غناء الإنس والجن: براعة روبرت شومان في التأليف للجوقة دون مرافقة الآلات

بشّار عبد الواحد لؤلؤة

Jan 27, 2018

كتب جبران خليل جبران (1883-1931) في «النبيّ» (1923): «لقد أنّبتني روحي وجعلتني أتعلم الاستماع إلى أصوات أتت لا من ألسنة ولا من حناجر. وقبل أن تؤنّبني روحي، كان قد خفّ سمعي، إذ لم أعد أسمع سوى الصخب والضجيج. أما الآن فكلّي آذان تصغي إلى الصمت وجوقاته التي تغني ترانيم الزمان وترتّل بحمد السماء وتكشف أسرار الخفاء».
أما الفكاهي الأمريكي فرَد آلَن (1894-1956) فقد اشتهر عنه قوله: «حينما غنّيتُ في جوقة الغناء الكنسية أول مرة، خرج مئتا شخص عن دينهم».
هذان المقتطفان يجسدان البون الشاسع بين عالمي موسيقى جوقة الغناء: فهناك الموسيقى المغرقة في الدين والروحانيات السديمية والأمثلة العليا في الحياة، وثمة تلك التي لا تطرب إلا لشؤون الدنيا اليومية. ويندر أن تجتمع الاثنتان مناصفة في شخص مؤلف واحد، إذ نجد أن المؤلفين يميلون إما إلى هذا اللون الموسيقي أو ذاك.
ولنقل إن مؤلفنا يميل إلى ممازحة الجمهور وتسليته، فماذا يمكننا أن نتوقع أن يكون عليه أسلوبه في التأليف؟ هل سيشترط توفّر جوقة غناء ضخمة ذات مئة مغنٍّ بالإضافة إلى عدة مغنين منفردين وجوقة عزف هائلة ذات عدد مماثل، كما هو الحال في السمفونية التاسعة لبيتهوفن، بغية إطلاق حفنة من النكات الموسيقية؟ قطعاً لا، فمن شأن الأعداد الكبيرة أن تقف سدّاً منيعاً يحول بين المؤلف وبين مبتغاه، لذا تجده يحدد نفسه بجوقة غناء صغيرة من عشرين مغنيا أو أقل قد ترافقها جوقة عزف أصغر منها، أو آلة البيانو أو الهارب وحسب، أو دون مرافقة من أية آلة كانت، وعندئذ يجب أن يكون أعضاء جوقة الغناء على درجة عالية من الجودة، إذ لا مجال لتلقّف النوتة من أحد! وهذا الاقتصاد المتعمّد يحمل الجمهور على التركيز على النصّ المغنّى وعلى تشديد المؤلف على مقاطع كلمات معينة على حساب غيرها، مثلاً، وعلى تناسق الأصوات عند الرضا أو تنافرها بغية مجاراة التهكّم الوارد في النص، أو حتى التهكّم على النص ذاته، إذ لطالما كانت الكلمة الأولى للشاعر، أمّا الأخيرة فهي دون أدنى شك في يد المؤلف.

لقد اتّخذ المؤلف الألماني روبرت شومان (1810-1856) من خمس قصائد للشاعر الإسكتلندي روبرت بَيرنز (1759-1796) نصّاً له، لكن الترجمة الألمانية لمعاصره فِلهَلم جَيرهارد (1780-1858) لم ترُق له كلياً، فحذف منها وحوّر فيها عبارات وأشطراً عدة، ما جعل النص المغنى أخفّ ظلاً حتى من القصيدة الأصلية:

خطاب إلى وجع السنّ

كاد نصلك السّام
يمزّق فكّيّ إرباً!
طعنتك القاتلة تئزّ
في أذني دون هوادة!
أنتَ عذاب أعصابي وعبؤها الثقيل-
اللعنة عليك!

يفتتح بيرنز قصيدته ذات المقاطع الستة باستمطار اللعنات على وجع السن، لكن جيرهارد يؤجل ذلك ويجعل منه قفلة موفقة للمقطع الشعري نالت استحسان شومان فأبقاها كما هي. ولحّن شومان الكلمات وفق وزنها الطبيعي في الألمانية وفي نبض سريع صاخب يموج بالغضب هبوطاً ثم صعوداً على سلم النوتات، وتتوحد جوقة الغناء من نساء ورجال في إيقاعاته المقتضبة. ولم يغفل مؤلفنا لا تكرار كلمات «فكّيّ/ طعنتك القاتلة/ دون هوادة/ اللعنة عليك» لإبراز جو اليأس في القصيدة، ولا تقسيم كلمة «يمزّق» على ثلاث نوتات متباعدة، إمعاناً في تصوير التمزيق.

حين تحرقني الحمّى ثم تجمّدني
وتلتهب مفاصلي ويعصرني المغص،
يواسيني في محنتي
تأوّه الجار المتعاطف.
أمّا أنتَ فتزيد على ألم جهنم
السخرية من تنهّدي.

في هذا المقطع الشعري الثاني يزيل شومان عبارة «ويعصرني المغص» ويستعيض عنها بعبارة «هنا وهناك» دون الإخلال بالوزن في الألمانية، ونجده يلحّن الأشطر الأربعة الأولى بانسيابية سلسة هادئة تصعد سلم النوتات رويداً رويداً وتخالف الاقتضاب الماثل في المقطع الأول. وتشدد هذه السلاسة على فكرة التعاطف والمواساة واستجدائهما. لكن شومان يستعيد أسلوبه في الإيقاع المقتضب من المقطع الأول في الشطرين الأخيرين، فيمدّ لفظة «أنتَ» حين يعود إلى مخاطبة وجع السن وهو يستشيط غضباً من جديد، ثم يكرر الشطر الأخير جاعلاً منه قفلة للمقطع.
ويعود شومان فيعيد الكرّة في المقطعين الشعريين التاليين فيصقلهما كي يكونا متناظرين مع المقطعين الأولَين على نسق أ-ب-أ-ب. كما يحوّر عبارة «يتقاطر لعابي على لحيتي» – التي أوردها جيرهارد في مستهل المقطع الشعري الثالث كذا: «يتقاطر لعابي على ذقني» – فيجعلها «يتقاطر برد الثلج على ذقني». بَيد أن شومان، حين بلغ المقطع الشعري الخامس، وجده يموء بالمبالغات – إذ يعلن بيرنز أن وجع السن أشرس عذابات جهنم! – فتخطّاه شومان كلياً وتوجه إلى المقطع الأخير حيث يختتم الشاعر القصيدة وهو يخاطب سيد العالم السفلي:

أعطِ كل مَن يكره إسكتلنده
وجع سن لسنة كاملة!

وحتى في الشطر الأخير حوّر شومان في النص فصار: «وجعك لسنة كاملة!» مكتفياً بالإشارات المتعددة حتى ذلك الحين لموقع الوجع.
وقد يعجب المرء من زج موطن الشاعر في قصيدة كهذه، لكن بيرنز اشتهر بحبه الشديد لإسكتلنده وكان يتفاخر بقدرته في ذكرها في كل قصائده مهما تكن مواضيعها.

وتستغرق هذه القطعة دقيقتين من الأداء لكنها تبدو للمستمع وكأنها أقصر من ذلك بكثير لسرعة إيقاعها ولغزارة الصور التي رسمتها نوتات شومان.

يا ليتني طيراً صغيراً

لو كنتُ طيراً
وكان لديّ جناحان،
لطرتُ إليك.
وما دام ذلك من المحال،
هأنذا باقٍ هنا.

لئن كنتُ بعيداً عنك،
ظللتُ في الحلم معك
وتحدثتُ إليك.
وحين أصحو،
أجدني وحيداً.

لا تمضي ساعة من الليل
إلاّ ويصحو فيها قلبي
فيتذكر
أنك أهديتني قلبك
آلاف آلاف المرات.

في هذه القصيدة الوديعة لجَيَورج كرِستِيان دِيفِنباخ (1822-1901) وجد شومان ضالته فلحّنها لجوقة غناء من النساء فقط.
الجدير بالذكر عند التأمل في هذه القصيدة أن الضمير في الألمانية لا يكشف عن جنس المتحدث، إذ يجوز الوجهان، فتكون الترجمة البديلة، مثلاً، «هأنذا باقية هنا»، و»لئن كنتُ بعيدة عنك» وهكذا. لكن شومان حدد أن تقوم جوقة غناء نسوية بأداء القطعة، وللقارئ أن يستنتج من ذلك ما يشاء.
تميل هذه القطعة إلى البطء وقد اختار لها شومان لحناً غاية في البساطة والمباشرة، يصعد نوتات السلم بتصاعد التوق في كلمات كل شطر، لكنه لا يلبث حتى يتساقط، وحين يصل إلى الشطر الرابع من كل مقطع، يكرر الشطر على درجة أعلى وبصوت أقوى، ثم يعود فيتهاوى في الشطر الأخير من كل مقطع. ويبرز شومان ذروة العمل بإبطاء الغناء قبيل بلوغ كلمة «وحيداً» ثم المكوث عندها وإيقاف القطعة من بعدها لوهلة. ويستغرق أداء هذه القطعة أقل من دقيقتين، لكن السحر الذي يضمّنه إياها شومان تحمل المستمع على الظن بأن الوقت قد توقف تماماً.
لقد كتب شومان أربع سمفونيات وكونجيرتوات للبيانو وللجلو وللكمان بمرافقة الأوركسترا وعدة قطع لجوقة الغناء المختلطة بمرافقة الأوركسترا وعدداً كبيراً من القطع للبيانو المنفرد – وهي آلته الأصلية – ولموسيقى الصالة، بَيد أنه لم يصل في كل هذه القطع إلى العذوبة التي بلغها في قطعه للغناء المنفرد بمرافقة البيانو وفي قطعه لجوقة الغناء التي لا ترافقها الآلات. وقد حاول آخرون أن يجاروه في إنجازه هذا، وها هم ما يزالون يحاولون… بعد قرنين من الزمان.

غناء الإنس والجن: براعة روبرت شومان في التأليف للجوقة دون مرافقة الآلات

بشّار عبد الواحد لؤلؤة

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left