«فاوستيو» الاستبداد

عمرو حمزاوي

Feb 06, 2018

وفي الخطاب الرسمي للسلطوية الجديدة في مصر تصدر الممارسات الأمنية والسياسات الاستبدادية زيفا كتوجهات «مشروعة» تستهدف حماية الوطن والحفاظ على الدولة ومواجهة المؤامرات والمتآمرين. صار التباهي بالاستبداد سمة رئيسية من سمات السلطوية في مصر. يعطي الحاكم ومعه نخبته ظهره للحديث الداخلي عن سيادة القانون وحقوق الإنسان وتداول السلطة إدراكا منه لضعف المطالبين بالديمقراطية وتشتتهم، ويتجاهل ذات الحديث حين تنتجه بين الحين والآخر منظمات أممية ودوائر غربية لأنه يعلم محدودية فاعلية المنظمات الأممية وازدواجية معايير الغربيين. لا تنكر السلطوية الجديدة العداء للمطالبين بالديمقراطية، وتمعن في تعقبهم وقمعهم في الفضاء العام وفي المجتمع المدني. غير أنها في ممارسة التعقب والقمع هذين تفيد كثيرا من الأداة البشرية المسماة خدمة السلطان. خدمة السلطان يمثلون ركنا أساسيا في تمكين السلطوية وفي إدارة يومياتها، ويسوقون كل المبررات الفاسدة للسياسات الشعبوية ولحكم الفرد، ويتورطون في تزييف الوعي الجمعي. في مصر، يتحايل خدمة السلطان على الطبيعة الاستبدادية لبنية الحكم الذي لم يعد له اليوم من مركز ثقل وفعل غير رأس السلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية والاستخباراتية، ويزينون انعدام الرقابة على رأس السلطة التنفيذية والضعف البالغ للسلطة التشريعية واستتباع السلطة القضائية وغياب التوازن بين السلطات العامة.
يبرر خدمة السلطان، وهم بين ظهرانينا خليط من المسؤولين التنفيذيين والبرلمانيين والإعلاميين والشخصيات العامة (كالمشار إليهم في وسائل الإعلام كخبراء استراتيجيين وأمنيين)، للإلغاء التام لشرط الشفافية والعصف بالقواعد الدستورية بمقايضات زائفة بين الاستقرار والأمن والصالح العام من جهة وبين الحقوق والحريات من جهة أخرى ثم ينتهون إلى الادعاء الكاذب بحتمية السياسات الشعبوية وحكم الفرد. يروجون لكل قرار رئاسي بقانون أو قانون استثنائي يعطل ضمانات التقاضي العادل ويختزل حقوق وحريات المواطن ويؤسس للمزيد من الممارسات القمعية كقوانين التظاهر والجمعيات الأهلية وقانون قوائم الإرهابيين والكيانات الإرهابية. لا يمانعون في أن تكون السلطة التنفيذية هي المصدر الوحيد «للمعلومات المعتمدة» ويجعلون من الحقيقة الواحدة والرأي الواحد والموقف الواحد والتقدير الواحد «قواعد ملزمة» يتعين معاقبة من يخالفها. ويترتب على ذلك تبرير إلغاء حرية تداول الحقائق والمعلومات وإسقاط الحق في التعبير الحر عن الرأي.
خدمة السلطان، من أسميهم فاوستيي الاستبداد، هم بين ضالع في التمكين للسلطوية الجديدة وحكم الفرد القائمين اليوم في مصر وبين غارق في دفاع عن سلطوية بديلة يزعم متهافتا احتكارها للحقيقة المطلقة وحمله هو لصكوك النقاء الثوري وبين متورط في معايير مزدوجة تجعله يتبنى الشيء ونقيضه وتعجزه دوما عن مغادرة السرب، أي سرب. وعلى الرغم من اختلاف أيديولوجيات فاوستيي الاستبداد ومرجعياتهم الفكرية إلا أنهم يتشابهون بشدة في توجهاتهم وممارساتهم. يغيبون العقل، يمتهنون المعلومة، يسفهون الرأي الآخر، يرفضون الاختلاف، ويشوهون المختلفين معهم. يذبحون فضيلتي التفكير النقدي والتسامح على محراب الرأي الواحد، وبفعل ضجيج أصواتهم المرتفعة التي أبدا لا تأتي بمعنى أو مضمون.
يغتال هؤلاء النزعة الإنسانية، إما بالتماهي مع الادعاءات الزائفة «للبطل المنقذ» وآلته القمعية، أو بادعاء بطولة ثورية تنزع عنها المصداقية لأنها تستنكف المراجعة والنقد الذاتي والبحث الموضوعي في أسباب الإخفاق في الانتقال الديمقراطي بعد ثورة يناير2011 وفي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتحديات الأمنية الراهنة التي ترتب تأييد قطاعات شعبية مؤثرة للبطل المنقذ وتجاهلها العمدي لانتهاكات الحقوق والحريات.
وفي أحيان أخرى، يغتال فاوستيو الاستبداد النزعة الإنسانية بالاستعلاء على المغردين خارج السرب واستبعاد أفكارهم وآرائهم دون نقاش، وتوظيف الهجوم عليهم «للالتحاق المربح» بخدمة البطل المنقذ الذي تحول سريعا إلى سلطان مستبد أو للالتحاق المربح أيضا في بعض الأحيان بسرب مناوئيه دون إعمال للتفكير النقدي أو للتضخيم المريض للذات وتقديم «الخدمات الحنجورية» لعارضي المقابل الأفضل. فاوستيو الاستبداد، إذا، لا يمثلون أيديولوجية معينة أو تيار معين أو جماعة معينة. فهم يتوزعون بين موالاة السلطوية الجديدة وبين معارضتها استدعاء لسلطوية بديلة ذات مرجعية دينية متوهمة، ومنهم الحاضر في صفوف اليمين وبينهم من ينتمي إلى اليسار. ما يجمعهم هو كونهم يتحملون المسؤولية الأخلاقية في مصر عن الانتهاكات المروعة للحقوق والحريات المتراكمة منذ صيف 2013، إما لموالاتهم للسلطوية الجديدة ودفاعهم عنها أو لتعاطيهم مع قضايا الديمقراطية والحق والحرية بمعايير مزدوجة.
ففاوستيو الاستبداد من مناصري السلطوية البديلة ذات المرجعية الدينية المتوهمة وإن مارسوا النقد المشروع للسلطوية الجديدة القائمة اليوم في بلادنا ويفندون بعضا من خطاياها، إلا أنهم يعتمون على خطاياهم هم ويتجاهلون غياب المراجعة وممارسة النقد الذاتي بين ظهرانيهم ويهاجمون بضراوة الأصوات الديمقراطية التي تطالبهم بالاعتراف بالخطايا والأخطاء التي ارتكبوها وسببت (بين عوامل أخرى) فشل تجربة الانتقال الديمقراطي في مصر، يهاجمون تلك الأصوات لكي ينزعوا عنها المصداقية ويفرضوا الصمت عليها ولكي يبدوا هم زيفا أمام الرأي العام بمظهر الطرف الوحيد المقاوم للسلطوية الجديدة. يمارون في مسؤوليتهم عما آلت إليه أحوال مصر، مثلهم مثل قوى اليمين واليسار والمجموعات العلمانية التي زعمت الدفاع عن قيم «الدولة المدنية» ومعارضة «الحكم الديني» لكي تبرر تحت رايات ديمقراطية زائفة نشوء السلطوية الجديدة ذات الإسناد العسكري-الأمني وتتجاهل لفترة غير قصيرة الانتهاكات المروعة للحقوق والحريات التي طالت مناصري اليمين الديني من إخوان وأتباع.

٭ كاتب من مصر

«فاوستيو» الاستبداد

عمرو حمزاوي

- -

5 تعليقات

  1. اللهم اهدنا لاستخدام المصطلحات الدالة دون لف أو دوران. خدمة السلطة= خدام البيادة، السلطوية= الانقلاب، فاوست= التحالف مع الشيطان، وإن كنت أعلم أن كثيرا من القراء لا يعرفون شيئا عن فاوست، أصحاب المرجعية الدينية المتوهمة= حزب النور ، الدولة المدنية = نفي الإسلام وإقصاؤه، الحكم الديني= الحكم الإسلامي.

    • لا أظن فاوست هنا هو الشخصية المناسبة لاسقاط مايحدث حاليا عليها لاسباب كثيرة منها ان فاوست يعيش فى كل انسان من خلال تنارع قوى الخير والشر فى كل فرد كما أن الله عفا عن فاوست فى النهاية ولا اظن ان الله سيعفى عن فردا واحدا من حكام العرب او حكوماتهم فى ظل مايحدث منهم او من غيرهم امام اعينهم وسكوتهم على طغيان الجانب الشرير فيما يحدث الأن. لذلك فالشخصية المناسابة لما يحدث هى شخصية مفيستو الذى يمثل الجانب الشيطانى فى شخصية فاوست وليست فاوست نقسه وذلك اذا أراد الكاتب أن ينعتهم بكل هذه السلبيات والشرور

  2. عندما كنا اطفالا صغارا في المدارس الابتدائيه كان يطلب منا كتابه موضوع انشائي عن الربيع وعيد الام .. كان الجميع يكرر الربيع فصل جميل .. أين الفكره في هذا المقال الطويل ؟؟ يا دكتور ننتظر شيئا يليق بمقامك وعلمك كككككك .

  3. هذا الكلام صحيح ولكن السبب هو من تقصير الازهر واكثر المشايخ والعلماء او المتعلمين واكثر رجال الاعمال الذين لا يهتمون كثيرا بمشاكل الشعب وانشاء مشاريع تهم الشعب وتساعد على نهضته وبناء اقتصاد متين كما فعلت بعض الدول التي بنت اقتصادها من العدم كالليابان وكوريا والمانيا وحتى الصين الوطنية فلماذا لا نبني اوطاننا والمال موجود والعقول موجودة ولكن تنقص الرغبة والتخطيط من الوزراء او الرءيس الذي لم يطلب من الوزراء او من رءيس الةوراء وضع خطط من كل وزارة ومراجعة كل وزير ما نفذ من خطته للشعب والطلب من افراد الشعب التهعاون مع الدولة لانجاح الخطط التي تضعها الدولة وانجاحها وبذلك نجحت تلك الدول في بناء اتصادها اما التصريحات والخطب الفارغة التي يلقيها الرءيس مجرد كلام لا يفيد اذا لم تكن ذات معنى 0

  4. لا تناقض بين استعمال القوة الغاشمة ورجل جاء فوق الدبابة.. المشكل في موافقة كل المحيطين.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left