ايتمار رابينوفيتش في «رابين – جندي، سياسي وزعيم»: اسحق رابين آمن في إمكانية إدارة الصراع لا تسويته

وديع عواودة

Jan 27, 2018

الناصرة ـ «القدس العربي»: «رابين – جندي، سياسي وزعيم» كتاب السيرة الجديدة لرئيس حكومة الاحتلال الراحل اسحق رابين الذي قتله إسرائيلي لتوقيعه اتفاق سلام مع منظمة التحرير الفلسطينية نهاية 1995 ومن وقتها اصيب اتفاق أوسلو في حالة موت سريري. السيرة الجديدة عن رابين كتبها داني رابينوفيتش، وهو أكاديمي ومؤرخ شهير كان قد شغل منصب رئيس الوفد الإسرائيلي للمفاوضات مع سوريا خلال فترة رابين. يقول رابينوفيتش أن القاتل ليس هو من بلور موروث رابين، وذلك في تلميح أن التسوية لم تكن لتتحقق مع الفلسطينيين حتى بدون قتل رابين ومع ذلك فهو يتساءل ماذا كان سيجري لو لم تحدث عملية الاغتيال؟ إلا أن الكتاب يفضي إلى نتيجة مفادها في سياق الإجابة على هذا التساؤل أنه ربما ما كان ليتغير أي شيء لأنه قبل موعد القتل وفي الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر 1995 لم يغير رابين السياسي كثيرا من ما فعله نحو التسوية وانهاء الصراع. رابينوفيتش يشدد في كتابه على احترام ذكرى رابين وتبجيل شخصيته وتاريخه وإغفال سقطاته من وجهة نظر إسرائيلية، بعكس المؤرخ العسكري الأهم في إسرائيل د. أوري ميليشطاين الذي كتب كثيرا عن جبن رابين وهروبه من ساحة الوزغي في معركة باب الواد غربي القدس عام 1948 أمام قوات فلسطينية غير مدربة وقليلة العدد بقيادة المحامي إميل الغوري سكرتير المفتي. كما يغفل الكاتب حقيقة فشل رابين في السياسة، ويحرص على تناوله في صف واحد مع إيغئال يدين وإيهود براك.

اللد والرملة

وبدأ اسم رابين يلمع كضابط في مقتبل العمر عندما كان نائبا لإيغئال ألون، وقاد الرجلان طرد آلاف المواطنين العرب الفلسطينيين من اللد والرملة بأمر من دافيد بن غوريون خلال تموز/يوليو 1948. حول هذا الموضوع هناك روايات مختلفة بينها شهادات من قبل رابين نفسه، وقد اختار رابينوفيتش الرواية التي جرى تسريبها لصحيفة «نيويورك تايمز» وهو يقتبس دون تحفظ تفسير رابين حيث يورد على لسانه، «كان واضحا أننا لا نستطيع إبقاء سكان اللد المسلحين والمعادين في داخلنا، لأن ذلك كان سيشكل خطرا على تزويد وحدة يفتاح، في طريق تقدمها نحو الشرق». ورغم أن هذا الإدعاء يحتاج إلى فحص من قبل المؤرخ الذي يكتفي بالقول إن قضية اللد تحولت إلى إحداثية هامة في الجدل الدائر حول قضية اللاجئين الفلسطينيين، وهو ينهي النقاش حولها بالقول، «إنه بمعزل عن وجهة النظر التي يتم من خلالها فحص القضية في العقد الثاني من القرن الحالي، فإنها ستكون بعيدة عن اعتبارات القيادة السياسية والعسكرية التي وجدت نفسها في تموز/يوليو 1948، حائرة بشأن مصير السكان العرب في اللد والرملة».

جائزة نوبل

استنتاج رابينوفيتش، مستهلك ومتصدع، لأن البعد التاريخي في النقاش حول قضية اللد والرملة ذي صلة بالعقد الثاني من القرن الحالي، خاصة في وقت يدور فيه الحديث عن الطرد والترانسفير، بما يتعلق بالقدس والمثلث بشكل خاص، والكتاب من هذه الناحية إذن أقرب لقصيدة مديح منها إلى سيرة شخصية عسكرية وسياسية بما لها وبما عليها من زاوية النظر الصهيونية. وبالانتقال إلى عملية الاغتيال التي وقعت بعد فترة قصيرة من حصول رابين على جائزة نوبل للسلام على مساهمته في اتفاق أوسلو، وتكريسها لصورته بنظر الكثيرين كـ «رجل سلام» فرغم أن رابينوفيتش لا يعطي تعريفا لنظرة رابين إلى العرب، إلا أنه يحاول فهم موقفه من النزاع العربي الإسرائيلي من خلال التحولات التي طرأت على هذا الموقف بما يتعلق بـمصر، والأردن، وسوريا، ولبنان والفلسطينيين، وهي طريقة ممكنة للوصول لجواب السؤال الأساسي، وهو: هل آمن رابين بالسلام؟
ويرجح الكاتب هو الآخر أنه لم يؤمن بوجود حل للنزاع ولذلك يمكن إدارته فقط.
في كلا الحالتين فإن اعتقاد رابينوفيتش بأن وجود معادلة واحدة لتعامل رابين مع الموضوع هو أمر غير مقنع تماما، لأن رابين بنظره كان «صقرا عسكريا وحمامة سياسية»، وهو كصقر عسكري حلم منذ 1963 في توسيع حدود إسرائيل حتى نهر الأردن وقناة السويس ونهر الليطاني. كما يحاول رابينوفيتش تقزيم الضرر الذي تسبب به الصقر العسكري حتى قبل حرب 1967 عندما كان رئيسا للأركان، من خلال عملية الرد واسعة النطاق في قرية السموع الأردنية عام 1966 والتي عكست خطأ خطيرا في التقدير وفاقمت التوتر الذي أدى في النهاية إلى الحرب. في الفترة ذاتها صعد رابين التوتر مع سوريا عبر التصريحات «الحربجية» الاستفزازية، وكان تقديره أن مصر لن تتدخل في النزاع مع سوريا والأردن والمنظمات الفلسطينية، وربما كانت تلك غلطته الكبرى.

انهيار عصبي

يربط رابينوفيتش دعوات رابين «الحربجية» وقتذاك بمحاولته لاستبعاد رئيس الحكومة، ليفي إشكول، عن مواقع السيطرة في الجيش. في المقابل يعتبر رابينوفيتش انهيار رابين وإصابته بحالة نفسية عشية حرب 1967 دون الإشارة إلى حالة مشابهة حصلت له في 1948 خلال معركة باب الواد المذكورة حالة إنسانية جدا، رغم أنها لا يجب أن تحدث لقائد أركان، وهو يصفه بتواضع كمهندس انتصار حرب الـ 67. رابين رفض بعد الحرب التنازل عن الأراضي المحتلة لأجل تحقيق السلام، وفي هذا السياق يرى رابينوفيتش أن الصقر العسكري تغلب على الحمامة السياسية، حيث منع في كل مرة أي تغيير في حدود إسرائيل بعد الحرب، كذلك رفض الانسحاب من القدس من منطلقات «قومية» و»سياسية»، كما يزعم رابينوفيتش، لكن هذه محاولة لإخفاء حقيقة كونه غير مؤمن بالتسوية منذ البدايات.

المفاوضات مع سوريا

رابينوفيتش بتوسع، رئيس الوفد الإسرائيلي للمفاوضات مع سوريا، والتي بدأت مع مطلع عام 1993، يتعرض للرسالة التي نقلها وزير الخارجية الأمريكية للرئيس السوري حافظ الأسد، حول استعداد إسرائيل للانسحاب الكامل من الجولان، وانهيار المفاوضات بسبب الخلاف على السيطرة على شاطئ بحيرة طبريا من الجهة الشمالية الشرقية. الكتاب يتعرض لعلاقة رابين بالولايات المتحدة خلال إشغاله منصب سفير إسرائيل في واشنطن، وعلاقته المركبة بوزير الخارجية آنذاك، هنري كيسنجر، ويشير إلى أنه وعلى غرار نتنياهو وبراك، كان معجبا بـ»الأمركة»، فقد عاش والده في أمريكا قبل أن يهاجر إلى إسرائيل. ويؤخذ على رابينوفيتش أنه لم يحاول تفكيك أسباب وجذور الخلاف التاريخي بين رابين وبين شيمون بيريز زميله وخصمه الدائم في قيادة حزب «العمل» لصالح امتداح رابين كزعيم، خلال تعرضه للموضوع في كتابه. ويتجاهل رابينوفيتش حقيقة أن كراهية رابين لبيريز قد شكلت في كثير من الأحيان اعتبارا مركزيا، وأحيانا وحيدا، في عملية اتخاذ القرار لديه، وهي جذور تعود ربما إلى تطوير بيريز للبرنامج النووي الإسرائيلي ومعارضة رابين له في البداية، ورغم تغيير رابين لموقفه لاحقا إلا أنه لم يغفر له على ما يبدو لأنه سبقه نحو حيازة إسرائيل السلاح النووي.

التحريض الإسرائيلي

لم يمنع رابين من بيريز المضي في محادثات «أوسلو»، لكنه قتل قبل أن يتطلب الأمر مواصلة العملية، ويجيد رابينوفيتش بوصف أجواء التحريض التي سبقت الاغتيال وإشارته إلى التحذيرات المتعددة له، من قبل صحافيين ومن قبل رئيس «الشاباك»، وإلى رفض رابين ارتداء درع واق، أو استخدام سيارة مصفحة وإلى مواصلته التجول بحرية بين الجمهور والاستهتار بقواعد الحذر وهي صفة ميزت أعضاء «البلماح» القوة الضاربة لمنظمة «الهغاناه».
رابينوفيتش، الذي يحاول على امتداد مساحة الكتاب، عدم الوقوع في سحر «فتى الملصق الصهيوني» والأسطورة العظيمة، التي بنيت بعد موته حول الميراث المنسوب له، لا يصمد وينهي بقوله، إن إسرائيل التي تواجه اليوم القضايا الأساسية نفسها، هي أحوج ما تكون إلى زعيم مثل رابين، وهو قول مختلف عليه في أوساط الباحثين والسياسيين في إسرائيل حتى اليوم.

ايتمار رابينوفيتش:
«رابين ـ جندي، سياسي وزعيم»
كنيرت، زموراه، بيتان، دفير، تل أبيب 2017
304 صفحة.

 

ايتمار رابينوفيتش في «رابين – جندي، سياسي وزعيم»: اسحق رابين آمن في إمكانية إدارة الصراع لا تسويته

وديع عواودة

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left