بواكير شعر الحب الدنيوي الأوروبي

دور القصيدة العربية في ظهوره وتطوره:

عبدالواحد لؤلؤة

Feb 03, 2018

في عامي 1965 و1966 نشر أستاذ باحث بريطاني كتاباً ضخماً بجزئين بعنوان «اللاتينية القروسطية وظهور شعر الحب الأوروبي». والأستاذ الباحث بيتر درونكه قام بعمل بحثي كبير، وهو الخبير باللغة اللاتينية أساساً، وربما بالاغريقية كذلك، حكماً على ما أورد من شعر الأغارقة، ربما عن ترجمة لاتينية، أو لغة أخرى. والكتاب يجمع أمثلة كثيرة من شعر الحب، بتواريخها وأسماء مؤلفيها، وبلغات أوراسيوية وأوروبية غير مشهورة. والدافع في هذا الجهد الكبير كله أن يثبت أن موضوع الحب معروف عالمياً، كما تشهد هذه الأمثلة المتنوعة، وأن «العرب لم يخترعوا شعر الحب».
لا أدري من صاحب هذه المقولة ـ التي تقترب من تهمة تستدعي النفي. ولكن النفس العام في المناقشات في هذا الكتاب بجزئيه يوحي بأن العرب «لم يخترعوا شعر الحب» فقد سبقهم غيرهم من الشعوب، ويكاد النقاش يوحي بأن أمّنا حواء كانت تترنّم بقصيدة غزل وهي تقدم التفاحة إلى حبيبها آدم، الذي لا حبيب غيره!
ترى ما هو السبب لهذه الحماسة في غير موضعها؟ علينا أن نستعرض بعض مظاهر الجو الأدبي ـ الشعري الذي ساد في أوروبا منذ عام 1790 وهو عام صدور كتاب الإيطالي جيا ماريا بارييري بعنوان «أصول الشعر المقفّى» الذي يسرد أمثلة كثيرة من شعر الحب بالعربية، بما يتميّز به من «قافية» غير معروفة في التراث الاغريقي ـ اللاتيني. يبيّن هذا الكتاب أمثلة غنية من شعر الحب بالعربية، مما لم يكن لشعراء أوروبا في العصور الوسطى من علم به. ولكن تواريخ تلك القصائد تشير إلى أنها سابقة في الظهور على أول شعر بأية لغة أوروبية غير تراثية، هي لغة إقليم بروفنس، في جنوب فرنسا، أول عامية انسلخت عن اللاتينية التراثية في بواكير القرن الحادي عشر، أي قبل ظهور الايطالية، عامية اللاتينية في القرن الرابع عشر، على يد دانته صاحب «الكوميديا الإلهية».
ثم ظهر في السنة اللاحقة 1691 كتاب الباسكي إيستابان أرتياغا بالايطالية كذلك بعنوان «الأثر العربي في جذور الشعر الأوروبي الحديث». وتوالت الأبحاث على امتداد القرن اللاحق، تبين بالأمثلة والنصوص أن الشعر الأوروبي «الحديث» كان متأثراً بالمعروف من الشعر العربي من حيث نظام القافية، ومن حيث مفهوم الحب غير الكنسي الكاثوليكي والموقف من المرأة، في أمثلة من الشعر غير العفيف، وغير النبيل، وحتماً غير العذري الذي يتغزل بالمرأة الوحيدة المسموح كنسياً بالتغزل بها: مريم العذراء.
وقد توالت الأبحاث التي تُظهر دور الشعر العربي في ظهور وتطوّر شعر الحب الدنيوي الجديد على أوروبا، وبخاصة في أعمال الباحثين الإسبان مثل إيميليو غارثيا غومذ وآنخل غونذالث بالنثيا وآسين بالاثيوس وغيرهم. تبيّن تلك الأبحاث شيوع أفكار عن الحب وصدرها كتاب «الزُّهَرَة» لإبن داوود الذي ظهر ببغداد عام 890م وبعده كتاب «طوق الحمامة في الألفَة والألاّف» لابن حزم الأندلسي الذي كتبه في شاطبة عام 1022م. في هذين الكتابين أمثلة كثيرة عن حب دنيوي لم تعرفه أوروبا القروسطية ولا يوجد ما يماثلها في الموروث من الشعر الاغريقي أو اللاتيني. وليس لدينا ما يثبت أن هذين الكتابين قد ترجما إلى اللاتينية ليكونا في متناول أول شاعر حب غنائي مثل الأمير غِيّوم التاسع (1071ـ 1127) أول الشعراء التروبادور الذي نظم بلغة بروفنس أولى العاميات الأوروبية، ولدينا منها إحدى عشرة قصيدة تبيّن بما لا يقبل الشك ظهور القافية التي تشبه نظام بعض الموشحات والأزجال، وكان غيّوم معاصراً لعدد من الوشاحين، وبخاصة للزجال ابن قزمان. كان هذان الكتابان معروفين لدى عرب الأندلس، دائمي الحرص على ما يصدر في بغداد العباسية وغيرها من شعر وأدب. وبسبب من ازدواجية اللغة في الأندلس، لم يكن من الصعب على أي شاعر تروبادور أن يستمع إلى أندلسي يشرح له «بلَطِينية الأندلس» أي قصيدة عربية أو مفهوم أدبي يستند إليه في قصيدة يكتبها بالبروفنسية. من النصوص الشعرية لأول شعراء التروبادور، بالبروفنسية، نقرأ للأمير غيّوم القصيدة رقم 8: «أودّ أن ألقي بنفسي إليها/ لكي تشملني في سجل عشاقها/ ولا تحسَبَنّي، بسبب ذلك، ثملاً/ إذا كنتُ أحبّ سيّدتي/ لأني من دونها لا أقوى على العيش/ فقد كان جوعي لحبها بالغ الشدة/ فهي أشد بياضاً من العاج، لذا فإني لا أعبُد غيرها/ فإن لم يأتني العون سريعاً/ وتُحبّني سيدتي الجميلة/ فسوف أموت، قسماً برأس القديس غريغوري/ إن لم تقبّلني في مخدع النوم أو تحت العريشة/. نظام القوافي هنا يشبه الكثير من قوافي الموشحات:B-A-B-A-A-A ثم: B-C-B-C-C-C: .
اما المشاعر والموقف من هذه الحبيبة القَتول فهو الذي دفع البابا إنوسنت الثالث أن يقود حملة نحو الجنوب الفرنسي، قادماً من باريس الشمال الكاثوليكي المؤمن ليطهِّر البلاد من أهل الجنوب الفرنسي «الوثني»، ويتسبّب في هجرة شعرائها التروبادور الجوّالين نحو صقليا والجنوب الايطالي ليزرعوا بذور شعر حُبٍّ جديد مالبث أن أينَعَ شعر دانته وشعر جماعة «الأسلوب العذب الجديد».
هل في هذا المثال وما تبعه من أعمال حوالي أربعمئة من شعراء التروبادور ما يشبه ما سبقه من شعر أوروبي، في موقفه من الحب والمرأة، وفي قوافيه الوافدة؟
من لي بمن يُخبر الباحث الكبير بيتر درونكه من جامعة كمبرج، أن أحداً لم يَقُل إن أوروبا لم تعرف الحب شعراً وموقفا قبل أن يقدمه العرب إليهم عن طريق الأندلسيين بلغتهم المزدوجة، من العربية وإسبانية ذلك الزمان؟ ولكن، هل هذا الحب «الجديد» على أوروبا، بشعره الموزون المقفى، يشبه ما ورثه الأوروبيون القروسطيون عن تراثهم الاغريقي اللاتيني؟ يخبرنا دانته الايطالي من القرن الرابع عشر، وآلفريد جانروا الفرنسي، بعده بقرون إن شعر بروفنس لا سابقة عليه، وإنه لا جذور له في التراث الأوروبي، فالحب عند أوفيد حسّي ومصدر لذة جسدية، مُخجل ومُهين. والأغارقة ما كانوا ينظرون إلى المرأة نظرة احترام، كما نرى في آراء ديموستينوس كبير خطباء أثينا. أما شعراء التروبادور فالحب عندهم يُعلي منزلة الرجل. هذا مثال من برنارت ده فنتادورن (1145 ـ 1175): «أيتها السيّدة الطيبة، أنا لا أسألك/ سوى أن تتخذيني خادماً/ سيخدمك كما يخدم سيداً نبيلاً/ مهما تكن المكافأة/ وها أنا طوع أوامرك/ وسأكون نبيلاً ومهذباً، مرحاً، طيعاً». لنقارن هذا بشعر العباس بن الأحنف، من العصر العباسي:
إقبلوا ودّي فقد أهديتُه ثم كافوني بصَدٍّ، فهو وُدُّ
هذه نفسي لكم موهوبةٌ خيرُ ما يوهَب ما لا يُستَرَدُّ
ومن الأمثلة الكثيرة على التشابه بين شعر التروبادور وشعر الموشح والزجل السابق عليه أو المعاصر له، أسوق هذا المثال من موشّحة للأبيض الوشّاح ومعاصره التروبادور ماركبرو يقول الأبيض:
ما لذّ لي شُرب راحِ/ على رياضِ الاقاحِ/ لولا هضيم الوشاحِ/ إذا انثنى في الصباحِ/ أو في الأصول/ أضحى يقول/ ما للشَمول/ لَطمَتْ خدّي/ أو للشمال/ هبّت فمال/ غصنُ اعتدال/ ضَمّه بُردي/….
وقوافي هذه الموشّحة: C-D-D-D-C-B-B-B-A-A-A-A وهذا هو نظام القوافي في قصيدة ماركبرو باستثناء طفيف. ويمكن سرد الكثير من أمثلة التشابه في مفهوم الحب الجديد على هذا الشعر الجديد في أوروبا القرن الحادي عشر فصاعداً، ومنه انتشر إلى الشعر الايطالي، وهو الشعر الجديد على أوروبا، بلغة هي عامية اللاتينية، وما تفرع عنها من لغات جرمانية أو فرنسية واسبانية، وصولاً إلى عصر النهضة الأوروبية في القرن السادس عشر، مما يظهر بصورة جليّة في الشعر الإنكليزي، ومنه شعر شكسبير على الخصوص.

بواكير شعر الحب الدنيوي الأوروبي
دور القصيدة العربية في ظهوره وتطوره:
عبدالواحد لؤلؤة
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left