فيلم «طلق صناعي».. فكرة مُنتحلة وخيال ضحل

سينما الدعاة الجدد

محمد عبد الرحيم

Feb 03, 2018

القاهرة ـ «القدس العربي»: «أكدت شركة (نيوسينشري) للإنتاج السينمائي، أن فيلم (طلق صناعي) تدور أحداثه فى عهد الرئيس المخلوع محمد مرسي، وتمت كتابته عام 2012، ويكشف عن معاناة المصريين والدولة في تلك المرحلة، وأن تلك المعاناة دفعت الكثير منهم للتفكير في الهجرة، وهذا ما ترصده أحداث الفيلم فى إطار كوميدي. والفيلم لا يمكن تصنيفه كعمل سياسي بقدر ما يعد اجتماعياً في الدرجة الأولى، لكونه يرصد حالة التشاؤم التي سيطرت على المجتمع بعد وصول جماعة الإخوان إلى الحكم». البداية هكذا إذاً، تقديم فروض الطاعة والالتزام برؤية النظام الحالي، والذي من خلال بيان الشركة بالطبع لا يمت بصلة للحالة التي يرصدها «طلق صناعي» أو ما يُسمى بفيلم سينمائي. وكعادة «آل دياب» في أعمال سابقة، مثل فيلم «اشتباك» فهي محاولات أشبه بالرقص على الحبال، من دون رؤية واضحة ومحددة من صُنّاع العمل تجاه الأحداث الجارية، طالما يتورط العمل في التعرض لها، ويحاول الانتساب دوماً لكونه عملاً ثورياً يجد الكثير من عديمي الموهبة أو بالكاد أنصافها بالتهليل له، وكأنه الفتح المبين. أما في «طلق صناعي» فالأمر أشبه بالمزحة ثقيلة الظل، كروح أصحابه وأفكارهم حول السينما والفن، وطبيعة الجمهور الموجه له العمل. العمل أداء ماجد الكدواني، وحورية فرغلي، وسيد رجب، وعبد الرحمن أبو زهرة، ومحمد فراج، ونجيب بلحسن، وأكرم الشرقاوي، ومي كساب، وبيومي فؤاد، وعلي الطيب. ديكور محمد أمين، تصوير فيكتور كريدي، صوت أحمد عدنان، مونتاج وائل فرج، ملابس مي جلال، موسيقى تامر كروان. تأليف محمد وخالد وشرين دياب، وإخراج خالد دياب.

الطلق الثوري

تدور أحداث الفيلم خلال يوم داخل السفارة الأمريكية في القاهرة، الزوج حسين/ماجد الكدواني، وزوجته الموشكة على الوضع هبة/حورية فرغلي، يحاولان الحصول على تأشيرة السفر إلى الولايات المتحدة، لكن يتم رفضهما، فيقرر الزوج أن يعطي زوجته دواء يُعجّل من عملية الولادة، حتى تلد داخل السفارة ليحصل الطفلان التوأم على الجنسية الأمريكية. وبالمصادفة المفتعلة يستولي حسين على سلاح أحد رجال الأمن ويهدد كل من في السفارة، يتواصل معه مدير أمن القاهرة/سيد رجب، والسفير الأمريكي/نجيب بلحسن، لإقناعه بالخروج إلا أنه يرفض أن يخرج قبل أن تلد زوجته. وفي الأخير وبعد مماطلات وافتعال مواقف يطلق عليها أصحابها كوميدية، يستسلم حسين، وتلد الزوجة طفلاً داخل السفارة وآخر خارجها، ليصبح كل منهما حاملاً لجنسية مختلفة، بينما يتحدث حسين في النهاية وهو في سيارة الشرطة وقد عرف مصيره، بأنه الآن «مطمّن»، خاصة وقد جاءت جموع الشعب المصري الثوري تقف معه تناصره وتتعاطف وحالته، هاتفة ضد الأمريكان، وقد أصبح المواطن حسين، مثال للحافز أو (الطلق) الصناعي الثوري للمصريين. وهكذا يصبح الحدث الثوري أو استعادة لقطات تشبه ثورة 25 يناير، فيها الكثير من السخف والابتذال، متماشية مع النظام السياسي الحاكم، الذي يدور في فلكه صانعو الفيلم ــ مبدأ التقية الموصوم به المتأسلمين ــ حفاظاً على أنفسهم والفئة التي ينتمون إليها، ويعملون من أجلها.

إنتحال رخيص

من المثير للغرابة أن الرقابة كان لديها العديد من الاعتراضات، وتبارت الأقلام الصحافية تحثها على الشجاعة وكشف سماحة النظام، وبالفعل جاءت التحيات لمدير الرقابة، الذي واجه وناضل بيد واثقة غير مرتعشة، وقرر السماح بعرض الفيلم، والأدهى أن السبب الرئيسي هو تشابه أحداث العمل مع عمل آخر هو «الإرهاب والكباب» تأليف وحيد حامد وإخراج شريف عرفة. وعلى اعتبار كون ما فعله وحيد حامد يقع تحت مُسمى «التأليف» إلا أن الفيلم الأساسي الذي يعيدون انتحاله أو سرقته ــ فلا أحد من المؤلفين، سواء حامد أو آل دياب أشار للمصدر ــ هو فيلم Dog Day Afternoon الذي قام ببطولته آل باتشينو وأخرجه سيدني لوميت عام 1975. إلا أن الفارق بين وحيد حامد ومحمد وخالد وشرين وهناء، هو الفارق الحرفي، فحامد مُنتحل بوعي ــ العديد من أعمال وحيد حامد منتحلة من أعمال أجنبية، وقليلاً ما يذكر المصدر، راجع مثلاً «أحلام الفتى الطائر» وفيلم «طار فوق عش المجانين» أما حكاية آل دياب فالأمر لا يمكن احتماله.

هنعمل إيه؟

و»بعدين، ماذا بعد تأزم الموقف، وقد أصبح البطل في مأزق. ماذا سنفعل؟ نشتغل شوية على الشخصيات بقى، الكل عاوز يهاجر لأمريكا لأسباب مش حقيقية، مسلم يدّعي إنه مسيحي مُضطهد، اثنين عاملين مثليين، واحد عامل دكتور وهو سايب الكلية من أولى طب، موظف أمريكي عامل شرير وعارف كويس كذب المصريين. وممكن نجيب بنت أمريكية بتحب واد مصري شغال معاها في السفارة، وده بيعجب قوي عندنا، مصري بقى وبتاع، فالواد الأمريكي بيغيرر منه واخد موقف من المصريين كلهم. طيب تمام، وبعدين؟ يعني بقى شوية مواقف كوميدية، خاصة الدكتور اللي مش دكتور والست على وشك الولادة، ونخرج برّه السفارة ونشوف الأمن المصري بيتعامل ازاي ونقارنه وموقف السفير الأمريكي. بس كده هتحصل مشاكل. لا ما احنا في النهاية هنجيب إن السفير هيستعين بجنود المارينز، ويدمر الكل، هما همج برضو، عينهم زرق وشعرهم أصفر، بس برضو العنف والهمجية في دمهم. حلو قوي، لازم بتاع الأمن المصري يقول الجملة دي، أهو .. نلمّس مع اللي عملوه الأمريكان في العراق وكده، ويبقى ما زعلناش حد من عندنا. ولازم البطل يقول جملة أو كلمة مؤثرة في الآخر. ما حدش يخاف على ماجد الكدواني هو كل كلماته مؤثرة، خاصة وإنه في الفترة الأخرة بقى حكيم الزمان والعصر والآوان، بيتكلم من مقام حكيم الفلاسفة .. ع البَرَكة». (جلسة مُتخيّلة لأصحاب حكاية طلق صناعي).

من إمام الدعاة إلى عمرو سلامة وآل دياب

كنا لا نزل طلبة في معهد السينما، قسم السيناريو، وكان «د. رفيق الصبان» رحمه الله، كعادته يعرض لنا أفلاماً غير معتادة ــ قبل ثورة النت ــ فاعترض بعض رفاق الدُفعة على نوعية هذه الأفلام، فردّ الرجل ساخراً «وهو كذلك، سأعرض لكم إمام الدعاة». وهو مسلسل موجّه يستعرض حياة الشعراوي ــ المآثر كما في مخيلة العامة، دون الموبقات بالطبع ــ لم أكن أدري وقتها وبعد مشاهدة بعض أعمال عمرو سلامة، خاصة «شيخ جاكسون» وأعمال دياب. أن أعمالاً ستنتمي لشكل وفكر «إمام الدعاة» يطلق عليها سينما. لا يتمثل الأمر في سيرة رجل دين وما شابه، ولكن فكر الفئة الجديدة من الدعاة أو الدهاة بمعنى أدق ــ معز مسعود شارك في إنتاج فيلم اشتباك، وعمرو خالد يوحي لمريديه فيفعلون ــ فهم لا يرفضون الفن، كأصحاب العمائم من الأزاهرة المتشددين، ولا هم متجهمون، بل يبتسمون ابتسامة الصَدَقة المعهودة والمصطنعة، فالنسل الجديد من الدعاة، يرتدون على الموضة، ويُبشرون الفئة العليا بمكانهم المحجوز في الجنة ونعيمها، بل ويفرضون رؤيتهم على الفن ــ التمويل لا حدود له ــ وبالتالي يقدمون للمتفرج العادي موضوعات وأفكارا سطحية، يسهل عليه فهمها والتفاعل معها، فيثق في نفسه أكثر، فالسينما نظيفة وحلوة، ويجب تأسلمها. فكرة التسطيح هذه لن تجد مَن يرفضها، طالما أنها تتناسب والجميع، الجمهور والسلطة، والأخيرة أكثر سطحية ودروَشة من الجمهور. وهكذا تتسابق الدعاية والأبواق من قاصري العقول، وهم أغلبية ــ كعادة الأغلبية ــ بالتهليل والترويج لهذا العمل أو ذاك.

فيلم «طلق صناعي».. فكرة مُنتحلة وخيال ضحل
سينما الدعاة الجدد
محمد عبد الرحيم
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left