وليمة غرائبية تفضح التسلّط وتحرّض على الحلم

الروائية المصرية هالة البدري في «مدن السور»:

هاشم شفيق

Feb 03, 2018

حين شرعت بقراءة رواية «مدن السُّور» لم أكن أتوقع أني سأذهب في رحلة صوب عالم مفعم بأجواء مسحورة، يتخللها الغرائبي والفنتازي، وحتى السوريالي، ولكنه رغم غرائبيته هذه، ورغم هذه العوالم الميالة إلى سحرنة المروي وتورية النص، وإدخاله في حالات وهالات ودلالات رمزية، فهو أيضاً مربوط بمُكنة واضحة وجلية بعالم الواقع، وهذا العالم هو عالمنا البشري، عالم الحقيقة المتجسِّدة في بعض جوانبها بالخيال، ليضحى المتخيَّل لوحة واقعية صرفة، تمتثل إلى الملموسيات في مجتمعاتنا الفقيرة والوسطى، تلك التي يطحنها الواقع ذاته، الواقع الذي يكاد أن يكون فانتازياً لشدة المرئيات الغريبة التي ينتجها هذا الواقع المجروح، والمُهيمَن عليه من قبل طبقة عليا، هي طبقة «الفوقيين» أو «العُلويين» الذين لهم عالمهم الخاص والمتميز والموسوم بالجاه والمال والجنس والسلطة. عالم يُسخِّر كل شيء في «مبنى الحياة» كما يرد في الرواية لصالحه، فالآخر هنا هو السفلي، من سكان «القبو» سكان الأسافل، أما العُلويون، أو «الفوقيون» كما يتوضح مصطلحهم في النسيج الروائي، فهم سكان الأعالي، وحياتهم تنحو صوب العلى، وليس للغَيْرية مكان بينهم، وأقصد سكان المهاوي، أولئك الذين جبلوا على التراب الأرضي، ومناطق المقابر هي الملاذ والمأوى والسكن الموائم لهم، حسب رؤية الفوقيين، المتعالين والمتصاعدين نحو مجدهم الواقعي، المُدعَّم بقوانين ومناسك وإجراءات مثالية، تجعل منهم أشخاصاً غير مرئيين، لهم حياتهم المثالية والخاصة، ومجتمعهم المنتخب بعناية لا تشوبه أخلاط، والمصهور في العالم الأرضي، لذا فهم طبقة مثلى، ينبغي أن يعمل الجميع لخدمتها ويكون تحت إمرتها، تُوفِّر له وسائل العناية والراحة، وعدم الإزعاج، من قبل الناس السفليين الذين هم أدنى مرتبة منهم بحسب أجنداتهم المرسومة، والمنصوص عليها في مراسم ومواثيق وأسانيد هم وضعوها، من أجل أن يكون عالمهم الوضعي هذا مميَّزاً، ورافلاً بكل وسائل النعيم الوثير، والثري بقوانينه التي سُنَّتْ من قبلهم، كونهم هم الذين يحكمون ويُسيِّرون دفة الحياة، في «مبنى الحياة « وما على الآخرين، غير الموسومين بشارة الفوقية، إلا أنْ يخضعوا، ويكونوا عبيداً أرقَّاء، في خدمة الفوقيين الذين بنوا «السور» ليكون ملاذاً وعازلاً بين البشرية، فالعزل في دستورهم الذي سطروه هم، يحمي من الاختلاط، اختلاط الدم والجندر وتلوث العِرْق بأعراق هجينة، غير أصيلة وفق مفهومهم الخاص، ونظريتهم المثالية التي تستمد من سياق الفاشيات أفقها العالي، ومن قوانين ودساتير برجها المحمي داخل السور.
تبرع هالة البدري في إخفاء ثنائية الزمان والمكان، لتقدم بديلاً منه، هو الانزياح الزمني، والتمثل الرمزي للمكان والزمان الخاصين برواية «مدن السور»، وكذلك تنجح في تلوين الشخصيات بالغموض والتلاعب بمكوناتهم الشخصية، لكي لا يبدون واضحين للعيان، ولعين الديدبان وحرّاس السّور ورقباء الأُناس الفوقيين المسلطين على البشر «البدائيين» المنظورين بأفعالهم وتصرُّفاتهم البشرية والإنسانية .
تكشف الرواية وفق مفهومها الجمالي، مدى القبح الذي يتمتَّع به الإنسان الفوقي ضد أخيه الإنسان العادي، والطبيعي، وبهذا تقدِّم الرواية من خلال منظورها الفني المحمول على موجة تعبيرية، مغلفة بالضبابية الإستاتيكية، شخصيات آدم ومايسة، وشخصيات أخرى أيضاً، تتحرك داخل السور، كنماذج بشرية طبيعية، وأخرى مهزوزة ونفعية، فالانتفاع هو أحد العوامل البارزة التي يستخدمها البشر الفوقيون ضمن أساليب حياتهم اليومية، وضمن تعاملهم الدائب لجني الثروات وتكديسها ومنعها من الانتشار والتداول لدى الناس البدائيين، أو شريحة الفقراء والبسطاء، والطبقة الشعبية العامة من البشر، حسب مفهومنا، وليس حسب مفهوم الرواية التي تعتمد الترميز، والتلميح، والإيهام، أكثر من اعتمادها التصريح، والتلويح بالآراء العلنية، فثمة خوف ورعب من العلن، والتشهير وقول ما يصدم الطبقة المتسلّطة.
هذه الرواية ووفق محمولها ومدلولها الرمزيين، هي رواية تقف بالضد من السلطات والحكومات والبِنْيات النازية، تقف مع الحقيقة، وتتبنى الرؤى والتطلعات الطبيعية للبشر، وهي تعالج وفق رؤيتها التعبيرية، موضوعة التجبُّر والتسلط والاستحواذ على المقدَّرات والموارد والأحلام، حتى الأحلام يستطيع الرجال الفوقيون مصادرتها وإيداعها المعتقلات، والحجْر عليها، فهي قد تُعدي الآخرين، وتحرِّضهم على الحلم، وكشف المستور وإعلان الحقيقة الخافية على الناس البدائيين الذين هم عماد» مدن السور والمدماك الساطع والأمثل لها .
تحمل الرواية في سياقها العام، رؤى فلسفية، وعرفانية، وتوقاً إلى العلم، والمعرفة بشتى أصنافها الجمالية، وشخصياتها هم طلبة متفوقون من الناس الطبيعيين، يسعون إلى فك شفرات العلم واللوغوس الخاص بهذه المعارف، همُّهم البحث، والمزيد من التوغل في عالم الاستبطان العلمي، من أجل توضيح التاريخ البشري، كيف تمّ، وكيف بدأ، واستوى، ليسري ويؤسس عالمه، ومساره، عِبر الأزمنة المتوالية، منذ الفراعنة، وبحثهم الدؤوب لتخليد الآدمي، ومنذ جلجامش وتطمينه للموت، وبحثه عن السر من أجل المواصلة باتجاه الأبدية، ومنذ أيضاً بروميثيوس الذي ضحَّى وجازف وغامر من أجل شعلة معرفية، لكي تضيء مساره المتعرِّج بين الآلهة .
تحت سماء هذه النظرة الشغوفة بالتطلع، لإيصال الشعاع الأزلي، وهو تطلع شاق وقع في أتونه أغلب المتصوِّفين العرب الباحثين عن العرفان والتائقين لرؤية الجوانيات وعوالم الباطن ذات السمة التسترية، وبذا تتقدم شلة من الطلبة المصريين المتفوقين من خارج السور، في طليعتهم آدم الطالب المهووس بالمعرفة ولحظات الكشف التي تؤرِّقه وتطرد عنه النوم، يتقدم ببحثه ضمن مجموعة «السيمنار» وتحت إشراف أستاذه الحكيم والعارف بمسار التاريخ وشخصياته التاريخية القديمة، يبحث هنا آدم مع طلاب رفاق، يجتهدون في السعي إلى تجسيد الطابع العلمي، في بحوثهم المدعومة، بخرائط وإرشادات تُدل الطلبة إلى تلك العوالم، والتواريخ البعيدة عن زمنه الحالي خارج السور .
تجنح الرواية إلى الإيهام، وبالأخص في مسألة المكان، ففي الجنوب الشرقي للقاهرة شُيِّدتْ «مدن السور»، فهناك «يعيش داخل السور البشر فوق العادة، وقد تآكلت الكلمات، فمحت السرعة كلمة بشر، ومحا الملل كلمة عادة، وتبقت كلمة فوق، وحدها لتصف ناس المدينة بكل ما يمتلكونه من قدرات خارقة».
وفي النهاية انقسم العالم ليس في القاهرة فقط، بل في العالم كله، إلى ثلاث طبقات من البشر: طبقة السادة، أي الفوقيين، وطبقة العبيد أي البدائيين، وطبقة ثالثة لا يأتي أحد على ذكرها، أي البزرميط، ويبدو أن هذه الكلمة تعني مصرياً وفولكلورياً، الحثالة، حسب مفهوم السادة الفوقيين .
كان آدم يسير في منهجه حسب إرشادات معلمه، فقرأ واستوعب وحفظ كل تاريخ شعوب العالم، الحضارات الرافدية والفرعونية والفينيقية، واليونانية والمكسيكية، والصينية والهندية والرومانية، لكي يكون قادراً على التوغل في معالم الخريطة التي رسمها وهيأها أستاذه له. لقد عرف آدم هو وميرا كل قصص الحياة من خلال مواظبته على ارتياد «مبنى الحياة» وانخراطه مع زملائه في طلب العلم، والحصول على سر الحياة، عبر قراءة منهاج الحياة للآخرين .
في ضوء هذا الإطار، صار الكل يكتب سيرته وقصة حياته في «مبنى الحياة»، فقد كتبها والد آدم، وكتبها أيضاً والد ميرا أو ميريت، وهم سعداء بذلك لتقديم المعلومات عن حياتهم، وإفشاء أسرارهم، وكشف عيشهم لـ «مبنى الحياة» هذا .
تظهر شخصيات أخرى في مسار الرواية، مثل الطبيب بديع المدمن على الكحول، وحكايته الغريبة التي ترويها ميرا لآدم، وثمة قصة طارق ومقتله الغامض كونه تدرب على وسائل التمويه واختراق حجب «مدن السور» وعالمه الفوقي، مما أهله لأن يحتفظ بمشاعر غير منظورة، لذا كانت ملفاته في الشرطة ناقصة ومسروقة، حتى والده وهو برتبة لواء في البوليس، لم يستطع الشفاعة له، بل استراب من الأمر وعدّ ولده طارق يعاني من أمراض عقلية، وثمة أيضاً منتصر الصايغ الذي أشاد العالم الأكبر بعمله في فك الشفرات، وعلم تتبع الموجات القديمة فوق الأثير، ونتيجة ثقافته العميقة وإلمامه بالتاريخ، سيكون أحد أهم قصاصي الأثر في عالم القبو، هذا بالإضافة إلى توصُّله إلى معرفة اكتشاف أول كتابة، عن اصطياد الأطفال للأحلام والتي سيقدمها في السيمنار القادم.
يلتقي التلاميذ مثل رمزي وكمال وميرا وعادل في مكتب العالم الأكبر، مُقدِّمين أبحاثهم ومبتكراتهم في مسابقة للمكتشفين، لتحديد الفائز الذي قدَّم منجزاً عالي القدرة والإمكانية، والجاذبية. الكل يقدِّم ما بين يديه، بالطبع المخترعات تميل إلى الجانب السوريالي والخيالي والفنتازي، يقدِّم رمزي مثلاً مشروع السَّحالي، مثل الخنفساء القاذفة، ثعبان الماء الرعاش، وغيرهما، بينما يقدِّم كمال السرطان المسدس، والأخطبوط وغيرهما من التجارب التي تُعرض على التلاميذ، في حضرة العالم الأكبر الذي يراقب ويقترح : «اعملوا على مهل وإلا خلقتم المارد الذي يحطمكم هذه المرة من الداخل، لأنكم ستفقدون السيطرة عليه، إن عاجلاً أو آجلاً» .
هذه الفنتازيا الجميلة بسورها المبني بعد العهد الملكي، صارت دنيا جديدة قائمة بذاتها، وصار لها تاريخ جديد أيضاً، فهناك تاريخ ما قبل السور، وما بعد السور، يرمز له على سبيل الاختصار، «ق س» ويعني ما قبل السور و»م س» وتعني ما بعد السور، فمنتصر يختفي ويقتل، أما سبب مقتله فهو اكتشافه لباب الحياة، وكذلك سيكون مصير آدم في النهاية. طبعاً ثمة فصول مثيرة تنير الرواية بمدلولها، مثل فصل «منع الشركات من الوصول إلى المخ»، وفصل باب التطهُّر والافتداء والموت وقائدات الانتحار، وهنا ثمة شفرة رمزية تشير إلى ما وصل اليه تنظيم «داعش» في تجنيد النساء الانتحاريات، وتسمى من قبل الراوي العليم في الرواية «التطهُّر» كون الموت يشكل بالنسبة لأبطالها المتطهِّرين «باب الحياة». وثمة فصل «الانتحار الجماعي» ومتطوعوه من الرجال والنساء، وهناك الانتحار من داخل المسيرة التي تظهر فيها الجموع المنصهرة، وهي تنشد الخلاص والنهاية والعدم، كل ذلك سيؤدي إلى ظهور مايسة، الصحافية المغامرة، في كشف أوكار الإرهابيين، وغيرها من الفانتزمات التي شكلتْ البنية الرمزية، والدرامية لهذا العمل، الذي سعى حسب رؤى الرواية ومفاهيمها الجدلية، إلى تقليص الوفرة البشرية، وحصرها بأناس قليلين، في كل العالم، مما سيؤدي مستقبلاً إلى قيام حياة أفضل، وتوفير فرص عمل للجميع، ووفرة في الطعام، كل ذلك سيحدث بعد الانصهار العام في الموت، والغياب الجماعي، المُخطط له بأوامر عليا، عالمية وفوقية.

هالة البدري: «مدن السور»
الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 2017
287 صفحة.

وليمة غرائبية تفضح التسلّط وتحرّض على الحلم
الروائية المصرية هالة البدري في «مدن السور»:
هاشم شفيق
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left