القبض على البعد الحادي عشر

نجم الدراجي

Feb 03, 2018

المدن مثل البشر، تولد وتمر بمرحلتي الطفولة والمراهقة، ثم تشيخ وفي النهاية تموت.. ألقاها جبل على مسامع نخلة قديمة في مدينة دهريه.
هوية المدن تعرف من مواكب نخيلها الحبلى بالحياة، وسعفها المعانق للسحب، والمتوغلة خطوطها في أعماق خرائطها، وقوامها مآذن حجرية تغازل نواقيس أديرة، ويتراكم غبار الذاكرة على أحجار أسوارها.
يتلو الضباب نبوءة الوهم بولادة مدن الاستعارة..لا ملكية فيها لرمله، ولا لزهرة، ولا لكلمة، ومكتوب على جدران كيانها إعلانات لفرص استعارة…، ومن أشجار القماش تطرح معتقداتها.
الحياة بالصدفة، والتفكير بالوصاية..
( طيف وغيث ) حراس الحضارة يتلوان صفحات من سفر أزلية الوجود ويغرسان في جسد الحاضر قراءة تبعث الرؤيا والأفكار.
غيث يتحسس الرؤيا، وتتوهج أفكار طيف الساحرة في لحظات التعبير..
طيف: في جغرافيا العبث يرقص مغزل عاري في مقاومة خيوط من الحضارة بإحدى مغارات كهوف الأزلية، فأخذت تراود أفكاري موجات تعود إلى الماضي لمتابعة دوران المغزل، ربما إلى اللامعقول! أو أبعد…
الرؤيا مختلفة، إلى نقطة تثقب الحجر، إلى بدء سباق تزوير التأريخ والجغرافية، والاعتقاد المنحرف، وطمس الحقائق.
أرجوك يا غيث لا تغتال أنفاسي حين انشد الرؤيا..
ولا تلزمني بقيود الرأي، فإيقاعاتي لن تضبط وفق نبضات ساعة مغلوطة، وصورة الاستعارة، ووصايا الواعظ، وسطوة الهيكل.
أريد أن أتخطى بحرية مطلقة من الحدود والزمن.
يتساءل غيث: ظني بأنكِ على أعتاب الغربة؟
تضحك طيف..
وهل الغربة بعيدة عني يا رفيق غربتي!
أنت وأنا في غربة فكر!
هذه الصدفة الصاخبة بالحروف المشوهة لا ترضى الاعتراف بلائحة إنسانية واحدة، ولا يسمح لها بالتحرر من قواعد التقنين والإلزام، وترفض منصات التحكم بقبول احتجاج فكري تخطه أنامل قادمة من زمن النخيل.
هذا الفضاء المشحون بالأحادية متهم بسرقة الحلقات المفقودة، ولا يعرف غير الاغتيال الفكري، وصخب الاستعارة يصادر ( نظرية الأوتار الفائقة ) ويلقي القبض على البعد الحادي عشر.
يا زميلي: دساتير هذا الفضاء أكلت وشربت من نصوص موادها عاصفة التصحر الفكري، ودون فيها فقهاء الميول والأهواء رغبات النرجسيين، وغرقت نظريات فكرية بأمواج كتل بشرية. وكيانات ترتجف خائفة من سليطة اللسان، جنية نيويورك، وخشية من بأس كعب حافرها.
المغزل يعري كتب التأريخ المزورة، ويشطب فهرست الكراهية، ويعصف بموائد الجاهلية.
كل الأصنام التي تنطق وتأكل وتشرب تنتظر فأس الاحتجاج.
هذه المرة لا تعلق الفأس في رقبة كبيرهم ولا تخشى طغيانهم.
عطل ماكنة التفكير الجمعي، وهدم بيوت الطاعة، وحين نصل إلى قرار نفق الغربة الفكرية سنحاكمها، فهي سلبت الكثير تحت عباءة العتمة.
أشد وقعاً وألما حين تتحول حضارات التنوع إلى التفكير الأحادي ويحكم بالحجر على الإبداع، والوصاية على المواقف، وحين تلتهم أفواه الواعظين كل الحروف، لن تجد ما تعبر عنه في زمن الغربة الفكرية.
أخرق العبث وسطوة الهيكل.. أصدرا حكماً:
غيث أصم وطيف بكماء..في مدن العبث صارا يفكران في انعزالية قاتمة،
إيحاءات غيث لا يفهمها سوى طيف، فالترجمة مقتصرة على النخبة التي لا تتعدى حدود أوتار الغربة التي عجز مخاضها عن ولادة لبعض المفردات.
يظن أخرق العبث بأن هذه الأحكام ستعتم على تفكيرهما!!
أنشودة غيث المعبرة عن جمال صدقها تشير إلى أن سكان مدن الغربة ينطقون بنصف لسان! نصفهم يغني الضياع، والآخر يرقص على وقع طبول مبعثرة.
تقهقه طيف لأن صديقها شاهد نصف شبح يغني بحنجرة ضفدع.
وإشارات رفيقته تدل بأنها شاهدت أقزاما بأنصاف رؤوس، والتقت بكلمات عرجاء وبحروف تزاحم أشواك الصبار، والجهل سيد الأحكام!
ومن رحم القنابل الفراغية يولد التراجع مرتدياً الغباء ويرافقه مهرج يشتت خطواته، وتنجح العملية، وعلى إثرها تتزاحم الكتلة الفوضوية أمام منصة المهرج لينالوا نصيبهم من أسهم المقاطعة!، لقد أجريت العمليات بنجاح!!!
إنهم مغرمون بهكذا تمزيق!.
ها قد تمزقت الجغرافيا والتأريخ والأديان.
طيف وغيث يتزعمان على مضض موكب جنازة وأد الكلمات إلى مثواها الأخير!.

كاتب من بغداد

القبض على البعد الحادي عشر

نجم الدراجي

- -

7 تعليقات

  1. الأستاذ نجم الدراجي ، مقالك اليوم فلسفي وعميق وصل بنا الى البعد الحادي عشر ، في حين أن الأنسان يعيش في عالم ذي ثلاث أبعاد فقط ، لذا أن عقله محدود ولا يرى أكثر من هذا ، وهذا هو من حسن حظنا ، لأن تخيل لو وصل النرجسيون والمتحجري العقول من الواعظين الى الأبعاد الأخرى لأنقلب الكون كله علينا رأساً على عقب !
    أضيف ، أن الأنسان في العالم العربي يعيش في تشوش فكري ، حيث نحن في زمن انقلبت فيه الموازين واختلطت فيه الأمور ولم يعد الأنسان يميز و يفهم أيهما الأصح وأيهما الخطأ ، لذانجد أن هنالك الكثير ممن يتقوقع في داخل غربته النفسية والفكرية .

  2. المدن لا تموت هي فقط تنام وان طال سباتها
    ويخيل لي أنها حين تستيقظ تكون
    قد تحولت من الشيخوخة للطفولة ثم الإزدهار
    ف دورة حياة المدن لا تعرف الموت .
    ونحن اليوم نعيش فترة السبات أو الظلام !

  3. قطعة نثرية من الفكر والابداع الخالص….
    مطرزة برمزية تكاد معانيها تفلت اذا لم تتجند لاحاطتها بكل ما اوتيت من قوة لتفكيك شفرتها….
    حوار طيف وغيث كان عميقا وجميلا ومعبرا…..
    اشكرك على هذا التحفة الفنية الفلسفية…
    تحية لكل القراء الاعزاء الكرام

  4. الى استاذنا الكاتب الاديب , الفيلسوف المقيم قي مدينة اللا حدود , المطلة على مشارف مساحات اللا محدود , صاحب الروح الهائمة في ابعاد اللا مدروك , والفكر المرافق لخبايا المسبوك ؟!
    اخي نجم :
    لقد قسوت علينا بهذه التعابير الغيبية الفلسفية العِلّوية , فنحن الضعفاء لا نستطيع مجاراة العظماء امثالك , في فهم واستسياغ الابعاد المستورة في محتواك؟! فرفقًا بنا…!! ان كنت تنشد خلق مدينة فاضلة ؟ فالمنأى مستحيل !! وان كنت تأمل الراحة في مدن الغربة , فليس دوام الترحال هو البديل؟!
    براميل البارود لا تولِد الا الخراب,؟! والبغضاء لا تعيش وتنموا الا في عقول الشياطين الحاقدين؟! ونحن الآدميين نتاج المحبة والسائرون بنهجها سنداوم ابعاد الشياطين الحاقدين وبرفقة براميلهم عن تواجد هدأتنا كي لا يستمر الفناء .
    اجدت يا صديقي بهذه المزامير الفلسفية , وابعاد تراتيلها …بورك قلمك وفكرك اخي نجم..
    والتحية مرفقة الى الاخوات افانين ومنى وعمرو من سلطنة عمان والى جميع الاخوة المعقبين سلفًا والسلام

  5. مقالة متميزة وعميقة المعاني وحوار جميل ومعبر لكاتبنا المتميز والمتألق دائما الأستاذ نجم الدراجي ..

    تحياتي

  6. الامتنان والعرفان لادارة القدس العربي صحيفتنا الغراء وادرة المنبر ، لنشر هذا المقال .
    وخالص المودة والاحترام لاصدقائي الرائعين في اثراء المقال بالمشاركة والتعبير عن الاراء المهمة والقيمة التي تمنحني الدعم والاسناد لمواصلة الكتابة ، وأسجل تحياتي الى استاذتي التشكيلية العراقية أفانين كبة لرائع مشاركتها و أفكارها ، وصديقي الاعلامي والمخرج عمرو من سلطنة عمان ، وللمبدعة الاعلامية والصحافية منى مقراني الجزائز لجميل عباراتها ، ولاستاذي اديب الكرمل وشيخ الجبل رؤوف بدران ملك الصياغة وساحر المعاني ، ولصديقي كاكه ماجد محمود باشا – امريكا لوفاء تواصله ، ولكل الاصدقاء
    نجم الدراجي . بغداد

  7. السلام عليكم
    تحية إخلاص ومودة لك أستاذي “نجم”
    “هكذا وإلاّ فلا” نعم لقد كتبت فأبدعت وصورت فوضحت وصنعت فأتقنت إنه النقد الاذع الذي أنقدك به يا أستاذي نجم…أنا محب للشعر أكثر من النثر ولكن مقالتك النثرية المطرزة بالشعر والشعر الملتزم الفصيح قد أمتعتنا به في هذه الرائعة …وقد كنت أنتظر مثل هذا الصنيع والعمل منك نظرا لما كنت تكتبه في روائعك أثناء التعليق على مقالات “قدسنا العربي”
    لقد جادت علينا قدسنا العربي بإكتشافات رائعة ومزلنا ننتظر الكثير وما منبرها إلاّ منارة إشعاع نهيك عن بقية صفحاتها الغرّاء لقد جادت علينا بمنى مقراني ود.أثير الشيخلي ونجم الدرّاجي وننتظر المزيد..
    أستاذي نجم أنت فعلا نجم في سماء الأدب والإعلام وفقك الله أمين
    ولله في خلقه شؤون
    وسبحان الله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left