استراتيجية البقاء الأمريكي في العراق في مواجهة رفض القوى الحليفة لإيران

رائد الحامد

Feb 06, 2018

بدت معظم تصريحات القيادات الأمريكية المعنية بمحاربة تنظيم «الدولة» مشكّكة، من دون تصريح معلن، في واقعية إعلان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي النصر على التنظيم في الثامن من ديسمبر 2017.
ويبدو مهماً متابعة تصريحات لسياسيين عراقيين دأبوا على التحذير من عودة نشاطات التنظيم، في ما ذهب آخرون أبعد من ذلك للتخويف من احتمالات سيطرته مجددا على بعض المدن كالموصل وبعض مدن غرب العراق، وثمة إجماع على أن إعلان النصر لا يعني نهاية التنظيم بشكل كامل، أو أن تهديداته على مجمل الملف الأمني لم تعد قائمة. وإذا كانت الإدارة الأمريكية أدركت خطأ قرار الانسحاب الأمريكي من العراق في نهاية 2011، فإنها ترى ان الانسحاب ساهم بشكل ما في إعادة إنتاج تنظيم «الدولة» نفسه بقدرات أكبر من تلك التي كان يحوزها قبل إخراجه من مناطق سيطرته إلى معسكرات صحراوية عامي 2008 و2009.
لا تقف الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في المنطقة والإصرار على بقاء قوات أمريكية في العراق وسوريا عند حدود القضاء النهائي على تنظيم «الدولة» ومنع تهديداته على الأمن والاستقرار، إنما تعمل وفق ثنائية محاربة ما تبقى من تنظيم «الدولة» والتنظيمات القريبة منه في مرحلة لاحقة، وتحجيم النفوذ الإيراني للحد من تهديداته المتزايدة على الدول الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة. وتجد الولايات المتحدة أن تنامي قدرات القوى الحليفة لإيران في العراق وسوريا سيعزز بشكل ما الوجود الإيراني المباشر في البلدين، بما يهدد مصالحها الحيوية في عموم المنطقة. لا يزال تنظيم «الدولة» يحتفظ بجيوب متباعدة جغرافيا يمارس من خلالها نشاطاته في محافظات الأنبار وصلاح الدين وكركوك ونينوى، حتى بعد خسارته آخر مراكزه الحضرية منتصف نوفمبر 2017. وتتخوف مدن عدة مثل الموصل وغيرها من عودة جديدة لخلايا تنظيم «الدولة» بعد زيادة ملحوظة في نشاطاته عند أطراف المدينة، أو في القصبات التابعة للمحافظة، مثل ناحية حمام العليل، 30 كيلومتراً جنوب الموصل، التي ذكرت وسائل إعلام ان مقاتلين تابعين للتنظيم قَتَلوا في 29 يناير عددا من عناصر الشرطة، وأنزلوا العلم العراقي في منطقة تل السبت التابعة للناحية، رافعين علم التنظيم بدلا منه مع عبارة «سيُرفع علم قوات الدولة هنا مجددا». ومع كثرة التصريحات التي تعبر عن مخاوف من عودة تنظيم «الدولة» للسيطرة مجددا على بعض المدن، تشن القوات الأمنية وقوات الحشد الشعبي حملات عسكرية مكثفة لملاحقة عناصر تنظيم «الدولة» في غرب الأنبار ونينوى على الحدود مع سوريا، التي لا يزال التنظيم يحتفظ ببعض القرى والمناطق في محافظة دير الزور؛ كما تشن قوات عراقية من الجيش والحشد الشعبي حملات تطهير في محيط قضاء الحويجة جنوب غرب مدينة كركوك. لذلك، ليس من المعقول تبني قيادات تنظيم «الدولة» فكرة العودة للسيطرة على المدن ثانية والتمسك بالأرض بعد تجربة السنوات الثلاث التي أعقبت سيطرته على مدينة الموصل في يونيو 2014 ومدن أخرى وخسارته إياها، مع تراجع واضح في شعبيته وتدني مستويات قبوله في أوساط المجتمع السني، الذي رحب جزء مهم منه بسيطرته على مدنه التي كانت تعاني من السياسات التميزية والإقصائية لحكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي.
لكن تنظيم «الدولة» على الصعيد العسكري لا يزال يحتفظ بقدرات متقدمة على زعزعة الأمن والاستقرار وتنفيذ هجمات مباغتة ضد أهداف محددة، كما حدث في عملية إنزال العلم العراقي في منطقة تل السبت في ناحية حمام العليل؛ لكن ذلك لا يعني أن التنظيم يفكر جديا في العودة إلى المدن والتمركز فيها ثانية، طالما ظلت قوات التحالف الدولي موجودة في العراق. وسيظل تنظيم «الدولة» ينتهج السياسة ذاتها في التخفي على شكل مجموعات صغيرة متباعدة جغرافيا لتفادي استهدافه من طيران التحالف الدولي مع استمراره في تنفيذ عمليات أمنية ضد القوات الأمنية والحشد العشائري في المحافظات السنية. وتتذرع القوات الأمريكية، كما جاء على لسان قائدها في العراق الجنرال بول فونك، بأن تنظيم «الدولة» لا يزال يشكل خطرا، على الرغم من خسارته الأراضي التي كان يسيطر عليها، ما يستوجب بقاء تلك القوات في العراق إلى أجل غير مسمى، إضافة إلى منع التهديدات الإيرانية. لكن الاستراتيجية الأمريكية في الاحتفاظ بقوات لها في العراق تصطدم بمعارضة من قيادات الأحزاب الشيعية وقيادات الحشد الشعبي، التي تعلن بشكل صريح أن القوات الأمريكية ستكون هدفا للحشد الشعبي مستقبلا، كما هدد أمين عام حركة النجباء، الذي عدّ القوات الأمريكية كقوات احتلال ما لم ترحل من العراق.
ويواجه رئيس الوزراء حيدر العبادي انتقادات صريحة لعدم اتخاذ موقف واضح من الوجود العسكري الأمريكي بعد إعلان النصر، في ما تحوم شكوك حول قدرته على إخراج القوات الأمريكية التي ترى قيادات أساسية في الحشد الشعبي، مثل الأمين العام لحركة عصائب أهل الحق، أن هذا الوجود سينتهي حتما بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، التي يطمح ائتلاف الفتح الذي يقوده بالفوز، أو على الأقل أن يلعب دورا مؤثرا في اختيار رئيس الوزراء القادم. وتتضارب الأنباء حول عدد الجنود الأمريكيين والقواعد والمعسكرات التي يتواجدون فيها، وتحدثت مصادر برلمانية عن وجود ثماني قواعد عسكرية داخل العراق، نت دون معرفة عدد الجنود ومعداتهم وتجهيزاتهم القتالية، وهناك تساؤلات عن مدة بقاء هذه القوات التي تؤكد تصريحات المسؤولين الأمريكيين على بقائها لأجل غير محدد. ورفض السفير الأمريكي في العراق الإفصاح عن أعداد الأمريكيين في العراق مع تأكيده على انهم يتواجدون بموافقة الحكومة الاتحادية؛ وتشير تقارير إلى ان نحو ثمانية آلاف جندي أمريكي تواجدوا في العراق خلال العمليات القتالية ضد تنظيم «الدولة».
في كل الأحوال، تراهن الولايات المتحدة على التجديد لرئيس الوزراء حيدر العبادي في الانتخابات التشريعية المقبلة، طالما أن البديل المتاح في ضوء تنافس الكتل السياسية والتحالفات الجديدة القريبة في عمومها من ايران، لكن الدعم الأمريكي قد لا يعني الكثير حتى في حال فوز قائمة حيدر العبادي بعد أن باتت الكتل السياسية المرتبطة بالحشد الشعبي هي الأقوى نفوذا والأكثر قدرة على فرض الوقائع على الأرض، في الملفين الأمني والسياسي، ما يجعل العبادي مضطرا لتقديم التنازلات لصالح القوى الحليفة لإيران على حساب مصالح الولايات المتحدة. ولا يُخفي الإيرانيون اعتبار القوات الأمنية العراقية عمقا استراتيجيا في الدفاع عن إيران ومصالحها في المنطقة، من رؤية أفصح عنها نائب القائد العام للحرس الثوري حسين سلامي، الذي يرى أن متطلبات الحفاظ على الأمن القومي الإيراني تستوجب تبني «استراتيجية الاشتباك مع العدو في مناطق بعيدة» عن حدوده؛ وتدرك إيران أن القوات العراقية خاضعة بشكل ما لنفوذ قيادات الحشد الشعبي التي تشير بعض الدراسات إلى أن نحو 41 فصيلا من 72 فصيلا تتشكل منها هيئة الحشد الشعبي ترتبط ببيعة شرعية للمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي. لذلك، يجد رئيس الوزراء نفسه في موقع المرغم على الموازنة بين تسويغ الوجود الأمريكي لدعم القوات الأمنية، والرغبة الإيرانية في الاستفراد بالعراق من خلال القوى الحليفة لها التي تمثلها قيادات الحشد الشعبي الرافضة لأي وجود أمريكي، بعد ان أدت القوات الأمريكية والتحالف الدولي مهمة إسناد الحشد الشعبي وتمهيد السيطرة له على معظم المناطق السنية التي أصبحت بشكل ما مناطق نفوذ للحرس الثوري الإيراني الطامح بتواصل بري عبر محافظتي الأنبار ونينوى إلى الحلفاء في لبنان وسوريا.
كاتب عراقي

استراتيجية البقاء الأمريكي في العراق في مواجهة رفض القوى الحليفة لإيران

رائد الحامد

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left