الكرك أو «كاركو» و«صخرة الصحراء» حب وقلعة ومعارك من زمن الآراميين

بسام البدارين

Feb 03, 2018

عمان ـ «القدس العربي»: عندما تحركت خلية إرهابية تتبع تنظيم «داعش» قبل عامين في أطراف مدينة الكرك التاريخية جنوب الأردن، اتجه أفراد الخلية المسلحين إلى قلعة الكرك الشهيرة، بهدف التحصُّن والحماية وتغطية اختطاف رهائن.
السلوك في جانبه الإجرامي هنا متوقع، لكن الأهم هو ردة فعل الشارع الكركي وأهالي المدينة، ثم خطة الأمن السريعة في التعامل مع المسألة في ظرف مُعقّد.
مئات من أبناء المدينة في ذلك اليوم التأريخي حملوا أسلحتهم الفردية وتجمعوا حول قلعتها التاريخية في مواجهة مباشرة مع المسلحين الإرهابيين، لا علاقة لها بالدفاع عن النفس والوطن. ولكن بالكرامة المحلّية التي تمثلها هذه القلعة بعد أن أدخلها الحادث الإرهابي مُجددًا، خلال ساعات فقط من محاصرة المسلحين، تحت الأضواء الكاشفة للإعلام العربي والعالمي.
التقطت إحدى كاميرات الفضائيات العربية العجوز الكركي، علي العضايلة، في مشهد أثار الكثير من الجدل وهو يحمل بندقيته القديمة ويصعد منفردًا نحو بوابة القلعة بسلاح شخصي عتيق لا يُمكنه أن يَصلُح لمثل هذا الموقف.
سأل المراسل الصحافي العجوز عن خطته في الاشتباك، فقال بردة فعل عفوية تلقائية: «الأرواح لا تهم هنا، ولكن أحجار قلعتنا ينبغي أن لا تتزحزح من مكانها».
وأوضح العضايلة لاحقًا أنه طلب من أولاده وأحفاده الحضور للمكان للدفاع عن أحجار القلعة قبل أي شيء آخر.
المفارقة اكتملت بعدما وصلت خلية الأزمة الأمنية للتعاطي مع حادثة القلعة واحتجاز الرهائن، فضباط الأمن بدأوا برسم خطتهم على أساس أولوية واضحة وأساسية ومباشرة؛ وهي الحرص على جدران القلعة وحتى على غبارها أكثر من الحرص على أنفسهم أو حتى على الرهائن وغالبيتهم من الأردنيين أيضا.
بدا أن الإرهاب هنا عندما احتمى في قلعة الكرك أراد أن يجرح رمز أهالي هذه المدينة الجنوبية، التي طالما تميزت بشخصية محلية خاصة وببعد تراثي فريد، قياسًا بكل مدن المنطقة، وبموقع جيوسياسي جعلها إحدى نقاط الوصل الأساسية بين الجنوب والوسط والشمال، ليس فقط في التأريخ العصري والحديث، ولكن في بدايات عقود وقرون حركة النقل عبر القوافل وحركة المقايضة التجارية.
في ذلك الحادث أيضا أنهى إجازته بسرعة، المقدم في قوات الدرك ابن إحدى أعرق عائلات المدينة سائد المعايطة. ترك الضابط الشاب زوجته وطفله الصغير عندما سمع بعصابة مسلحة تحتمي بقلعة مدينته، فارتدى فورا زيه الرسمي وحمل سلاحه الرشاش ولم يرتدِ السترة الواقية من الرصاص، وتجنّب الانتظار ودفعته الحمية لاقتحام بوابة القلعة فسقط شهيدًا باسم الواجب وأبناء الكرك وعشائرها، بعدما تمكن من تشتيت العصابة المسلحة وقتل أحد أفرادها.
الشهيد سائد أصبح أيقونة كركية اللغة والطابع والهُوية، بالنسبة للحالة السياسية والإقليمية الراهنة، في وجدان أهالي وعائلات وعشائر مدينة الكرك، خصوصًا أنه قائد مجموعة اشتباك، ولم يكن عنصرا عاديًا في فرقته المتخصصة بالاقتحام.
احتفى الكركيون بشهيدهم، وسقط آخرون في العملية ذاتها من رجال الأمن، وقتل المسلحون جميعهم وتم تحرير الرهائن كلهم من دون أن يخدش واحد، ولم يتحرك أي حجر من مكانه في قلعة الكرك.
تلك قصة حديثة، طازجة تعيد إنتاج هُوية المكان العصرية في واحدة من أهم المدن الأردنية وأكثرها عراقة ووداعة في حضن طبيعة خاصة وهُوية غير قابلة للاستنساخ فيها ما هو صحراوي وما هو جبلي وما هو سحيق.

نقطة الوصل بين شمال ووسط المملكة وجنوبها

هي إذًا مدينة الكرك الأردنية التي يتميز أهلها بكرم شديد ومحبة للضيف والزائر والسائح، وفيها سلسلة من المواقع الأثرية إضافة لطبيعتها الجذابة.
لكن أهمها تلك القلعة التي كان لها دور كبير على مدار عصور التاريخ في خطط الدفاع العسكرية وفي الثورات وفي كل الحروب التي شهدتها المنطقة، سواء على ضفاف البحر المتوسط الذي تفصله عن الكرك مناطق جنوب فلسطين، أو في اتجاه شمالها من جنوب الشام أو غربها حيث الجزيرة العربية وملحقاتها.
الكرك محافظة تقع في جنوب الأردن. يحدّها من الجنوب محافظة الطفيلة ومن الشمال محافظة مادبا ومن الشمال الشرقي منطقة القطرانة ومن الجنوب الشرقي سد السلطاني ومن الغرب الأغوار الجنوبية.
تعتبر مدينة الكرك عاصمة المحافظة، أما عن طبيعة سطحها فتتميز بالمرتفعات غرب الكرك، ومن هذه المرتفعات مرتفعات مؤاب وتسمى ذيبان الآن.
ومن الشرق يسودها المناخ الصحراوي حيث هناك صحراء خالية من السكان تشكل عنصر الطريق الصحراوي الحديث الذي يؤمن نقطة الوصل بين شمال ووسط المملكة وجنوبها.
«قلعة الكرك» أهم المواقع الأثرية للمدينة. بناها الصليبيون، ثم سيطر عليها الأيوبيون بقيادة صلاح الدين الأيوبي بعد تحرير المنطقة وجعلها قاعدة لوجستية لقواته في طريقه لتحرير القدس.
أما إداريًا، تقسم الكرك إلى لواء عي ولواء القصر ولواء المزار ولواء الأغوار الجنوبية ولواء القطرانة ولواء فقوع.
ويمتاز لواء عي بأنه الأجمل من حيث المناظر الطبيعية والأشجار المزروعة هناك ويمتاز لواء الأغوار بأنه منطقة زراعية وفيها البحر الميت وهو أخفض بقعة في العالم.

القلعة أو المدينة المسورة

تقول كتب التأريخ إن الكرك عرفت بأسماء عدة منها: قير مؤاب وكرك موبا وكرخا وكاركو، وهذه الأسماء جميعها آرامية الأصل والجذور، تعني القلعة أو المدينة المسورة أو المحصنة.
وما يميز قلعة الكرك، الأبراج التي تحيط بها، التي بنيت بفخامة فائقة، ومنها برج البناوي والسيوب والزهير وهي أبراج دفاعية وعسكرية في المقام الأول، تطل على سلسلة من الوديان المحيطة.
قرب الكرك المدينة أيضا قلعة عثمانية تتبع منطقة القطرانة، بـُنيـَت على أنقاض قلعةٍ رومانية قديمة، من الحجر الجيري والحجر البازلتي. وتبلغ أبعادُ القلعـةِ ( 20 في 22 ) و(17في 35 ) مترا بارتفاع يبلغ متوسطـهُ 10 أمتار، والقلعةٌ مستطيلة الشكل لها بابٌ رئيسيٌ من الجهـةِ الشرقية.
وتكمنُ أهمية القطرانة وقلعتـُها بوقوعِهمـا على طريق الحج الشامي، كمركز عسكريٍ لحماية قوافل حجاج بيتِ اللهِ الحرام، وحمايةِ القوافل التجارية، وتعتبر مركزًا لخط الحديد الحجازي، ومكانًا يأوي إليه المسافرونَ، ومدخلًا رئيسيًا للمناطق الجنوبيةِ من الأردن، وموقعًا للتزودِ بالمياهِ من بـِركتهِ.
يخترق متنزه عين سارة السياحي وهو مرفق مهم في الكرك مجرى سيل عذب ينبع من العين ويروي مزارع الوادي. حيث تروي عشرات آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية في وادي الكرك وبذان وبردى التي تشتهر بزراعة العنب والزيتون، والمشمش، والرمان، وبعض الخُضَر والخَضْروات.
أما وادي الحماد فيضم حمامات معدنية علاجية، ويقع في الشمال الغربي لمدينة الكرك على بعد 25كم ويعتبر من المناطق السياحية ويرتادها السياح من داخل المملكة وخارجها وخاصة الأوروبيين لوجود مناطق للتسلق والمغامرات والسير على الأقدام في الوادي.

مقام النبي نوح

ثمة أضرحة للصحابة تعتبر من أهم المواقع الأثرية وسط الكرك وفي قرية مؤتة، حيث المعركة الشهيرة في التاريخ الإسلامي، حيث يقع مسجد الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، على بعد 140كم جنوب مدينة عمّان في محافظة الكرك/مدينة المزار الجنوبي حيث وقعت معركة مؤتة، وهي أولى المعارك الإسلامية التي شهدتها أرض الأردن.
وكان قادة مؤتة الثلاثة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحه رضي الله عنهم جميعا قد استشهدوا واحدا في إثر الآخر في معركة مؤتة ودفنوا في منطقة قريبة من أرض المعركة، حيث أنشئت بلدة المزار بعد ذلك.
ثمة «محكية» دائمة على ألسنة أهل الكرك أقرب لأسطورة يتحدث عنها الدكتور عدي النشاب الذي درس تأريخ المدينة لـ»القدس العربي» فالكركي هو إنسان يستمع لسنابك الخيل وأصوات القتال وضرب الرماح والسيوف في ساعات الفجر في سلسلة القرى المحيطة بمؤتة.
يقع مقام النبي نوح عليه السلام خارج الأسوار القديمة لمدينة الكرك، والموقع عبارة عن غرفة مربعة تعلوها قبة جددت من العصر العثماني، وكانت سفوح التلال المحيطة بهذا الموقع تغطيها غابات كثيفة ذات أشجار عالية تصلح لصناعة السفن، والتنور الوارد ذكره في قصة نوح هو موقع لتلة وسط انشقاق أرضي عميق يختلف لونها عن لون الجبال المحيط بها والتي خرج الماء منها، وأعلى هذه التلة تدعى خربة التنور وهي على بعد 35كم عن الكرك.
وثمة مقامات شهيرة في المحافظة الجنوبية الخلابة منها مقام لوط عليه السلام الذي خسف الله بأهل قريته الأرض فتشكل البحر الميت حسب السرد الميثالوجي التأريخي.
ومنها أيضا مقام الخَضر عليه السلام في وسط مدينة الكرك التأريخية التي من أقدم أسمائها الصخرة أو صخرة الصحراء، والمقام قديم جدا يلجأ إليه المؤمنون للدعاء ونيل البركة، وفي القرن السادس عشر شيدت عليه كنيسة صغيرة لا تزيد مساحة أرضها على 40م لارتباط المكان بما حوله، وكان التقاء موسى عليه السلام والرجل الصالح عند الصخرة.

حصن الملوك

وقد عبر من الكرك الرحالة الكبير ابن بطوطة مرافقًا للركب الشامي المتوجه إلى الحج في شوال سنة 726 هـ / 1325م ووصف قلعتها ، قال : «ثم يرحلون إلى اللجون وبها الماء الجاري ، ثم يرحلون إلى حصن الكرك وهو مـــن أعجب الحصون وأمنعها وأشهرها ويسمى بحصن الغُراب والوادي يطيف به مـن جميع جهاته ، وله باب واحد قد نحت المدخل إليه في الحجر الصلد ، ومدخـل دهليزه كذلك وبهذا الحصن يتحصن الملوك، وإليه يلجأون في النائبات».
وبلغت الكرك أعظم فترة في تأريخها زمن الصليبيين عندما أطلق عليها اسم (كرك موآب) أو (جوهرة الصحراء) وكانت عاصمة لإمارة الأردن الخارجية، أما تحصيناتها فقد بناها (بايم) أمير الكرك والشوبك عام 1136 .
وأشهر الأمراء الذين حكموها – أو أكثرهم شقاوة ـ هو رينودي شاتيلون الذي قتله صلاح الدين بعد معركة حطين يوم 3 تموز/يوليو 1187 بسبب أعمال الغدر التي قام بها. وفي ذلك العام انتقلت الكرك إلى أيدي المسلمين.

وتؤكد وثيقة مرجعية للمواقع السياحية في الأردن أن أقدم كتابة عُثر عليها في الكرك حتى الآن هي آرامية على قطعة من العاج محفوظة الآن في متحف اللوفر في باريس.
وتذكر الكتابة الملك حزائيل في منتصف القرن التاسع قبل الميلاد. لذلك تذكر مسلة ميشع أن الملك ميشع بنى فيها سور الأكروبوليس وأبوابها وأسوارها وحفر بركتين للماء. وأتى ذكرها أيضا في سفر الملوك الثاني.
وفي سنة 105 بعد الميلاد اجتاح الرومان مملكة الأنباط واستولوا عليها فأصبحت الكرك تابعة للحاكم الروماني.
مسيحيًا كانت الكرك كرسيًا أسقفيًا في القرن الخامس الميلادي، وقد حضر أسقفها ديميتريوس مجمع القدس سنة 536 .
أتى ذكر الكرك في خريطة مأدبا الفسيفسائية أيضا حسب الوثيقة نفسها وتفتخر الكرك بقديسيها الأخوين ثيودورس وتيوفانوس، وكانا راهبين استشهدا في أثناء الحملة عن الأيقونات المقدسة قبل أن يرتبط اسم هذه الصخرة الصحراوية بزلزال عظيم في التأريخ دمرها مع قراها.

الكرك أو «كاركو» و«صخرة الصحراء» حب وقلعة ومعارك من زمن الآراميين

بسام البدارين

- -

3 تعليقات

  1. حقيقة معلومات مهمة واكثر من رائعة عرفناها عن هذه المدينة القديمة قدمها لنا كاتب المقال له كل الشكر والتقدير .

  2. اهزوجة كركية من القلب ….
    يا يمه شدي مهيرتي … تسلم وانا خيالها … لاشري لها السرج الجديد … ريش النعام يحلى لها… خله يموت خله يموت … خله يزور المقبرة … يا يمه لا تبكي عليه … هذي المنايا مقدرة..
    …. تاريخ عظيم لمعشوقة القلب والروح .

  3. Thank you Bassam
    شكرا بسام بدارين على هذا المقال الجامع المانع ، ويحتوي الكثير من المعلومات المفيدة والطيبة والمحببة، شاركت به على صفحتي فيسبوك، حتى أقرأه ثانية عندما ازور منطقة الكرك للمرة الثالثة في حياتي
    نازك ضمرة

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left