ايزنهاور وكنيدي ردعا إسرائيل عن الاستيلاء على الضفة والقدس وغزة عام 1958

ايلان بابي في «أضخم سجن على وجه الأرض»:

سمير ناصيف

Feb 03, 2018

لعل من أهم ما في الكتاب الأخير للبروفسور ايلان بابي، الأستاذ والباحث في «معهد الدراسات العربية والإسلامية» ومدير «المركز الأوروبي للدراسات الفلسطينية في جامعة اكستر البريطانية «أضخم سجن على وجه الأرض: تاريخ الأراضي المحتلة» تركيزه على ان إسرائيل خططت لاحتلال أراضي الضفة الغربية منذ نشوئها عام 1948 وخصوصاً في عام 1958 ولكنها كانت تخشى ردة فعل الإدارة السياسية الأمريكية وخصوصاً خلال فترة حكم الرئيس الأمريكي دوايت ايزنهاور (1952 ـ 1960) للولايات المتحدة ومن بعده الرئيس جون كنيدي، الذي حكمَ من عام 1961 إلى 1963 قبل ان يتم اغتياله في دالاس (تكساس) في تشرين الثاني/نوفمبر 1963.
ويرى بابي أن الرئيس ليندون جونسون، الذي تسلم الرئاسة بعد اغتيال كنيدي عام 1963 وانتُخب رئيساً لاحقاً، على عكس ما فعله ايزنهاور وكنيدي، ربما تغاضى عن أو تجاهل خطة إسرائيل في افتعال أزمة مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر بعد سحب القوات الدولية للأمم المتحدة من شرم الشيخ وانتقال قوات مصرية للحلول مكانها لتبرير هجومها على مصر. وإدعت إسرائيل آنذاك ان عبد الناصر فعل ذلك لانه كان يحضّر هجوماً عليها، فشنت هجوماً جوياً دمرت فيه سلاح مصر الجوي واعتبرت أنها حققت نصراً في «حرب الأيام الستة» التي وقعت في 5 حزيران (يونيو) من تلك السنة.
كما يشير بابي في الفصل الأول ان الأمين العام للأمم المتحدة في خمسينيات القرن الماضي، السويدي داغ همرشولد كان يتعاون بشكل وثيق مع إدارة ايزنهاور (وخصوصا في عام 1958) ويتوافق مع الرئيس ايزنهاور ووزير خارجيته جون فوستردالا حول ضرورة عدم السماح لإسرائيل، بقيادة ديفيد بن غوريون، التوسع خارج حدودها، وان العلاقة بين إسرائيل والأمم المتحدة آنذاك كانت في أسوأ أوضاعها. ولقساوة «القدر» وقع حادث لطائرة همرشولد المروحية في تلك الفترة ما أدى إلى مقتله!
ويعتبر بابي ان إسرائيل بعدما حققت غايتها واحتلت الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة في عام 1967 حوّلت الضفة والقدس الشرقية إلى «سجن مفتوح» يمتلك بعض الإدارة الذاتية في بعض أراضيه فيما حولت قطاع غزة إلى «سجن مغلق» محكم أمنياً.
ويشير انه ليس متأكداً من ان إسرائيل ستنسحب من أي أرض احتلتها عام 1967 في المستقبل. كما ان جناحاً في قيادتها الحالية يدعو إلى طرد الفلسطينيين من الضفة وغزة عبر التطهير العرقي وجناح آخر يمارس تقليص أعدادهم في هذه المناطق عبر إجراءات تعسفية أمنية وإدارية تجعل الحياة صعبة جدا هناك.
غير ان الجناحين يؤيدان استمرار الاستيطان ولكنهما يدعوان في الوقت عينه إلى استمرار المفاوضات مع الفلسطينيين التي لا تؤدي إلى نتائج وذلك فقط للاظهار أمام العالم وخصوصاً أمريكا والقيادات الغربية وشعوبهما انها ترغب وتسعى للمفاوضات. وهذه سياسة اعتمدتها إسرائيل منذ احتلالها الأراضي الفلسطينية في عام 1967 بناء
وبالنسبة لقادة فلسطين الأقوياء عسكرياً وشعبياً والقادرين على اقناع شعوبهم بالتوصل إلى حل سياسي مع إسرائيل من موقع قوة واستناداً إلى العدالة، فقد نفّذت إسرائيل عمليات اغتيال ضدهم وفي طليعتهم (حسب المؤلف) الرئيس ياسر عرفات الذي يُرجحُ في الصفحة (207) انه قُتل اغتيالاً وقادة «منظمة التحرير الفلسطينية» في تونس ولبنان وكبار قادة حماس في غزة وخارجها.
ويفسّر في الصفحة (205) لماذا رفض الرئيس عرفات العرض الذي تسميه الجهات الأمريكية والإسرائيلية «العرض السخي» الذي قدّمه اليه رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك عام ألفين في مفاوضات كامب ديفيد بحضور الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، فيقول ان عرفات رفض التوقيع آنذاك ليس لانه قائد متردد وإرهابي الميول (كما وصفته إسرائيل وأعوانها) وليس لانه كان قصير النظر يجيد تفويت الفرص، بل لأن ما قدمته إسرائيل (إليه) كان استدراج توقيعه على اتفاقية لا يمكنه التراجع عنها تعطيه دولة فلسطينية مكونة من «باندوستافين» ضيقين قُضمت منهما أراض خصبة في الضفة والقبول بهما سيؤدي إلى فصل الضفة عن غزة. وطلب منه الرئيس كلينتون التوقيع على هذه الاتفاقية خلال أسبوعين من دون ان يعطيه الوقت الكافي لمراجعتها وإضافة تعديلات عليها.
وفي هذه التعديلات لعل عرفات كان سيطلب تخفيض أو تجميد نسبة الاستيطان الإسرائيلي وتقليص كثافته في الضفة وجوارها، والتعامل الأمني القليل القسوة مع المعترضين والسكان الفلسطينيين وتبديل بعض الإجراءات الإدارية المجحفة بحق الفلسطينيين، ورفض باراك مسبقاً إمكان طرح مثل هذه الشروط. ويشير بابي إلى ان الخبيرين في شؤون الشرق الأوسط، الأمريكي روبرت مالي (الذي أصبح لاحقا مستشاراً لباراك أوباما للشرق الأوسط) واللبناني ـ البريطاني حسين آغا، أكدا ان هذا كان في الواقع ما حدث علماً انهما اطّلعا عن كثب على هذه المحادثات في كامب ديفيد. كما يشير إلى ان الادعاء الإسرائيلي ـ الأمريكي ان عرفات اشعل الانتفاضة الثانية في عام ألفين نتيجة لفشل مشروعه في كامب ديفيد باطل، إذ ان أحد العوامل الرئيسية لانطلاق هذه الانتفاضة الثانية كان اقتحام آرييل شارون للمسجد الأقصى والحرم الشريف خلال تجاوزاته المتكررة كوزير للدفاع وذلك لاثارة مشاعر الفلسطينيين والتحريض والتعويض «معنويا» عن اضطرار الجيش الإسرائيلي للانسحاب من جنوب لبنان عام 2000.
حسب بابي، إن «اتفاقيات أوسلو» التي وقعت في عام 1993 جعلت حياة الفلسطينيين في الضفة وغزة أسوأ مما كانت عليه ولم ينتج عنها أي تعديل على الأرض لمصلحة الفلسطينيين، كما زادت أعداد وتوسع المستوطنات بين عامي 1996 و1999 بنسبة كبيرة جدا، واستمرت العقوبات الجماعية بحق الفلسطينيين، وتفسير ذلك، ان إسرائيل استمرت في تطبيق خطتها القديمة للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية (حتى خلال حقبة تطبيق أوسلو) كما ان قرار آرييل شارون إغلاق مستوطنات في غزة في عام 2005 بعدما أصبح رئيسا للوزراء كان لتثبيت المزيد من الاحتلال ووضع اليد على الضفة الغربية والقدس الشرقية ولاستمرار المشروع الاستيطاني هناك.
والمشروع الحالي، حسب المؤلف، هو توسيع ضواحي القدس وضمها إلى مدينة القدس إلى حين يأتي يوم تُضم فيه القدس وضواحيها الجديدة المقتطعة من الضفة الغربية كلياً إلى إسرائيل. وهذا التوجه يجري التركيز عليه حاليا في المشاريع المطروحة من إسرائيل ومؤيديها في قيادة أمريكا.
ويعتبر المؤلف في الصفحة (195) أن مؤتمر مدريد عام 1991 الذي لم تأت نتائجه في مصلحة إسرائيل وذلك لوجود الرئيس جورج بوش الاب ووزير خارجيته جيمس بيكر على رأس الإدارة الأمريكية المنظمة له. وهذان المسؤولان إعتبرا ان مواقف إسرائيل المتصلبة تعرقل مشروع حل الدولتين وضغطا عليها لتقديم التنازلات فاستخدمت منظمات الضغط الصهيونية في أمريكا «ايباك» وغيرها للترويج لاسقاط بوش الاب في ولايته الثانية ونجحت في ذلك.
وهنا يطرحُ بابي نظرية هامة مدعومة بالوقائع ان القيادة الإسرائيلية كانت تقوم بمفاوضات سرية للتحضير لاتفاقية أوسلو، خلال انعقاد مؤتمر مدريد عام 1991 علماً منها ان قرارات مدريد ستأتي في غير مصلحتها، بينما قرارات أوسلو سيكون من السهل عليها التلاعب والمراوغة من خلالها وبالتالي فرض المشروع الذي تريده. كما يقول ان الرئيس عرفات مشى في مشروع أوسلو ووافق على المفاوضات السرية عبر اشراف قيادة المنظمة في تونس عليها خشية من تصاعد دوري القائدين الراحلين الدكتور حيدر عبدالشافي وفيصل الحسيني (اللذين برزا في فترة مؤتمر مدريد) على حسابه. وهذا رأي بابي الشخصي (ص 195). غير ان المؤلف يحاول ان يكون موضوعياً في شأن فشل أوسلو فيقول في الصفحة (196) ان نجاح بنيامين نتنياهو في الانتخابات عام 1996 على حساب حزب العمل (بعد اغتيال زعيم حزب العمل ورئيس الحكومة اسحق رابين في عام 1995) ساهم في افشال اتفاقيات أوسلو.
ويعتبر ان رابين، عندما كان رئيسا للاركان (عام 1967) عارض ضم الضفة الغربية لإسرائيل، ولكن القرار كان بيد موشيه دايان الرجل القوي آنذاك في حكومة ليفي اشكول في منصبه كوزير للدفاع. ويضيف ان رابين نفسه صرّحَ في عام 1976 وبعد ان أصبح رئيسا للوزراء، ان إسرائيل لا تبني المستوطنات لكي تتخلى عنها لاحقاً (ص 96) وفي الصفحة (30) يقول ان رابين لم يكن مقتنعاً في عام 1967 من موقعه كرئيس للأركان أن مصر ستشن حرباً على إسرائيل من سيناء في حزيران (يونيو) من تلك السنة لأن الفرقتين العسكريتين اللتين أرسلهما الرئيس عبد الناصر إلى سيناء لم تكونا كافيتين لشن مثل هذه الحرب.
وبالتالي، فان بابي كان متحفظاً إزاء طبيعة ومستوى مواقف رابين العدائية خلافاً لمواقفه المنددة كلياً لقرارات نتنياهو وقبله شارون وبيغين وقبلهما دايان من دون تحفظ.
وهو كان صريحاً في مقدمة الكتاب حيث أوضح ان هدفه لم يكن شيطنة كل من انتمى إلى المجتمع الإسرائيلي بل فضحاً لهؤلاء القادة والمجموعات الذين يقمعون الشعب الفلسطيني من دون أي محاسبة ويضعون فلسطينيي الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة في سجنين ويجعلون من فلسطين أضخم سجن في هذا العالم.
ويشدد بابي على انه يقدّم كتابه إلى البشر الذين لا يقفون جانبا ويتفرجون على ما يحدث من قمع وتنكيل للملايين من الفلسطينيين، بل يتواجهون مع الطريقة غير الإنسانية التي يُعاملون فيها، فقط لانهم ليسوا يهوداً. وشجبه يشمل كل القادة في العالم عموماً والعالم الغربي خصوصاً الذين يقدمون لدولة إسرائيل مناعة ضد المحاسبة والعقاب على أفعالها التي تخالف الشرائع الدولية وحقوق الإنسان.
ويرى ان سياسة سلب الأرض من مالكيها أو ابقاءهم فيها من دون حقوق وجنسيات وشرائع تحميهم من تجاوزات الاحتلال هي أسوأ السياسات وان إسرائيل تستخدمها وتخدع باقي دول وشعوب العالم. وان هذه الخدعة تواجدت منذ تأسيس إسرائيل ونفذت عام 1967 وما زالت حتى الساعة وهي نتيجة للايديولوجية الصهيونية التي تسعى إلى تحقيق الدولة اليهودية لليهود حصراً على أرض إسرائيل التاريخية، والتي حان الوقت لمواجهتها عالمياً بشتى الوسائل بدلاً من دعمها.
Ilan pappe: “The Biggest Prison on Earth
One World , London 2017
273 pages.

ايزنهاور وكنيدي ردعا إسرائيل عن الاستيلاء على الضفة والقدس وغزة عام 1958
ايلان بابي في «أضخم سجن على وجه الأرض»:
سمير ناصيف
- -

3 تعليقات

  1. لماذا نتكلم عن الماضي اليست الكرة الارضية صوتت ضد الاحتلال وضد اهداء ما لا يملك لمن يستحق وكان للقرار ان يمنع طرمب من التصويت لو اراد العرب ، ولماذا العرب صامتون فلنتكلم عن الحاضر والمستقبل .والاحتلال بموافقة العرب وهذا ما قالوه الامريكيون اليوم السبت الثالث من شباط 2018 وقالوا لا قيمة لقرار الفلسطينين .

  2. نشكر ألبروفسور ايلان بابي على مساعيه وجهوده لإنصاف الشعب الفلسطيني وابقاء القضية الفلسطينية على قيد الحياة في زمن يحاول فيه حتى الأشقاء قبل الأعداء تصفيتها والتخلص من (وجع الرأس)..
    نعم لازال هناك أصحاب ضمير حي في وقت أنتقل فيه الضمير العربي إلى غرفة الإنعاش ويعيش تحت العناية المركزة،،
    موقف هذا الاستاذ الجامعي أشرف من مواقف الزعامات العربية والإسلامية مجتمعة وبلا استثناء لأي منهم،،ما علمنا ولا رأينا منهم غير المكائد والمؤامرات والقتل والتشريد والمعاناة والعذاب لأبناء هذا الشعب،،،
    ولا أنسى هنا،،أن أتوجه بالتحية للأستاذ سمير ناصيف على تقديمه لهذا الكتاب والكاتب،،نشكرك على جهدك ووقتك وعلى كل شيء
    الله المستعان

  3. هم يسعون بقوه وبتروي ودراسه لانشاء الدوله اليهوديه وقد نجحوا ايما نجاح وسيأتي نصر ألله وما ذلك على ألله بعزيز وما صبرنا الا باجر من ألله القدير بالرغم من حلكه الظلام الذي بدون شك سيطلع بنور ساطع ابا من ابا ورضي من رضي .
    بسم الله الرحمن الرحيم : يريدون ان يطفؤا نور ألله بافواههم ويأبى ألله الا ان يتم نوره ولو كره الكافرون.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left