في ذكرى الثورة اليتيمة

عبد الحليم قنديل

Feb 05, 2018

كأنهم يريدون حجب قرص الشمس بأصابعهم، وكأنهم استراحوا من شبح ذكرى ثورة 25 يناير 2011، حين جعلوا من يوم 25 يناير عيدا للشرطة وحدها، مع أن عيد الشرطة ذكرى وطنية جامعة لا محض شرطية، ارتبطت بقتال رجال الشرطة الوطنيين لقوات الاحتلال البريطاني في الإسماعيلية، وكانت من علامات التمهيد لثورة 23 يوليو 1952، التى استعادت وهج حضورها بثورة 25 يناير 2011، والانتقال من ثورة الضباط الأحرار إلى ثورة الناس الأحرار.
وبعيد أو بغير عيد، باحتفال رسمي، أو بغير احتفال بالمرة، فلا أحد بوسعه أن يطفئ نور ثورة الشعب الكبرى في 25 يناير 2011 وما تلاه، ولا نحتاج للتذكير بها، إلى يوم إجازة رسمية، فقد كانت الثورة إشارة إلى عودة الشعب من إجازة، واستعادته للثقة في نفسه، وفي مقدرته على صنع التغيير، وتحدي الظالمين مهما استكبروا، ومهما ظنوا أنهم ملكوا الأرض ومن عليها، وربما لذلك، تحولت الثورة إلى شبح مؤرق لأجفان النهابين والمستكبرين، يريدون طمس ذكراها، وتجاهل أيامها، ورميها بكل نقيصة وعيب، واعتبارها نكسة ومؤامرة ويوما أسود، وهي بالفعل يوم أسود على كارهيها إلى يوم الدين، تذكرهم دائما بما يخافون منه ويرتعبون، وهو أن يعود الشعب يوما إلى الميدان، وأن يطلب القصاص من الذين أفسدوا واستبدوا، وأن يهددهم بمصائر الخلع والكنس، تماما كما جرى للمخلوع مبارك وعائلة حكمه، فلم تكن ثورة 25 يناير يوما وانقضى، ولا سيرة 18 يوما متصلة إلى يوم الخلع في 11 فبراير 2011، بل كانت خروجا للشعب المصري من نومة أهل الكهف، وحين صحا الناس، اكتشفوا في نفوسهم مقدرة جبارة على صنع ما بدا كالمعجزات، وتدفقت ملايين الشعب «تدق الكعب» على أسفلت الشوارع والميادين، وولدت ثورتهم ثورات، وكان يوم 25 يناير 2011 يتناسل في أيام مجيدة لحقت، كان أهمها في 30 يونيو 2013، يوم خرجت عشرات الملايين لتخلع حكم اليمين الديني.
وكان اليمين الديني صنوا لما قد تصح تسميته «اليمين الثروي» قبل ثورة 25 يناير، كانت جماعة النهب وشفط الثروة تحكم من فوق كراسي السلطة، وكانت جماعة اليمين الديني تحكم بالمشاركة والمنافسة من فوق كراسي المجتمع، وكان خلع رأس جماعة النهب فرصة لليمين الديني، الذي زحف إلى كراسي السلطة، وبهدف تركيب رأس و»لحية» للنظام الناهب نفسه، الذي استمر من قبل ومن بعد، فقد كانت ثورات الميادين كافية لخلع الرؤوس، لكن الثورة تعثرت وعجزت عن التقدم وتغيير النظام، لأنها لم تجمع قوة السياسة إلى قوة الشارع، وكانت مشاهدها الأولى في الشارع تخلع القلوب فرحا، وحين يأوى الناس إلى سكن في البيوت، لا يبقى في الصورة غير مشهد السياسة، الذي يقبض الروح كمدا، وتسيطر عليه أطياف اليمين الديني والفلولي، الذي تتقاسم أطرافه جرائم النصب وانتحال الصفات، وعلى طريقة انتحال اليمين الديني لصفة 25 يناير، وانتحال اليمين الفلولى لصفة 30 يونيو، وتفكيك صلات «العروة الوثقى» بين 25 يناير و 30 يونيو، وكان المشهدان ثورة متصلة، وارادة تعبير غلابة عن الرغبة في تغيير شامل، لم يحدث بعد، ولسبب لا يخفى على عين بصيرة، هو أن الثورة افتقرت وتفتقر الى حزب ثوري، ينقلها من الشارع إلى السلطة، ومن تلقائية الميدان إلى تأثير البرلمان، فقد ولدت الثورة هكذا، بغير قيادة مطابقة لعنفوان شعبها، ومن ثم عجزت عن التقدم، وظلت فريسة لأطياف متقابلة ومتنافسة من جماعات الثورة المضادة، ولم تترك حتى تاريخه سوى ذكرى ميدان لم يتحول إلى برلمان، وهو ما ترك حالة إحباط تتحكم في عموم الوجدان.
لا يعني ذلك أن قصة الثورة انتهت، ولا أنه لم يبق لنا سوى تقبل السلوى في سرادقات العزاء، فالثورات الشعبية لا تفنى أبدا، وقد تتعثر أحيانا، أو تتوه بها الدروب، ويتأخر قطف ثمارها إلى حين، خاصة في مجتمع شديد التعقيد والتركيب كالمجتمع المصري، مرّ بمحنة هائلة، قطعت عليه طريق التطور وتراكم الوعي، واستمرت على مدى متصل لأربعين سنة وتزيد، أعقبت انتفاضة 18 و19 يناير 1977، وكانت تلك آخر آهة غضب جماعي للشعب المصري، أعقبت الانقلاب من مركز السلطة على اختيارات ثورة 1952، وإعادة مصر إلى القيد الاستعماري من جديد، واستبدال الاحتلال الأمريكي السياسي بالاستعمار البريطاني القديم، وجعل السفارة الأمريكية دار المندوب السامي الجديد، وخلع مصر من دورها القيادي الطبيعي الطليعي في عالمها وأمتها العربية، وتصفية وتجريف القلاع الصناعية الكبرى، وتدمير دور الطبقة الوسطى المنتجة الحديثة، وزحف الثروة النفطية الخليجية لتصفية الحساب الثأري مع الثورة المصرية، وتفكيك حصانة المجتمع المصري، ودفع المصريين إلى زمن بؤس طويل، وإلى مأساة الهجرتين، الهجرة في الجغرافيا بحثا عن الرزق الشحيح، والهجرة إلى التاريخ بظاهرة العودة الدينية المعممة، وتحويل المصريين إلى مقيمين لا مواطنين، وإلى سكان لا شعبا، وتحويل البلد إلى مكان بغير زمان، فقد فيه المجتمع صفته التفاعلية، وتحول إلى محض غبار بشري كثيف، يهيم في الطرقات وعلى أبواب السفارات، بحثا عن تذكرة هروب من المأساة، وحين سدت على المصريين منافذ الهروب، وأحيط بهم مع غزو العراق بالذات، وقد كان العراق أوسع وأيسر مهارب المصريين في زمن المأساة الممتدة، سرى الإحساس بالقلق في أوساط قواعد شعبية واسعة، فلم يعد بوسعهم إكمال رحلة الهروب، وعاد إليهم الإحساس بهول ما جرى لوطنهم الذي تناسوه، إما بوعد الرزق المكتوب خارج مصر، أو بوعود التخدير المتمسح بالدين، وتدافعت موجات القلق إلى السطح مع غزو العراق بالذات، فقد كان أول صاروخ كروز أمريكي يسقط على رأس بغداد، وكأنه يدمر رمزيا آخر فرصة هروب للمصريين، وهو ما يفسر اندفاع شرائح من المصريين إلى موجات غضب متلاحق، بدأت نواتها التأسيسية في 20 و21 مارس 2003، بالتواقت مع بدء عملية غزو واحتلال العراق، وقتها تدفق عشرات الآلاف من المصريين تلقائيا إلى ميدان التحرير، ومزجوا في هتافاتهم بين لعن بوش ولعن مبارك ونجله الموعود وقتها بالتوريث الرئاسي، وجرت مصادمات عنيفة، لم تلبث أن هدأت بعد يومين تحت وطأة القمع الأمني، لكنها تركت وراءها روحا جديدة، وحركات غضب تدافعت سراعا.
غضب سياسى بنشوء «حركة كفاية» وأخواتها في نهايات 2004، وغضب اجتماعي بإضراب عمال المحلة الشهير في نهايات 2006، ثم اجتمع الغضبان في انتفاضة 6 أبريل 2008، التي كانت ـ كما وصفها كاتب السطور وقتها ـ «بروفة جنرال» لثورة جرت بعدها في 25 يناير 2011، ثم كان خروج المصريين الكثيف إلى الإسفلت، واكتشافهم للقوة الكامنة في الناس حين يتحركون سلميا، وتدافع موجات الغضب بعشرات الملايين في 30 يونيو 2013، فلولا 25 يناير ما كانت 30 يونيو، لكن علة النقص في ما جرى كانت ظاهرة على الدوام، فثمة قلق وغضب ساطع، لكن الغضب وحده لا يصنع التغيير، وحين انسحب الناس من الميادين، بدا مشهد السياسة خاويا، وبدا المجتمع على حقيقته المقطوعة النفس، خاليا من طاقة تحريك منظمة، تكفل التقدم بالثورة إلى أهدافها، اللهم إلا من تحكم جماعات مصالح كبرى، شفطت ثروة وعقل البلد، وتوزعت على أقنعة دينية ودنيوية، انتحلت صفة الشعب المصري، وصادرت ثوراته، فقد كانت السياسة ببرامجها وأحزابها قد ضعفت وذوت على مدى أربعين سنة من الهروب المهاجر، وافتقاد صفة المجتمع الذي يمد السياسة بأسباب الحياة، ومن هنا، توالت فصول المأساة إلى اليوم، ووقعنا فريسة التنابذ بالألقاب والصفات، بين جماعة الفساد وجماعة الإرهاب، وبدون مقدرة مستقلة على إحداث انتقال كيفي يليق بحدث الثورة الأسطوري، ولم يكن العيب في الثورة بالطبع، فنحن لا نشتري الثورات من السوبر ماركت، ولا نختار مقاساتها وطبائعها، وعلينا أن نفهمها كما جرت، فكل ثورة تشبه مجتمعها، وثورة المصريين تشبه أحوالهم، وقد بدت الثورة يتيمة كما مجتمعها، وبلا نصير سياسي قادر على تمكينها من بلوغ أهدافها، وهذا هو الفراغ المخيف الذي يصح أن نلتفت إليه، وقد نبه إليه كاتب السطور قبل اندلاع الثورة بسنوات، وقطع بتوقع سقوط مبارك في ثورة توقعها مبكرا جدا بميدان التحرير، ونبه إلى أن خلع الرأس لا يعني تغيير النظام، ودعا في كتابه «الأيام الأخيرة»، دعا إلى الانتباه للخلل الخلقي في مشهد الثورة التى كانت لم تقم بعد، وإلى تأسيس ما أسماه وقتها «الحزب الذي تنتظره مصر»، ولا تزال الثورة اليتيمة تنتظر حزبها الذي لم يقم بعد، فلا معنى لوجود ثوريين بدون حزب ثوري.
كاتب مصري

في ذكرى الثورة اليتيمة

عبد الحليم قنديل

- -

8 تعليقات

  1. تاسيس حزب ثوري في مصر لن ينتج نتائج ملموسة ولن يصبح في السلطة الا اذا توفرت اسباب موضوعية مبنية على اليات مادية وتنظيمية قائمة. لناخد مثلا الحالة الأمريكية مع الرئيس ترامب. من المنضور الامريكي الشعبي او الشعبوي فحالة ثورية حصلت في الولايات المتحدة مع قدوم ترامب ولكن نجاحه كان مقترنا بدعم مادي هاءل خاصة وان الرجل مليردير والاهم من ذالك استفادته من مؤسسة الحزب الجمهوري القائمة والقوية…. المثال الثاني هي حركة الى الامام التي اجائت بالرئيس ماكرون الى السلطة. فلولا الدعم الملحوض الذي لقيته هده الحركة من مؤسسات الدولة الفرنسية العقيمة لمواجه الجبهة الوطنية العنصرية لما وصلت الى السلطة.
    في رايي المتواضع لن يتمكن اي حزب ثوري في مصر من البلوغ الى الحكم والسلطة مالم يدعم من مؤسسة قائمة. ومما هو معلوم ليست هناك مؤسسة في مصر لها الامكانيات لدعم هذا الحراك وايصاله الى الحكم الى المؤسسة العسكرية. واي تفكير خارج عن هذا النطاق والاطار فلن يكون الى حلم جميل ينهار في اول تحدي داخلي او خارجي.
    فهل الاستاذ المحترم يرى ان الجيش يمكن ان يلعب هذا الدور في ضل شبكة مصالحه المتشعبة والقوية داخل النسيج الاقتصادي المصري. في رايي الجيش سيحارب هكذا حزب ولن يدعمه لامر بسيط هو ان الجيش المصري ورغم تسليمنا بوطنيته التي يتغنى بها الكاتب، يكره المسائلة والمحاسبة واي فكرة او حزب ثوري لن ينجح اذا لم يبنى على المحاسبة والمسائلة. للجميع وعلى راسهم الجيش. هكذا حزب لن ينج في مصر مادامت لاتوجد مؤسسات قوية اخرى من غير مؤسسة الجيس

  2. يقول الكاتب الفرنسي باسكال بونيفاس في كتابه المثقفون المزيفون :”…الخبير المدعو لإيضاح الأمورللجمهور يخون هذا الجمهور ولا يقوم بمهمته..ويستطرد : أنا الذي طالما خشيت من ألا أكون واضحاً أو دقيقاً بما فيه الكفاية,أو من ارتكاب خطأ ,والذي طالما عاقبت نفسي إذا حدث لي ذلك ,يذهلني كل أولئك المثقفين والخبراء الذين لا يتورعون عن اللجوء إلى حجج مخادعة وعن إطلاق الأكاذيب من أجل حصد التأييد. تبدو وقاحتهم وانعدام ذمتهم بلا حدود… منقول

  3. سمير الإسكندرانى / الأراضى المصرية المحتلة ! ... لابد لليل ان ينجلى

    يقتلوا القتيل ويمشوا فى جنازتة !!

  4. ثورة يناير التي تكلم عنها قادة العالم ومجدوها هي فخر لكل مصري .ولكن سرعان مآ إختطفت للأسف .. والآن يعتبرها النظام الحالي نقمة ويخاف بل يرتعد منها وقد فعل مآ لم يفعله أي رئيس من تضليل العدالة بل إفسادهآ وأخرج مبارك بشلته وكل القتله من سجونهم ووضع شباب الثورة مكانهم في السجون وعذبهم ولآ يزالون يعذبون حتي اللحظه .ثم باع الجزر تيران وصنافير لصالح العدو ورغم حكم أعلي محكمة مختصه أصر علي البيع ولم يحترم لآ الدستور ولآ الحكم ولآ الشعب .. وهو يتعاون علي إتمام صفقة القرن وأخلي ودمر مدينه رفح والآن العريش … علي شعبنا أن يقف مرة أخري ويعود إلي يناير وإلآ ستضيع البلد .

  5. فرعون مصر لم يجرؤ ان يدمر المحروسة لولا تطبيل ما يسمي المثقفين والكتاب في ام الدنيا. حسبنا الله ونعم الوكيل.

  6. المختصر المفيد
    المصريين خلعوا. مبارك ونظامه الفاسد
    والاخوان المسلمين خدعوا الشعب المصرى
    بالوعود والامانى
    وأرادوا ان يحولوا مصر المدنية منذ اكثر من ٢٠٠ عام
    الى دولة دينية
    ولذالك قام الشعب المصرى ومعه جيش مصر
    العظيم
    بقلب الطاولة على جماعة الاخوان
    وارجعوا مصر مرة ثانية الى الطريق
    الصحيح دولة مدنية
    وسوف تظل مصر دولة مدنية
    لان ذالك هو أمل المستقبل

  7. يا استاذ عبدالحليم عصر الرجل الواحد انتهي كانوا قديما ينادوا بتكاتف الحكام العرب ولكن المشكلة في عدم تكاتف الشعوب العربية و الطوائف من داخل المجتمع الواحد فلا احد يحترم او يطيق سماع الرأي الاخر

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left