الضحايا 186 شخصا خلال سنة 2017 الاختطاف ظاهرة متفشية تؤرق الليبيين

روعة قاسم

Jan 27, 2018

تونس ـ «القدس العربي»: عرفت ليبيا في السنوات الأخيرة بروز ظواهر سيئة عديدة لفتت إليها الإنتباه، أساءت إلى صورة الشعب الليبي المسالم والمحافظ، الذي كان، وإلى وقت غير بعيد، يحتضن أعراقا عديدة على أرضه عاشت بسلام طيلة عقود ولم تتعرض إلى الأذى. ومن بين هذه الظواهر، حوادث الإختطاف التي انتشرت كالنار في الهشيم وطالت كبار السن واليافعين على حد سواء، ولم تميز بين ذكر أو أنثى، ولا بين مسؤول سياسي كبير أو «عبد فقير».
وتبقى الحادثة الأشهر هي تلك المتعلقة بالصحافيين التونسيين سفيان الشورابي ونذير القطاري اللذين انقطع خبرهما وتعددت الروايات والتأويلات بشأن مصيرهما. فقد توجها إلى القطر الليبي لإجراء تحقيق صحافي إستقصائي عن الأوضاع في بلد عمر المختار فوقعا في الأسر وفي قبضة أطراف عديدة ما جعل عملية اقتفاء أثرهما مغامرة شديدة التعقيد وغير محمودة العواقب.
لكن ما يؤكد عليه جل العارفين بطبيعة الشعب الليبي وبتركيبته القبلية وروابطه الأسرية المتينة، على أن هذه الشرذمة من المرتزقة وزعماء الميليشيات المتورطين بعمليات الإختطاف، لا يمثلون الشعب الليبي ولا علاقة لهم بقيمه الأخلاقية والدينية. ولعل فضح المنظمات الحقوقية والإعلام الليبي لهذه الممارسات دليل على أن هناك رغبة شعبية حقيقية في القضاء على هذه الظاهرة السيئة التي لا تمت بصلة لأخلاق الشعب الليبي.

أسباب عديدة

وفي هذا الإطار تعتبر المحامية الحقوقية الليبية فاطمة أبو النيران رئيسة التجمع العالمي من أجل ليبيا موحدة وديمقراطية في حديثها لـ»القدس العربي» وفي إجابتها على سؤال متى وكيف ظهرت جرائم الاختطاف في ليبيا؟ وما هي دوافعها؟ أن ظهور جرائم الاختطاف في ليبيا كان منذ اندلاع الأزمة في 2011. فظهر الاختطاف الجماعي والفردي على حد سواء ومن ذلك جريمة اختطاف عشرات الأطفال من دار الأيتام في مدينة مصراتة في اذار/مارس 2011. أطفال وردت عنهم بعض المعلومات التي مفادها انهم اخذوا عبر البحر إلى تركيا وحتي اليوم لم يعرف أي شيء عن مصيرهم ولا يوجد حتى من يطرح قضيتهم أو من يثيرها، لا أطراف محلية ولا دولية. وتؤكد الناشطة الحقوقية الليبية على أن جرائم الخطف التي ترتكب بحق النساء والرجال في ليبيا توالت بشكل لافت، وكثيرات وكثيرون يجهل مصيرهم حتى الآن، والعشرات وجدوا مقتولين، والمئات بل الآلاف تزدحم بهم المعتقلات العالمية والسرية المسيطرة عليها الميليشيات المسلحة في ليبيا، ودوافع الاختطاف عديدة، حسب فاطمة أبو النيران، منها ما هو بدافع الرأي السياسي وكذلك هناك الخطف من أجل الهوية بالإضافة إلى دوافع أخرى.
وتضيف محدثتنا قائلة «ثم شهدت ليبيا انتشارا لجرائم اختطاف من نوع آخر يختلف من حيث الدوافع وشخوص المقتولين، حيث صار الخطف يرتكب ضد شخصيات مسؤولة أو عناصر في السلطة ان صح التعبير، مثلما حصل مع المدعو علي زيدان والذي كان رئيسا للحكومة آنذاك. وكذلك خطف المدعو نوري أبو سهمين من قبل أمراء ميليشيات معروفين. فالمختطفون يصنفون في هذه الحالات في خانة المسؤولين ويتم تصويرهم وتسجل لهم مشاهد مشينة أحيانا ويتم إبتزازهم لدفع أموال أو اصدار قرارات وهذا ليس بخاف على أحد.
كما عرفت ليبيا ظاهرة خطف بعض المعتقلين من الخاطف أو المعتقل الأصلي، واستخدامهم كأوراق ضغط أو وسائل لتحقيق مكاسب أو جني أموال، مثلما حصل في حالة اختطاف المعتقلة عنود السنوسي من قبل المدعو هيثم التاجوري والذي قبض الملايين مقابل تسليمه للمخطوفة. وأيضا هناك جرائم خطف ترتكب ضد الأجانب سواء من أعضاء البعثات الدبلوماسية أو عناصر الشركات كما حصل في جنوب ليبيا قبل أسابيع عند اختطاف خبراء ومهندسين من مكان عملهم لأحد الحقول النفطية. وهناك أيضا خطف الإعلاميين كما هو الحال مع اختطاف الإعلاميين التونسيين منذ فترة طويلة. ولعل المقصود من هذا النوع من جرائم الخطف هو الضغط على بعض الدول أو لإخفاء حقائق الأحداث الجارية في ليبيا والتعتيم عليها في حال استهداف الإعلاميين مثلا».
وتعتبر الحقوقية الليبية أن انتشار هذه الممارسات بشكل لافت جعل جرائم الاختطاف ظاهرة تسود أغلب مدن ليبيا خاصة المدن والمناطق التي تخضع لسيطرة الميليشيات المسلحة. فصار الخطف للابتزاز وطلب الفدية يمارس، حسب أبو النيران، ضد الليبيين وغير الليبيين وطال عائلات رجال الأعمال والتجار وموظفي المصارف والإدارات، بل طال حتى الأطفال والمسافرين للعلاج وأيضا الأجانب العابرين من عناصر الهجرة غير الشرعية حيث يتم الاتصال بأهلهم وذويهم وإرسال صور ومشاهد لهم وهم يعذبون ليجبروا الأهالي على دفع المال. وكثيرون هم الذين تم قتلهم، حسب محدثتنا، عند عجز ذويهم عن دفع ما طلب منهم.
وفي جوابها عن سؤال يتعلق بالأسباب التي أدت إلى انتشار هذه الآفة في ليبيا، تعتبر فاطمة أبو النيران أن من أسباب انتشار هذا السلوك الاجرامي والذي أصبح ظاهرة تهدد كل من يقطن ليبيا من ليبيين أو أجانب هو الانفلات الأمني وانتشار السلاح وغياب القانون وانهيار المؤسسات الأمنية في ظل سيطرة الميليشيات، وكذلك الانهيار الاقتصادي الذي تشهده البلاد والتدني في المستوى المعيشي للمجتمع الليبي، هذا إلى جانب استمرار الصراع المسلح الذين ينتج مزيداً من الدمار والنزوح والتهجير وبالتالي تتضاعف الدوافع وتكثر أسباب ظاهرة الاختطاف في ليبيا. وتضيف جوابا عن سؤال بشأن الأطراف المسؤولة عن انتشار جرائم الإختطاف في ليبيا، بالقول: «المسؤول الأول عن انتشار هذا النوع من جرائم الاختطاف هو من تدخل عسكرياً وسياسياً منذ2011 في ليبيا وأوصل البلاد إلى ما وصلت إليه من انهيار أمني واقتصادي وضياع سياسي، ثم تأتي في المرتبة الثانية كل الحكومات والأجسام السياسية المسلطة والمتمكنة والممكنة من مواقع النفوذ والقوة والمسؤولة عن اتخاذ القرار في ليبيا طيلة سنوات الأزمة التي تمر بها البلاد. ولا حل يلوح في الأفق للقضاء على هذه الظاهرة الإجرامية إلا بالعودة لمعالجة المشكلة بإزالة الأسباب الذي نجمت عنها، وبإيجاد حلول جذرية تؤدي لاستقرار البلاد وبناء الدولة بكل مؤسساتها وفي مقدمتها المؤسسة الأمنية وتفعيل العدالة والقضاء وإنقاذ البلاد من الانهيار الاقتصادي الذي يداهمها.

أرقام مفزعة

ويعتبر عبد المنعم الحر الأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان فرع ليبيا في حديثه لـ»القدس العربي» أن الإحصائيات المتعلقة بضحايا الاختطاف والاعتقال القسري في عموم البلاد تشير إلى اعتقال 143 شخصا تعسفيا، واختطاف 186 شخصا خلال سنة 2017. وأبرز حالات الاختطاف والاعتقال القسري وقعت، حسب الحر، في مدن طرابلس وسبها وبنغازي ودرنة وورشفانة وسرت وجدابيا وراس لأنوف والخمس والعجيلات والكفرة وتاجوراء وقصر بن غشير وترهونة والزاوية،‎ وتشكل ثقافة الإفلات من العقاب السائدة في البلاد، حسب الناشط الحقوقي الليبي، عاملا رئيسيا في تفشي جرائم الميليشيات ضد المدنيين. ‎ويؤكد على أن نزع سلاح الميليشيات وضمان سلطة الدولة وسيادة القانون هو الركن الأساسي في شرعية حكومة التوافق الليبية، وأنه لا يجوز أن تسمح الحكومة للميليشيات باستثمارها كغطاء سياسي لجرائمهم بحق المدنيين والمحتجزين الذين يبقون بمعزل عن أي ضمانات قانونية للاحتجاز والتعذيب، ‎ويرى أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مطالبة بالعمل على تفعيل قرارات مجلس الأمن المعنية بحماية المدنيين والنهوض بمسؤولياتها في توثيق هذه الجرائم الجسيمة ذات الطابع المنهجي، وضمان أن تكون موضع محاسبة جدية للجناة.
ويضيف الحر قائلا: «المجتمع المدني في ليبيا وخاصة المنظمات الحقوقية قد طال أعضاءها أيضا الإعتقال أو الخطف والقتل، لذلك فهي أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن تعمل من خارج البلاد أو من داخل البلاد مكتفية برصد وتوثيق الحالات والابتعاد عن الميادين والساحات بشكل مباشر. الاختفاء القسري جريمة مدانة لا يمكن ان ترتكبها أو تشارك في ارتكابها مجموعة تؤمن بالديمقراطية والرأي الآخر ومن يقوم بتلك الجريمة إنما هو قد خرق المادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على أن لكل فرد حق الحياة والحريّة والأمان على شخصه، وكذلك قد خرق المادتين 1/6 و 1/9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. جريمة الاختفاء أو الخطف هي جريمة ينتهك فيها أكثر من حق من حقوق الإنسان كحق الحياة ، فقد يُعدم الأشخاص المفقودون تعسفياً أو يلقون حتفهم أثناء الاحتجاز نتيجة المعاملة القاسية، وكذلك ينتهك أيضاً الحق في الحرية والأمان الشخصي، والحق في عدم التعرض للتوقيف التعسفي، وفي محاكمة عادلة، وحق الفرد في الاعتراف له بالشخصية القانونية وغيرها من الحقوق اللصيقة بشخصه».

ظاهرة متفشية

واعتبرت الناشطة الحقوقية الليبية دلال هذلول في حديثها لـ»القدس العربي» أن الإختطاف هو ظاهرة تفشت في المجتمع الليبي مؤخرا وتسببت فيه عوامل عديدة مثل الانفلات الأمني المسيطر على البلاد والأفراد دونما إستثناء للسن أو الجنس أو الطبقة، ثم النزاع السياسي الدائر بين الفرقاء سواء على مستوى القبيلة أو المدينة أو الأطر الليبية بشكل عام تقريبا. ثم يأتي دور العوز المادي الذي جعل من البعض يستغلون مثل هكذا ممارسة لجلب المال أو لبسط نفوذ أو لتكوين ميليشيا أو لدعم تنظيم أو تأمين مساع وأغراض شخصية للبعض ممن هم داخل أو خارج البلاد.
كما تعزي انتشار هذه الظاهرة إلى غياب دور الهيئات القضائية التي لم تتمكن بدورها من فرض نفسها على الساحة لتقاضي مرتكبي هكذا جرائم، وأيضا إلى إنتشار السلاح وتفكك النسيج الاجتماعي الحاصل الآن والذي بات ذريعة لبعض الفئات التي تحول دون النهوض بالوطن ورأب الصدع ولملمة الشتات بين الأطراف المتنازعة، أو حتى بين أولئك الذين يزعمون الوطنية وإصلاح ما يمكن إصلاحه لإبراز الوطن كحاضن للجميع دونما تمييز أو محاباة أو إقصاء بين كل فئاته على اختلاف توجهاتهم العرقية أو القبلية أو اللغوية أو الدينية إن وجدت. وترى محدثتنا، في إطار الحد من استفحال هذه الظاهرة، أن من الضروري عدم تقزيم دور المؤسسات المدنية في توطئة مثل هكذا أمر والتقليل منه قدر ما أمكن.
وتضيف:»لقد اختلفت صنوف الاختطاف بين أن يكون المختطف كشخصية بارزة وفاعلة في المجتمع أو لإسكات صوت حق أو ابتزاز مادي أو حتى أفرادا بسطاء، أو أن يكون المختطف شيئا من المحتويات كآليات أو مقتنيات أو أموال بشكل مباشر أو أبناء بعض العائلات ذات النفوذ أو المال. والمستفيد من هكذا مرض هو كل من يسهم في إنجاحه أو التعامل معه على إنه ظاهرة عابرة وستزول بزوال المهللين لها سواء القابعين في ليبيا أو من يلوحون بسهامهم خارج الوطن، فزوال المؤثر لا يعني زوال المعاناة من أذهان أولئك الذين تعرضوا لتجربة الإختطاف أو زوال تلك العاهات النفسية المتولدة عنها».

الضحايا 186 شخصا خلال سنة 2017 الاختطاف ظاهرة متفشية تؤرق الليبيين

روعة قاسم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left