مزجت بين البوح الشفيف والأنا الغنائية: الشاعرة المغربية مليكة العاصمي

محمد بودويك

Jan 27, 2018

لم أعد أذكر من أطلق على مليكة العاصمي اسم إلزا المراكشية، في أوج شبابها، وشُبوبها، واشتعالها الشعري من سبعينيات القرن المنصرم. لعله الشاعر الفلسطيني الراحل معين بسيسو، ولعله الشاعر العراقي الراحل عبد الوهاب البياتي.
وفي كل حال فإن مليكة العاصمي التي لم يكن لها أم شعرية، سَلَفٌ شعري أنثى، ما لم نعد إلى الوراء، لنصل رَحِمَها بِرَحِم جدَّاتها الملكات، والأميرات الأندلسيات والمغربيات اللواتي قلن شعرا، وأفصحن عن خلجاتهن وعواطفهن، وبُحْن باعتمالات الذات وجيشانها وهي تحترق بين الواجب والرغبة، والخلس في أُوَيْقات الغلس.
ولنا أنْ نُكْبِر هذا الانبثاق، هذا الخروج الرهيف لفتاة بدأت منها، شقت طريقا وَعْراً وَلاَحِباً اعتمادا على نفسها، وقدراتها الذاتية والمتحصلة، وعلى محيطها القريب الحميم الذي استمدت منه العنفوان والجسارة، والطاقة، والمجابهة. وعلى تشكيل ثقافتها، وبناء شخصها، وإطلاق صوتها وسط صوت الرجال، حاملي الصولجان البطريركي، بل وتعلو على بعضهم في المضمار عينه حيث الفانتازيا والبارود، وَلَفُّ «الرَّزَّة»، وإحكام العمامة كرمز مضحك لفحولة بائسة.
ومع أن مليكة سليلة بيت علم وتصوف ووطنية، فلم يكن في طوق ومنطق المرحلة التاريخية، والشروط «الموضوعية»، ولا في قابليتها وَمُتَّسعها، إن كان لها مُتَّسَع، أن تصيخ السمع للمرأة، ولاسيما إذا تعلق الأمر بالبوح الوجداني، واتخاذ اللغة مطية للكشف عن دفائن النفس والقلب والواقع السياسي الذي لم يكن يحتمل النقد والفضح والإدانة. لكنها فعلت ذلك، وأتت القصيدة من باب مؤسسيها الذين هالَهُمْ ما هي فيه (أيْ القصيدة) من تحجر وفقهية، ونظم متخشب مكرور، ونمطية بالية شائهة، تواطأ عليها نظَّامون مُصَفِّفون، يعاودون إحياء المُسْتَتَبِّ، ويؤبدون السالف الذي رضع من ثدي بعض الأحقاب الضامرة، والأعصر المتثائبة.
استحقت مليكة العاصمي تسمية الشاعرة ولم يكن الأمر مجانية ولا مجاملة ولا ترضية ولا جَبْراً بخاطر امرأة تخاطر بنفسها في يَمٍّ منبسط منساب، ومضطرب هائج، يكاد أن يكون مقتصرا على سباحة «الرجال»، وغوص «الفحول». وما هَمَّ إنْ كان الرجال يحسنون العوم في البحر اللّجي أو الهاديء، إن كانوا يقلدون الفراشة أو الضفدعة، أو يعطون ظهورهم للماء، أو يغطسون ثم يشهقون وهم يتنفسون سريعا حَذَرَ الاختناق والموت، أو يقفون على الرمل فقط، أرجلهم قصيرة، وبطونهم منتفخة مُدَلاَّة كالقِرَبِ المعلقة، ورؤوسهم بين أكتافهم تَتَدَحَدَل وتتمرجح.
في «سوق المربد» الشعري الشهير، تسمت مليكة بـ»إلزا» إسوة بمعشوقة وزوجة الشاعر الفرنسي لويس أراغون، «إلزا تريولي» الروسية العظيمة والملهمة. ولم يكن احتضان نصها الشعري «كتابات خارج أسوار العالم»، في مجلة الآداب البيروتية – وما أدراك ما مجلة الآداب البيروتية في تلك الأيام ـ إلا جواز سفر شعري عربي مختوم، أيام كانت جوازات السفر الشعري، والمرور في «التَّرَنْزيتْ» الشعري نادرة، بل وتَعْتاصُ حيازتها، ويعسر الإذن بها للغلام للخفيف الذي عناه امرؤ القيس في معلقته:
يزل الغلام الخف عن صهواته ويلوي بأثواب العنيف المثقل

ما لم يكن المرء (رجلا أو امرأة)، ذا عتاد فعلي، وملف شعري يشهد له/ لها بالنضوج والإشراق، وما يشبه «الاكتمال» الشعري، أو «البناية الشعرية»، ذات العتبات والأبواب والنوافذ، والغرف، والأعماق المضيئة والمعتمة. أي ذات حضور شعري معتبر ومنتظر، شَرْعَنَهُ النقد المواكب الجديد الذي طفق يُبَصِّرُ بالجديد، بالتفعيلي، بالأسطوري فيه، وبتحقيق واجتراح ما بات يصِمُه بـ «الثورة» الشعرية. ومن ثمة، وبناء على النُّتَف إياها، أصبح للمغرب شاعرته، إلى جَنْبِ شعرائه المعدودين المؤسسين، البناة، الماهدين جماليا ولغويا وفنيا لشعرية سَتُكْسَى ريشا ناعما براقا وملونا هو بعض ريش الشوام والمصريين، ولكن عليها كد وجهد واجتهاد في محاولة حثيثة، وسعي لاَ يَعْيا، لافتكاك نفسه، وتحريرها من الوطأة المشرقية الجبارة، وللتحرر من أسر التقليد والصدى والرَّجْع الشعري.
لم تكن مليكة رومانسية كما يتوقع. الأحرى أنها مزجت بين البوح الشفيف والواقع النزيف، بين الأنا الغنائية بمعناها الشعري الواسع، لا التطريبي حَسْبُ، وبين الإنسان المُعَنَّى. بين قول حرائق ما تبتغيه، وقول حرائق ومواجع الأنثى في مجتمع مقهور بالتضعيف: مجتمع يئن تحت ظلم بنيه الأُلَى بأيديهم القرار النافذ، أصحاب الحل والعقد. ومجتمع يسلط أعتى أدوات الكبح والتحقير، والتشهير بالمرأة، بوصفها «عورة»، وبوصفها «ناقصة عقل ودين» فيما زعموا وداولوا وتعاوروا في الكتب الصفراء، والأسمار الكسلى الخاملة ـ كاذبين ـ حديثا نسبوه إلى النبي الأكرم.
في هذه الثَّنيَّة العميقة، المُكَمّمة، المرتوقة، والمفتوقة، يقع شعر مليكة العاصمي، أي أنه شعر غرف ويغرف من موج الواقع العاتي، وصحراء قوانينه ومؤسساته، ومن أعماق أناها، وسويداء قلبها، ودفين رؤيتها ورؤياها للذات وللعالم وللإنسان، وهذا ما يسلكها في نظيمة التشييد، والإضافة، والريادة.
ويؤسفني أن أقول بأن مليكة العاصمي، ظلمت، وهي الشاعرة المُجيدة، والباحثة العميقة، والأستاذة الجامعية المرموقة، والفاعلة السياسية والحقوقية النشيطة، من حيث القفز على اسمها عند ذِكْرِ الشعر المغربي الحديث والمعاصر، وآنَ ذِكْرِ رواده التاريخيين والفنيين، وحين ذِكْرِ السبعينيين، وما أتوه وقاموا به من أجل كتابة قصيدة مغربية ملامحَ وسماتٍ، وطعما ورائحة، ونكهة.
قصيدة لا خضراء الدِّمَنِ، بل جميلة، جليلة، ساطعة الحضور، فوارة موارة بالتاريخ، وبخصائص الثقافة، والتنوع الإثني، والتعدد اللغوي، والبعد الأنثروبولوجي، بما يجعلنا نقول مطمئنين: إن القصيدة المغربية التي كتبتها مليكة، وأضراب مليكة من مجايليها الشعراء، تقوم شاهدا على انخراطها في سؤال الشعر، في لغته العليا، وجمالياته، وفي ما به يَتَقَوَّمُ كل شعر، ويوصَمُ بذلك.

وثيقةٌ لمْ تُوَقَّعْ بعد
مليكة العاصمي
مقاطع
لو أنني طبعت لاستحال في فمي الصبَّار
كالعبق
لردَّد النهار لي أغنية سعيدة
لكنت قد شدَدْتُ ألف نجمة مضيئة
رتعت في مشارف الحديقة
لأشرب الهواء والضياء
لكنت بدَّدت دمي وراء خطوتك
هويت أو تشعبتْ بي الدروبُ
في زواياك وفي أنحاء غرفتك
لكنت متُّ
متُّ أو حييت
لأنني أموت كل لحظة في غيبتك
لكنت قد حملت للنهار
أصداء رحلتي المشتتة
في الكوكب المنهار
لكنت حوّلتُ الحياة في عيَنيْ
شرانقاً من الحرير.
مطرٌ فوق الأطلس
عبد الوهاب البياتي

إلى مليكة
ساحرةٌ في الدار البيضاء،
وفي الأندلس المفقود، افْتَضَّتْ خَتْمَ الشعر،
وقالت للطِّلَسْم العسليِّ بعينيها:
أنت مريدي
فاخترني من بين ملكات الأطلس، ملهمةً.
أمي كانت كاهنةً
تبحث عن يُنبوع الحب الضائعِ
في الملكوتِ،
وأنا كنت أتابع رحلتها في الغيهب.
قال الملك الإشبيليُّ لها يوما:
هل وُلِدَتْ
من كنتُ أُقَبِّلُ عينيها وضفائرها
وأنا في منفاي أموتُ.
كنت أراها نجما يتألق
رغم عمايَ
أراها في أَغْماتَ
تشير لقبريَ المجهولِ.

مزجت بين البوح الشفيف والأنا الغنائية: الشاعرة المغربية مليكة العاصمي

محمد بودويك

- -

2 تعليقات

  1. الاستاذة والشاعرة الكبيرة مليكة العاصمي اسم على مسمى. ملكة الحرف وسيدة الكلمة. قامة نعتز بها ونموذج نشرف للمراة المغربية والعربية.

  2. شكرا لكاتب هذا المقال الذي يساهم في تعريف الشباب بادباء و مفكري بلده اولا. لكن، أود التذكير بنقطة مهمة: والدة مليكة العاصمي ، كنزة السني السليطين، تعد من بين موسوعات الأدب الشعبي المراكشي، أديبة و شاعرة كعدد من الاديبات اللواتي لم توفيهن وزارة الثقافة حقهن كذاكرات حية و كمبدعات بليغات الأسلوب. ثم ان عم مليكة العاصمي هو الوطني القح و الشاعر عبد القادر حسن العاصمي. بالإضافة إلى كون الوسط العاءلي لشاعرة الحمراء، جله، شغوف بالآداب و بالثرات المراكشي ذي الاصول المتوسطية المتلاقحة بتميز خاص، مند شيدت مدينة ابن تاشفين و زينب النفزاوية. و من بين النساء اللواتي نهلن من نفس الينابيع و ساهمن، بعد تالق نجم مليكة العاصمي، اذكر على سبيل المثال: الاديبتين: لطيفة العاصمي و جميلة العاصمي. انتاجات و ابداعات شاعرة مدينة النخيل، قبلة و ملتقى و موطن علماء و أدباء، لها جدور عميقة و أغصان ترفرف كاجنحة في سماء الآداب.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left