«إنزال» السعودية في المعاشيق «صفارة إنذار» لـعملية التسلل!

رلى موفق

Feb 03, 2018

لم يكن ما حدث في عدن، العاصمة المؤقتة للشرعية اليمنية برئاسة عبد ربه منصور هادي، مفاجئاً لكثير من المراقبين. المفاجأة تجلت في ذهاب «المجلس الانتقالي الجنوبي» بقيادة محافظ عدن السابق عيدروس الزبيدي إلى حدود الإطاحة الشاملة برمز الشرعية مع محاولة السيطرة على المجمع الرئاسي في المعاشيق. سحق الشرعية لا يدخل في إطار محاولات تحسين الأوراق أو إطار الضغوط الداخلية على هادي وحكومته. سحق الشرعية تغيير لكل قواعد اللعبة السياسية الراهنة في اليمن، حيث التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية يخوض حرباً لاستعادة اليمن من انقلاب الحوثي. هو تجاوز للخطوط الحمر، وإعادة خلط للأوراق في لحظة مهمة يتم فيها تضييق الخناق على الحوثي، الذي لم يتوان عن قتل حليفه علي عبداالله صالح والإطباق كاملا على صنعاء والمحافظات التي لا تزال تحت سيطرته.
الوضع اليمني معقد جداً، تاريخ من الصراعات المناطقية والقبلية، صراعات بين الشمال والجنوب ما قبل الوحدة وما بعد الوحدة، مشاريع اتحاد ومشاريع انفصال، يقظة «عودة حلم الإمامة»، ثورة على الفساد، ربيع «التغيير المتعثر والملغوم»، أطماع إقليمية، أدوار استعمارية قديمة وجديدة. اليمن رمال متحركة في الأصل، ومصدر قلق لدول الجوار، ملجأ لـ»تنظيم القاعدة»، والخاصرة الرخوة للسعودية التي تواجه منذ سنوات على حدودها الجنوبية حرب استنزاف إيرانية بأيدي الحوثيين.
هو كل ذلك وأكثر. ولمعارك عدن في ساعاتها الـ 36 رسائل وأبعاد عدة. ما حصل يتعدى الضغوط الداخلية على حكومة أحمد بن دغر. مؤيدو الشرعية يسمونه «إنقلاباً» يحاكي إنقلاب عبد الملك الحوثي، ومؤيدو التحالف يتجنبون استخدام تلك الصفة بحجة أنه صراع بين «أهل البيت» تحت مظلة هذا التحالف. ثمة تعابير مخفّفة تطلق هنا وهناك، مثل «اندفاعة» أو «حركة تصحيحية» أو «تمرد» أو «فتنة» وما شابه من المصطلحات التي لا يمكن للمراقبين التسليم بأن عوامل داخلية كانت فقط وراءها. الحديث هنا لا يعني الكلام عن دور الإمارات العربية المتحدة الشريك الأقوى للسعودية في التحالف. الإمارات لعبت دوراً رئيسياً في تحرير عدن ولها مصالحها وأجندتها. تعمل بشكل دؤوب على تمتين حضورها العسكري والسياسي ونفوذها سواء في الجنوب أو في الشمال. عينُها على حزب «الإصلاح» بما تعتبره امتداداً للإسلام السياسي ولجماعة الإخوان المسلمين، وكذلك عين كثيرين عليه من دعاة «انفصال الجنوب» الذي يروي يمنيون بحسرة أن كيانات عسكرية عدة ليست منضوية تحت لواء الشرعية تمنع المواطنين الشماليين من دخول عدن.
زاد على المشهد المُعقد العلاقات المتوترة بين هادي وأبو ظبي، ورعاية الأخيرة لكيانات عسكرية كـ»الحزام الأمني». وزاد عليه أيضاً مقتل صالح والدور المنتظر لطارق محمد صالح، والذي لم يصدر بعد أعترافاً فعلياً بالشرعية، وكذلك النقمة الشعبية على تقصير الحكومة الشرعية والفساد المستشري ومليارات من الدولارات دفعها التحالف وضاعت، وفوق كل ذلك المصالح والصراع على السلطة ومراكز النفوذ، وتصفية الحسابات.
غير أن ذهاب الأمور إلى حد التلاعب بالمعادلة القائمة في العاصمة المؤقتة وربما تبديل قواعد اللعبة وضع علامات استفهام حول ما كان يتم التخطيط له. يؤكد معنيون بالوضع اليمني أن ما جرى لم يكن يهدف إلى تحضير الساحة الجنوبية لتنفيذ مشروع إنفصالي. كان هدفه ممارسة ضغوط قوية على هادي من أجل توسيع حلقة الشراكة في الحكم. وكان جزء من الشارع مهيأ نتيجة إخفاقه في تشكيل رافعة، وفي مقاربة حكومته هموم الناس وفي إعادة الحياة إلى طبيعتها في المناطق المحررة، وتقديم أي مؤشرات لنموذج مختلف من الحكم، على الرغم من أنه جاء على وقْع «ثورة فبراير» متسلحاً بالمبادرة الخليجية وبمخرجات «الحوار الوطني» ولاحقاً بالقرار الدولي 2216 بعدما حصل الانقلاب عليه. وإذا كان هذا ما يؤخذ عليه، فإن مقربين منه يقرون بالتقصير الحاصل، لكنهم يعطونه والحكومة أسباباً تخفيفية نظراً إلى أن تعقيدات الوضع في عدن وتشابك المصالح وتضاربها بين اللاعبين المحليين ورعاتهم من التحالف التي تركت آثارها وتداعياتها على الوضع العام.
خروج الأمور عن السيطرة في عدن لمصلحة سقوط الشرعية لا يمكن أن يقرأ من زاوية يمنية صرفة. لا في العوامل ولا في النتائج والتداعيات. ثمة من يسأل عما إذا كان المطلوب الضغط على المملكة من وراء الضغط على هادي؟ مرد السؤال إلى ان سقوط الشرعية في عدن كان يعني صفعة كبيرة للرياض. وليس سراً أن المملكة تواجه ضغوطاً غربية حول اليمن وأن هناك دولاً تريد الوصول إلى تسوية في هذا البلد تُبقي الحوثي على كثير من قوته ووضعه العسكري، وهي مسألة لا يمكن للسعودية أن تقبل بها لأنها تكون بذلك تعيد تجربة «حزب الله» في لبنان.
ما يؤخذ به على المملكة أنها في خضم انشغالاتها وجبهاتها المتعددة المفتوحة داخلياً وخارجياً، أوكلت بجزء كبير من الملف اليمني إلى الإمارات. وحين تطورت المعارك في عدن وأضحى المجمع الرئاسي في المعاشيق محاصراً، كان لا بد من التدخل الفوري. نزلت القوات السعودية فحمت الحكومة وصانتها من السقوط وصانت نفسها في آن. شكّل التدخل السعودي رسالة واضحة بأن على اللاعبين جميعاً التوقف لا بل التراجع. وقفت إلى جانب الشرعية التي تستمد منها غطاء التحالف. وأعادت الوضع إلى ما عليه قبل «نصر» المجلس الانتقالي العسكري الذي حققه على الأرض. تلك الخطوة شكلت رفضاً واضحاً لتسييل السيطرة العسكرية وترجمتها سياسياً، أو بالأحرى لعملية التسلل التي جرت. فكان أن استعادت الشرعية كلمتها بعدما كانت على قاب قوسين أو أكثر من أن تنكسر. ولكنها استعادة ليست مطلقة نظراً إلى أن موازين القوى والتركيبة المجتمعية في عدن والجنوب التي لا بد من أن تفرض إيقاعها على الصورة العامة.
حين يجري الحديث في بيان قيادة التحالف العربي عن أن الأطراف كافة التزمت وقف إطلاق النار، فهذا يعني أن هناك أطرافاً سيجلسون على الطاولة للتفاوض وإيجاد تسوية وإن لم تكن النسب متساوية. وهذا يعني أن ليس هناك انتصار ساحق لطرف وهزيمة صارخة لطرف آخر. وما جرى من تبديل على المستوى الأمني والعسكري وما ستحمله الأيام المقبلة من تفاصيل وافية عن مضامين التسوية ستكشف المسار الذي سيذهب في اتجاهه الوضع اليمني برمته.
ذهاب وفد سعودي إماراتي من التحالف إلى عدن أمر طبيعي، لاسيما أن كثيرا من المفاصل هي بيد الإمارات، وهي رسالة في الوقت نفسه بأن التحالف لا يزال متماسكاً. ما هو متوقع رؤيته في مقبل الأسابيع إعادة توزيع أدوار جديدة وإمساك أقوى للمملكة بالتفاصيل، وإعادة ترتيب في بنيان الشرعية إنما تحت عنوان أكيد يقضي بالتأكيد على وحدة اليمن وعلى تصويب البوصلة نحو استكمال المعركة ضد الحوثي، وإن كانت تطورات الأوضاع تشي أن المعركة لا تزال طويلة!.

«إنزال» السعودية في المعاشيق «صفارة إنذار» لـعملية التسلل!

رلى موفق

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left