدها نجماً، فيما ظلت شخصية الرئيس المسندة للممثل القدير خالد زكي واجهة وعنوانا. وكان من مقتضيات الهروب أن تركزت الدعاية كلها في الفيلم على دور الطباخ باعتباره المعني والمقصود على عكس الحقيقة بالطبع، ولكنه الخوف والحذر الطبيعيان من التصادم المحتمل إذا لم يرق الدور لصاحبة الأصلي.

في ظل المناخ السياسي

وقياساً على كل التجارب السابقة تبقى عملية تجسيد الشخصيات المهمة بمختلف أدوارها مسألة معضلة تراعى فيها التوازنات ودقة التفاصيل، ولابد من إظهار حسن النية تجاه القامات والرموز، كشرط لإتمام العملية الإبداعية حتى لا يساء الفهم فتضيع الفرصة على السينما والجمهور، ويبقى موقع الشخصية محل النظر والاعتبار شاغراً في أرشيف السينما المصرية وتاريخها.

الزعماء والساسة على شاشة السينما المصرية بين الخوف والهوى

كمال القاضي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left