مخاضات عسيرة تسبق التغيير في المنطقة

د. سعيد الشهابي

Feb 05, 2018

ربما كان مفهوما ان يجمع العداء للحركات التحررية والجماعات الإسلامية بضع دول بقيادة السعودية ضمن محور واحد، ولكن ما يستعصي على الفهم ان يتوسع هدف ذلك المحور ليشمل قيادة العالم العربي والسيطرة على المؤسسات التي تمثله او تتحدث باسمه. فلا شك ان العداء لتيار الإسلام السياسي ممثلا بالإخوان المسلمين وإيران وامتداداتهما الاقليمية والدولية هو العنوان الاول للتحالف الذي يضم السعودية والامارات ومصر والبحرين. ولكن ماذا بعد؟ لقد تم التنكيل بالاخوان كما لم يحدث من قبل حتى في الخمسينيات والستينيات.
واستهدفت إيران على كافة الصعدان بأساليب شتى. ولكن لم يتوقف الامر عند ذلك. بل امتد الاستهداف لكل من يتعاطف مع ذلك التيار ومن يمثله، او يرفض المشاركة في استهدافه، مثل قطر وتركيا. ولأن هذا التحاف اصبح مسكونا بعقدة الإسلام السياسي، فقد تمادى في استهدافه بالتشويه والافتراء حتى بلغ الامر تشويه المفاهيم والمصطلحات وتحميلها ما لا تحتمل. وبذلك لم يعد الصراع محصورا بدوافع سياسية بل توسع ليتحول تدريجيا إلى عقيدة وايديولوجية واستراتيجية. ولكن السؤال: هل ان دول التحالف متفقة على السير بهذا الاتجاه إلى النهاية؟ ام ان بعضها اكتشف عبثية الحراك وهشاشة ارضية التحالف؟ ويمكن ان يساهم استعراض بعض تطورات المنطقة في الشهور الاخيرة في توضيح المشهد العربي الذي يزداد تعقيدا وخطرا، في ما يلي:
أولا: ان التشبث بمقولة الإرهاب لتوصيف الاطراف المستهدفة من قبل التحالف سينقلب عليه، لان حقيقة المشهد وخفاياه ستظهر تدريجيا لتحاصر تلك المقولة. وثمة معطيات لذلك منها ما يلي:
أ ـ في الاسبوع الماضي قدمت مصر شكرا للولايات المتحدة لأنها أدرجت مجموعتين تسميان لواء الثورة وحركة سواعد مصر (حسم) على قوائم الإرهاب. ويعني هذا القرار منع الجماعتين من التعامل عبر النظام المالي الأمريكي. وقال أحمد أبو زيد المتحدث باسم الخارجية المصرية إنه يعتبر القرار الأمريكي «بمثابة تطور إيجابي في إدراك شركاء مصر الدوليين وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية لخطورة تنظيم الإخوان الإرهابي والجماعات والتنظيمات المنبثقة عنه على أمن واستقرار مصر وشعبها». ليس معروفا هوية المجموعتين المذكورتين ولكن الاصرار على اعتبار الاخوان المسلمين جماعة إرهابية امر مبالغ فيه، خصوصا ان التحقيق الذي اجرته بريطانيا قبل أربعة اعوام لم يؤكد تلك المقولة، ولم تتخذ بريطانيا اجراءات شديدة ضد الجماعة والمؤسسات التي تنسب اليها.
ب ـ ان الخطاب الذي تبناه التحالف كرر كثيرا دعوى ارتباط قطر بالإرهاب ودعمها له، وهي مقولة لم تلق استحسانا لدى الاطراف الغربية لعلمها انه تصنيف سياسي وليس واقعيا، وان ما يوجه لقطر من اتهامات يمكن توجيهه مضاعفا للسعودية بشكل خاص. وهذا ما اظهرته الحلقة الاولى من الحلقات الثلاث التي بثتها قناة بي بي سي الثانية الشهر الماضي حول السعودية.
ثانيا: ان السعي المتواصل لاستبدال العمل العربي المشترك بالتحالف الذي تقوده السعودية له مدلولاته الخطيرة. فهو تعبير عن الغاء مقولات التعاون العربي والامن المشترك ووحدة المصير واستبدالها بما يحقق مصالح انظمة الحكم ببعض الدول العربية وليس كلها. كما انه يخضع تلك المقولات لتفسيرات الدول المشاركة، الامر الذي ستكون له تبعات سلبية غير قليلة. هذا التحالف يروج التطبيع مع «اسرائيل» باعتبارها «دولة جارة» ويستبدل مفهوم الصراع لتحرير فلسطين بمصطلح «النزاع» المحصور بين الفلسطينيين والاسرائيليين، ولا يشمل الامة كلها. التحالف الذي تقوده السعودية لا يعتبر التصدي لذلك الصراع اولوية بل يوجه سهامه للدول الاقليمية الصديقة مثل تركيا وإيران.
ثالثا: ان التحالف المذكور تحول إلى كيان توسعي من جهة واستئصالي من جهة اخرى. فالدول التي لا تتوافق معه في السياسات الخارجية تستهدف بدون رحمة، وتحاصر وتتهم بالعداء ودعم الإرهاب والتطرف. هذا التحالف يسعى لهدف مستحيل: جمع الامة على موقف واحد يعادي الحركات الإسلامية ويطبع مع الاحتلال ويستقوي بالغرب على الشعوب والدول الصديقة. وفي احدى المقابلات التلفزيونية سئل نيلسون مانديلا عن سبب اقامة علاقات مع بعض الانظمة التي ساندت نضال شعبه ضد نظام الفصل العنصري، فقال: مشكلة الغربيين انهم يريدون من الآخرين ان يعادوا كل من يعادونه. وهذا ينطبق على دول التحالف التي تريد من قطر مثلا ان تعادي إيران او الاخوان المسلمين او حماس، والا اعتبرت خارج السرب. ولكي يضمن تطبيق استراتيجياته يمارس هذا التحالف سياسات توسعية خطيرة. فهل يعقل ان تتصرف دولة صغيرة مثل الامارات التي لم يمض على تأسيسها الا اقل من نصف قرن بدولة كبرى عريقة مثل اليمن بالشكل الذي تفعله الآن؟ وقد اظهرت تطورات الاسابيع الاخيرة تصدعا واضحا في هذا التحالف. فقد سيطرت الامارات على عدن وهيأت الاوضاع لتقسيم اليمن.
اما السعودية فقد ادركت عبثية الحرب واستحالة السيطرة على العاصمة صنعاء. كما تم التخلي عن «الحكومة الشرعية» بقيادة عبد ربه منصور هادي الذي ترفضه الامارات.
وما تشهده المناطق الواقعة تحت سيطرة التحالف من اضطرابات فئوية وامنية وتوسع لوجود المجموعات الإرهابية يؤكد اخفاق مشروع التحالف الذي تقوده السعودية في تحقيق اهدافه المعلنة، وان الامارات ركزت جهودها للسيطرة على الجنوب اليمني، بينما اصبح نصيب السعودية الخسائر والشجب الدولي والاتهام بارتكاب جرائم حرب. وتخشى كذلك من تشكيل محكمة جرائم حرب دولية على غرار محكمة رواندا ويوغسلافيا.
رابعا: ان دول التحالف جميعها تعاني من حالة استقطاب سياسي داخلي يتعمق باضطراد. فانظمة الحكم فيها مستهدفة من قوى المعارضة التي يرزح ناشطوها في السجون او المنافي. هذا التحالف حاول افتعال جبهة معارضة في قطر، لكنها ارتدت عليه بالفشل عندما كشف الشيخ علي عبد الله آل ثاني، عضو الاسرة الحاكمة في قطر، الشهر الماضي ما تعرض له من محاولة لاظهاره معارضا للنظام ويريد اسقاطه. كانت مسرحية عبثية وهزيلة الاخراج، تعكس خواء سياسيا وافلاسا مخجلا. واذا قورنت هذه المسرحية بالصراع الشديد داخل البيت السعودي وما فعله ولي العهد الحالي مع ابناء عمه وعشرات التجار الآخرين، اتضح عمق التحديات التي تواجه ذلك البيت. وتواجه الامارات تحديات مماثلة. فما يفعله محمد بن زايد لا يحظى بموافقة حكام المشيخات الاخرى خصوصا دبي التي يرى زعماؤها خصوصا محمد بن راشد، ان السياسة الخارجية للاتحاد اصبحت مصدر خطر على الجميع. وفي الفترة الاخيرة انتشرت اللافتات في شوارع ابوظبي التي تظهر الرجلين معا لاظهار توافقهما، الامر الذي يفهم منه عمق الصراع وليس تقلصه. ومصر هي الاخرى تعاني من حالة استقطاب غير مسبوقة. فالحاكم العسكري، عبد الفتاح السيسي، سيخوض انتخابات رئاسية لوحده بعد ان اعتقل منافسيه ما عدا المرشح الاخير الذي جيء به لاظهار شيء من التعددية. بينما تكتظ سجون مصر بعشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين، واغلبهم من جماعة الاخوان المسلمون. وهناك احكام كثيرة بالاعدام والسجن المؤبد واسقاط الجنسية.
ان عالمنا العربي يعاني من ظاهرة الإرهاب، وهي ظاهرة مقلقة ومرفوضة وتستدعي الوقوف بوجهها وداعميها، ولكن الانظمة العربية القمعية تستغل هذه الظاهرة وسيلة لصرف الانظار عن المطالبة بالتغيير السياسي ومن أجل تبرير ممارسات التحالف الذي يضم السعودية والامارات ومصر والبحرين، ومن بينها الحرب على اليمن واستهداف المجموعات الإسلامية المعتدلة، والسعي لاجبار الأنظمة الاخرى على الانضمام لهذا التحالف. الأمر المؤكد ان هذا التحالف بدأ يتصدع من داخله، وهذا ما تظهره الوقائع اليومية في عدن والتراشقات مع السيسي والصراع الحدودي بين السعودية والامارات واستهداف قطر والكويت. ولن تستقر اوضاع المنطقة الا بالتغيير السياسي الذي يعيد للشعوب حضورها وحقوقها ويضرب بيد من حديد على ايدي العابثين بأمن الأمة أو التعتيم على قضاياها الأساسية وفي مقدمتها فلسطين والحريات العامة.

٭ كاتب بحريني

مخاضات عسيرة تسبق التغيير في المنطقة

د. سعيد الشهابي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left