المُثل العليا ونسبية الخطأ والصواب

براء الجمعة

Feb 05, 2018

« كلما تعالت المُثُل صَعُب تحقيقها»
كل نموذج راقٍ نموذج فاشل للمثل الأعلى، إذا لا عجب أنّ من يقدمها فاشل أو نصف فاشل، لأنّ نصفه معطوبٌ بفكرته، فهذا النصف المقدس لا يمكن لأحد أن يتجرأ أو يحاول أن يمسه أو يناقش هذه الفكرة السليمة المثلى بنظره، والنصف الآخر فاشل بمجاهدته للوصول إلى النصف الميت المقدس، حيث يقول نيتشه :
« لا يكفي لطالب الحقيقة أن يكون مخلصاً في قصده، بل عليه أن يترصد إخلاصه، ويقف موقف الشك فيه، لأنّ عاشق الحقيقة، إنما يحبها لا لنفسه مجاراةً لأهوائه، بل يهيم بها لذاتها، ولو كان ذلك مخالفاً لعقيدته، فإذا هو اعترضته فكرة ناقضت مبدأه، وجب عليه أن يقف عندها، فلا يتردد أن يأخذ بها «.
وعلى من يطلب المعرفة عليه أن لا يتورط في ما يريده عقله من المعميّات والعموميات، إذا الانسان العاقل الذي يُصلي نفسه حرباً بين منظوره وما يعترض منظوره، فإذا وجد عقله ما يشوب عقيدته وقف عنده، فإنّ ذلك من شأن الحقيقة لا من شأن عقيدته، فليس كل ما تعتقده وما يناسب ذوقك الشخصي وهواك عين الحقيقة، إنما الحقيقة أو الصواب هو ما يجليه فكرك بمعتقد غيرك ليثبت الصواب النسبي، الذي ربما سيصير خطأ يوماً ما إذا وُجد ما هو أنسب منه، وهذا ليس عيباً، إذ أنّ الإسلام حرّم الكثير ومن ثم حلله بعد النسخ والعكس أيضاً.
وهذه الحقيقة أو هذا الصواب أشبه ما يكون بالهرم ذي الأوجه الكثيرة، وكل عين ترصده من وجه، وقلة قليلة من يرصد جميع هذه الأوجه ليقدم الحقيقة والصواب كاملتين، وأمّا الغالبية من يرصد الوجه الواحد، ويطرح فكرته ومشروعه قائماً على أساس هذا الوجه، ويحاول نفي كل ما يخالفه ويناقضه وما لا يطابقه، والخلاف والتناقض ناتج عن عدم فهم الحقيقة والصواب بين هذه المناظير، بسبب اختلاف الرؤى والأوجه.
فمثلاً من يطرح مشروع الدولة الإسلامية والخلافة يرى هذا المشروع من وجهة نظر واحدة، وهذا المثل الأعلى ولكن دولة الخلافة كيف جاءت؟ ومن أين الخلافة والدولة الإسلامية التي يسعى لتطبيقها كدولة محمد ص؟ وهل نزلها محمد ص كما هي من السماء مفصلة على قياس الأرض؟ أم أنها تعاقبت الحكم تلو الآخر، والقانون بعد الآخر بما يناسب تطور المجتمع الإسلامي آنذاك، والأمثلة على ذلك كثيرة، كحكم تحريم الخمر، وآيات ما قبل الهجرة (المكية) التي تتحدث عن الكونيات والقصص والعبر، ومن ثم جاءت بعدها (المدنية) ما بعد الهجرة، التي سنّت القوانين وأقامت الشرائع.
وبعد أن أُقيمتْ الدولة الفاضلة في عهد محمد ص والراشدين، هل تستطيع أن تحمل هذه الدولة ورفعها وإنزالها علينا بالرافعة، أم هناك المعوقات والمقومات لكي تقوم هذه الدولة، فالدولة يبنيها الأفراد المجتمعون المتوافقون على أسس ومعايير معينة، وليست خيمة نبنيها للأفراح والأتراح ثم ندّك بها ما نشاء من جماهير وأفراد.
يصعب تحقيق المثل العليا لأنها مجموعة مثل وليست مثلاً متوالياً، وأريد أن اسأل المؤمنين أصحاب هذه الدولة هل كان الله عاجزاً برأيكم أن يقيم دولة الإسلام في عهد محمد بكلمتي كن فكانت، فكيف أن أُقيمها اليوم بكلمتي كن فأُقيم الحد، وهذا لمن يرى وجهاً من وجوه الحقيقة ويحمله، فكيف لمن يرى باطلاً، ويرى وجهاً من وجوهه، إذ يحمّل هذا الباطل لهؤلاء الذين يرون وجهاً من وجوه الحقيقة لإدراك باطل مُبَطن بوجه الحق، إنّ فضيلة الحق والحقيقة كاملة بعينها، ولكنها ناقصة في عيوننا، والسبب الرئيسي لهذا النقص، أننا نفصل رؤيتنا لهذه الفضيلة حسب ما يدركه عقلنا، وبدوره العقل يوجه السلوك نحو الباطل، لبلوغ منفعة شخصية لنا او لمن نعمل لصالحه دون أدنى شك أنّ ما نفعله فضيلة وليست رذيلة، وهذا المنظور النسبي للصواب، فسلوك المجرم القاتل صواب بنظره لأنه قتلَ بعد أن سرق لكي لا يموت جوعاً وأطفاله، فالنظرة الأولى نظرة فضيلة وهي إطعام الأولاد ولكن هل فضيلته تبرر سلوكه إن بررها عقله حسب إدراكه لهذه الفضيلة أو الرذيلة.
لقد وجب على الانسان العاقل أو الساعي نحو الانسان المتفوق أن يكون عقله معترضاً دائما لطريق هدفه، وكل انسان يعي ويعرف أنّ الطريق الأقصر لقطع جبلين أمامه هو خط النظر بين ذروتي هاتين الجبلين، ولكن أي مارد سيصل هذين الجبلين بحبل، وتمشي أنت لتقطع هذه المسافة، وكل انسان يتمنى ذلك، وهذا مثَلٌ أعلى يصعب تحقيقه، والمبدع المتفوق من يتنازل على أقل ما يمكن ويجد طريق حقيقية قد تطول قليلاً عن خط النظر ويبقى الذين يرون وجهاً واحداً لهرم الحقيقة، إذ من المستحيل إيصال ذروتي هذين الجبلين، فينتظرون على الضفة الأخرى فلا يمكن لأمة التقدم والتطور إلا بإنزال المُثُل العليا أو فضيلتي الخير والشر من على عاتقها، لأن هاتين الفضيلتين وما يقابلهما الخطأ والصواب، هما نسبيتان متغيرتان، فما تراه هذه الجماعة خطأ او شرا، هو الحقيقة بعينها، والخير بتمامه في منظور جماعة أخرى.
إن إدراك الفضائل ليس كإدارك الأشياء وفهمها نسبي متغير، هذا بالنسبة لجماعة ككل، فكيف لجماعة تحوي عدة أفراد وكل فرد يُفصِّل الفضيلة والرذيلة على قياسه، فالأحرى والحري أن تُسَن قوانين متحدرة من شريعة متفق عليها لهذه الجماعة أو المجتمع، لتحديد هاتين الفضيلتين كأشياء ومعايير، وتُوضع خطوط كل فضيلة، ولا أعتقد أنّ خلافاً ينشأ بين شريعتين أو أكثر من أصل واحد.

كاتب من سوريا

المُثل العليا ونسبية الخطأ والصواب

براء الجمعة

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left