جمال السعيدي: «فصول لبنان» حلّت محل صور الحروب الدموية

153 صورة عن جمال الطبيعة في لبنان

زهرة مرعي

Feb 03, 2018

بيروت ـ «القدس العربي»: تغري الطبيعة في تبدلات فصولها عدسة الكاميرا. فكيف بعدسة محترفة؟ سريعاً ينمو تناغم عاطفي ثلاثي الأضلاع، بين الطبيعة، العدسة وحامل الكاميرا. يكبر الحب بتحوله من دون دراية لعلاج عين لازمتها الحروب والانفجارات على مدار عقود. جمال السعيدي مصور لبناني تزامنت بداياته المهنية مع الحرب الأهلية. ومن ثم الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، وكانت الذروة في اجتياح سنة 1982. اجتياح كاد أن يودي به، بعد نجاته من انفجار في منطقة الجامعة العربية سنة 1981 والآثار لا تزال على جسده.
جمال السعيدي مسؤول عن فريق المصورين الذين يتعاونون مع وكالة «رويترز» في لبنان وسوريا، الرئيس الفخري لنقابة المصورين اللبنانيين. النقابة التي شارك في تأسيسها ورئسها لأكثر من دورة. أنجز كتباً ثلاثة تختزن صلته بالصورة. قبل شهرين صدر جديده بعنوان «فصول لبنان». يجمع بين دفتيه 153 صورة من مناطق متفرقة من لبنان. صور تجمع تبدلات الطبيعة. تنقل الجمال الذي تختزنه المناطق من تلال، وجبال، ومغاور، وأنهار، وأبنية تراثية، وغابات وأزهار. جمع السعيدي صوره، عبر رحلات دورية في المناطق اللبنانية. لم تكن بهدف جمعها في كتاب، بل أشعرتها مع «كاميرا ترابي». دعمته الطبيعة في استعادة الأمان. فسنوات حروب الخليج، والحروب على العراق، والتفجيرات الدامية آلمت نفسه وأبعدته.
ربما ينظر المتلقي إلى الصور الآتية عبر وكالات الأنباء عن الحروب والانفجارات الدائمة التنقل في منطقتنا العربية من دون أن يلامس مشاعر من التقطها في اللحظة وما بعدها. ليست الصورة حدثاً عابراً. الأحداث الدامية تترك في نفس المصور ندوباً تتراكم. وفي لحظة ذروة تنفجر آلاماً نفسية أو عذاب ضمير. ماذا يقول جمال السعيدي في هذا الحوار بعد أن تخطى العقود الأربعة برفقة الصورة؟ هنا الحوار:
○ هل شكل كتاب «فصول لبنان» بما تضمنه من جمال صنعته الطبيعة استراحة محارب؟
• تغيير الصورة حتّم نفسه. احتجت نوعاً من الـ»فورمات» لتحفيز الصورة الإيجابية في ذاكرتي. صورة تضج بالفرح والألوان والطبيعة. هي مرحلة تلي الحروب التي تركت ولا تزال الكثير من الوجع في ذاكرتي. لم يأت الكتاب من هباء. بل تلا علاجاً نفسياً خضعت له أخذت خلاله قراراً بتصوير الطبيعة لتغيير الصورة السلبية الراسخة في مخيلتي.
○ امتشقتَ الكاميرا في الحرب الأهلية وفي التسعينيات بدأت حروب الخليج. مهمة عدستك الحروب ما هو أثرها؟
• فعلها في داخلي تركني أنسى الجمال. أخذت الحروب أولوياتي صوبها. لم أعد أهتم بما يدور حولي حتى عائلتي. حركة الرصد تتجه نحو الخبر، وملاحقة الصورة، وإثبات الحضور في لحظات الحدث لنقله إلى العالم.
○ وهل من جانب إنساني بحثت عنه في تلك الصورة؟
• في لحظة الحدث الدامي كنت أبحث عن انعكاسه على البشر، أي ما بعد الإنفجار والدم. أين هو الإنسان وماذا حلّ به؟ بعد الحدث المتفجر يجب إظهار هموم الناس ومشاكلهم الناتجة عنه. المصور الصحافي فرد من المجتمع، سلبيات الصورة وما تبعها من انعكاسات تؤثر في نفسه.
○ ماذا تفرض صورة الحروب على المصور الصحافي؟
• أن يتواجد في بداية حصول الحدث العسكري أو التفجير الذي يستهدف المدنيين. أي الحضور على جبهات القتال وفي الخطوط الأمامية. مهمة صعبة بالطبع. يختبئ المقاتل خلف متراس أو في خندق، أو يبدل الجبهة. أما المصور حينها كان من دون حماية. لم نكن نملك خوذة ولا درعاً يحمينا من الرصاص. وجدنا الحماية في مداخل المباني وحتى تحت السيارات. معاناة المصور تبدأ من عدم شعوره بالأمان وخوفه على حياته الذي يتراكم ويصل حدود الانفجار. وفي الوقت عينه يكون المصور أمام تحد مهني بالتقاط الصورة الأكثر تعبيراً ونجاحاً.
○ متى فرض العلاج من آثار الحروب نفسه؟
• بعد حروب الخليج والعراق فرض الضغط النفسي المتراكم ذاته، وبدأت قدرة الاحتمال عندي تتراجع، واضمحلت في لحظة ذروة قاسية للغاية.
○ هل من عمر مهني لمصور متخصص فقط بالحروب؟
• يختلف هذا العمر بإختلاف قدرة الاحتمال لدى كل إنسان. زملاء انسحبوا من المهنة مع بداية الحرب الأهلية اللبنانية وهاجروا. زملاء من الدول العربية أعرفهم من البدايات، بعضهم تابع، وآخرون انكفأوا. حتمي أن لا يتسع الصدر لمزيد من الألم، وبالتالي يكون الإنكفاء بتولي مسؤوليات أخرى. صراحة يستسلم أحدنا بمواجهة مشاهد الحروب وعنفها، لكن عدسته تبقى في بحث عن صورة أخرى. الاستسلام الكلي ممنوع.
○ هل هناك دراسات عن انعكاسات الحروب على من يصورها؟
• تمّ تحديد تلك الانعكاسات بالانكسارات النفسية. نوبات الهلع حيث تتكرر لديه ليلاً صور النهار من خلال أحلام وكوابيس. وقد تظهر كوابيس خلال الوعي نهاراً، كأن يسمع الانفجارات، ومن ثم تتوالى الصور أمامه كشريط مرعب.
○ وهل يصاب مصور الحروب بالكآبة؟ وهل من حالات انتحار؟
• الأثر السلبي لا يغيب، وقد يصل للانتحار. المصور كيفن كارتر انتحر سنة 1994 عن 33 سنة، وهو من جنوب افريقيا. حاز جائزة «بوليتزر» الأمريكية عن صورة أظهرت المجاعة في السودان سنة 1993. صورته لطفل يحتضر جوعاً فيما ينتظر نسر نفسه الأخير لينقض عليه. صورة مؤثرة، لم يجد كيفن كارتر في الجائزة ما يعوض انكساراته وصراعه الداخلي، ووخزات ضميره من أنه لم يتمكن من تقديم أي مساعدة للطفل. برزت مشاعره المؤلمة باكراً ومع حصوله على الجائزة. وهو كان قد راكم كماً من الصور الإنسانية المؤلمة، لكن صورة الطفل أيقظت كل ما سبق وفجرت أزمته. وبعد مرارة عيش لأشهر وجد راحته من صراعه مع ضميره بالموت. فأقدم عليه.
○ في لحظات التصوير وخلال وجود الناس في أماكن الأزمات هل يكتفي المصور بمهنته أم يشغله نداء إنساني؟
• يراوده النداء الإنساني في ومضات. إنما ليس له قرار المجازفة لإنقاذ آخر. بالتأكيد هناك مصورون قادرون على المهنة، وإسعاف الآخرين أحياناً. وهذا يعود للقدرات النفسية والعصبية لكل مصور بمفرده.
○ نعرف أن إصابتك كانت بالغة سنة 1981 لدى انفجار سيارة مفخخة في منطقة الجامعة العربية. وأصبت خلال الاجتياح. ألم تفكر بالإنكفاء؟
• أبداً. كنت لا أزال في بداية شبابي، وقدرة احتمالي كبيرة، وتفهمي أكبر لدوري كمصور ولضرورة الإستمرار من أجل نقل الصورة الحقيقية. حينها كنت أرى التراجع عيباً، والهرب من لبنان عيباً أكبر رغم الفرص. ورفضت كذلك عروضاً أن أتولى تصوير زعماء سياسيين.
○ هل أقدمت على تصوير الطبيعة اللبنانية كجزء من علاج نفسي؟
• رحت إليها حباً وبعفوية، ولم أكن أدرك إيجابياتها. اكتشفت لاحقاً كم أرتاح لتلك الأماكن. زوجتي والكاميرا رفيقتان في كل نهاية اسبوع، قررت تصوير الأماكن التي عشقتها. وبعودتي إلى البيت كنت أكتشف جمال الصور التي أنجزتها. جمالها أزاح الصور المؤلمة السابقة. إنجاز فني تركني انسحب من رواسب الحروب وصورها ومراميها الوسخة. ومع مرور الوقت وجدت في صوري رسالة مهمة للبيئيين ومحبي الطبيعة، ليحافظوا على ما تبقى منها.
○ هل الكتاب يشكل وثيقة أنيقة عن طبيعة بدأنا نفتقدها بالتدريج؟
• صحيح، ولهذا قلت إنتبهوا. كتبت بفصيح العبارة أن هذه الطبيعة التي ساعدتني على الشفاء من إصابات الحروب النفسية وخلصتني من انكساراتي «حافظوا عليها». هي طبيعة نظيفة تمدنا بالفرح، لكن المخاطر تداهمها.
○ لطيف بدء الصور مع الربيع لكنه انتهى بصورتين لبحيرة القرعون ونهر الليطاني الملوثان؟
• الفساد علتنا، وامتدت مخالبه حتى إلى الطبيعة. آخر فصول الجشع المالي أنه وصل إلى الطبيعة التي بدأت الصراخ طالبة النجدة. كذلك صرخت البيوت التراثية طالبة الحفاظ عليها من جشع التجار، وعدم شطب الذاكرة كلياً.
○ أي المشاهد تناديك لتصويرها في الطبيعة؟
• تلك الزاخرة بالألوان. بعد تصوير مكان أخاذ لا أتركه سريعاً بل الازمه مستمتعاً. صور الربيع تناديني بتجددها، والثلج بنقائه.
○ ما هو دورك مع فريق المصورين الكبير في سوريا الآن؟
• إدارة عمل، وتوجيه الارشادات للحماية من المخاطر. خسرنا مصوراً في مقتبل العمر، وذروة الاندفاع في بداية الحرب السورية هو ملهم بركات 21 سنة. لم يكن يلتزم تعليمات الوقاية، ولا ارتداء وسائل الحماية التي كانت في حوزته. اندفاعه أخذه إلى مكان لم نكن نرغبه فيه.
○ «فصول لبنان» شكل بالنسبة لك «فوتوتيرابي» ناجحا هل سيساعد آخرين في رأيك؟
• أدعو الجميع للراحة في الطبيعة. من يتصفح الكتاب سيجد حشرية للبحث عن أماكن الصور.
○ هل ندمت يوماً على مهنتك؟
• ابداً. عندي حوافز استمرار حتى وإن تراجعت عن خطوط التماس الأولى. أصور منذ أكثر من 40 سنة، وأبحث عن الصورة المعبرة وعن الحدث من دون أن أكون على الخط الأمامي.

جمال السعيدي: «فصول لبنان» حلّت محل صور الحروب الدموية
153 صورة عن جمال الطبيعة في لبنان
زهرة مرعي
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left