التطرف والتطرف المضاد

حسن أوريد

Feb 07, 2018

يعود إلى واجهة الأحداث موضوع المحاربين في صفوف «داعش» من الأوروبيين بعد تقويض «الدولة الإسلامية»، ووقوع كثير منهم في قبضة السلطات العراقية أو كردستان العراق.
وتتوزع الرؤى حول كيفية التعامل مع العائدين، هل يتم التعامل معهم كمُغرر بهم يمكن الصفح عنهم، أو تائبين يمكن التجاوز عنهم، أم جانحين يؤخذ بأيديهم بعد سلسلة تدابير لإعادة الإدماج، أو مجرمين يقعون تحت طائلة القانون. ومن الآراء المتشددة التي لا تؤمن بالتوبة ما ضمّنه الفرنسي دفيد في كتابه «العائدون» الذي لقي رواجا كبيرا، أنحى فيه باللائمة على محاولات إعادة الإدماج، وأعلن فشل مقاربة ما سمي بمراكز استئصال التطرف.لم يعد أحد يتستر على فشل مراكز استئصال التطرف.
في اجتماع انعقد بباريس في نوفمبر 2016، على مستوى مختصين في قضايا الإرهاب، راحت مسؤولة في وزارة الداخلية الفرنسية تحصي «مزايا» إنشاء مراكز رصد العناصر ذوي النزوعات الإرهابية، كي يودَعوا فيها من أجل إعادة «إدماجهم». عُهد إلى الخبير في علم النفس التونسي فتحى بنسلامة بالإشراف على تلك المراكز، في إطار برنامج استئصال التطرف. كان السؤال المحير هو، ما هو المعيار الذي تعتمده السلطات الفرنسية لإيداع إرهابي محتمل، أو مفترض في تلك المراكز، لأن «الاحتفاظ» أو على الأصح الاعتقال، يتم ليس بناء على فعل تحقق، ولكن على فعل ممكن التحقق، أو عدمه.
لم يكن هناك من سند قانوني لما كان يبدو اعتقالا مُقنّعا، بناء على الظن، أو سوء الظن. أمام دهشة الخبراء لهذا الإجراء غير القانوني، عقّبت المسؤولة أنه يُستحسن أن تتم مؤاخذة المسؤولين على ما يصنعون، عوض أن يؤاخذوا عما لا يصنعون. انبرت لبنانية حاضرة في اللقاء لترد: «سيدتي، إنني بدءا مسيحية، ولا أنطلق من فهم معين للإسلام ولكن ما تقدمينه هو غواتنامو جديد».
الإرهاب هو التحدي الأكبر الذي يواجه العالم حاليا، وجزء كبير من أسبابه هو ما يسميه الخبراء بمعارك المخيال، والعنف أحد أدوات التعبير عن تلك المعارك، لكن ألا يسهم تطرف الخطاب، من أي جهة، في تأجيج الصراع وإشاعة الكراهية، ومن ثمة اللجوء إلى العنف؟ أليس هناك تطرف يصدر من مرجعيات غربية، سواء على المستوى الرسمي، أو الجسم السياسي أو الأكاديمي أو الإعلامي؟ أو من سلوكات مجتمعية؟
لندعْ كل الأدبيات المعروفة عن التطرف الإسلامي، والتنظيمات التي تتفرع عنه، ولْنقفْ عند التطرف الذي تغذيه الاتجاهات الغربية، إما من مرجعيات ثقافية معينة، يمينية أو علمانيات متطرفة. موجة العداء للإسلام أو «الاسلاموفوبيا» لم تعد محصورة في التحرشات ما بين الفئات الفقيرة في الأحياء الهامشية، بل أضحت اتجاها عاما، يتلفع بدثار العلم، من خلال الدفع باستنتاجات تزكي منطلقات خاطئة، بالاعتماد على تقنيات البحث، من استطلاعات الرأي والإحصائيات، أو بتعبير الباحث السوسيولوجي، فانسن فيسجر العداء للإسلام أصبح أكثر «علميا».
لا مراء في أن هناك علاقة وثيقة أو ترابطا ما بين العداء للإسلام أو الإسلاموفوبيا والإرهاب، فالمواقف المسبقة من الإسلام ومن المسلمين، ومواجهتهم بالعداء هو ما يغذي التطرف من مرجعية إسلاموية، وهو الأمر الذي أقر به مسؤولون فرنسيون أنفسهم. عقب أحداث «شارلي أيبدو»، انبرى الوزير الأول الفرنسي السابق مانويل فالس ينتقد وضع الأبارتيد الذي تعيشه بعض الجماعات في خاصرة المدن الكبرى من الضواحي أو الأحياء الشعبية. وأقرّ الرئيس الفرنسي ماكرون مؤخرا بأن الدولة، أو الجمهورية، مُقصّرة في بعض مهامها، ما يدفع البعض إلى استغلال الظروف الصعبة التي تعيشها الجماعات أو بعض افرادها.
ورغم الوعي الذي أخذ ينفد لدى السياسيين في فرنسا، من أجل إعادة النظر في الهجرة و الإدماج والسياسات الاجتماعية، فإن التطرف من مرجعية غربية يظل قائما في الإعلام والأوساط الأكاديمية، ولدى صانعي الرأي العام. وقد يستند لتسويغ رؤاه باستخدام خبراء ومختصين من «المسلمين»، ممن قد يزايدون في الأمر، بناء على ما يسمى بغلو المُتحول، أو ما كان يعرف في الأدبيات الاستعمارية بـ»عربي الخدمة».
صدر قبل شهور كتاب لقي رواجا كبيرا وتم الاحتفاء به من لدن وسائل الإعلام، هو كتاب «عدم الخضوع» لمحمد سيفاوي، وهو فرنسي من أصل جزائري، اشتغل صحافيا بالجزائر أثناء ما يسمى بالعشرية السوداء، وارتحل خلالها إلى فرنسا وحصل على الجنسية الفرنسية. يَصْدر سيفاوي من موقف مناوئ للحركات الإسلامية بكل أشكالها ولا يميز بينها، وهي بالنسبة إليه حاضن للإرهاب.
التصدي للإرهاب يبدأ حسب الخبير من تجفيف منابعه الأيديولوجية، وإلا ستكون الحرب على الإرهاب كمن يرقم على الماء، ما يستلزم رصد الخطاب، وتعقب أصحابه، والتضييق على الجمعيات، ومنع أماكن العبادة، مع كمية من «النصائح» التي يقدمها، لـ»استئصال الإرهاب». لا يقول الخبير شيئا عن الظروف الاجتماعية التي تعيشها المجموعات الإسلامية، في أحياء هامشية، ولا على العنف الرمزي الذي تتعرض له، والميز المستتر، سواء في الشغل أو السكن، ولا الأحكام المسبقة الناجمة عن الاسم أو اللون.
كاتب جزائري

التطرف والتطرف المضاد

حسن أوريد

- -

4 تعليقات

  1. حسن اوريد كاتب و باحث وروائي ودبلوماسي مغربي
    -
    تحياتي

  2. تصحيح

    كاتب المقال مغربى من باب تصحيح معلومة, اما المغاربة والجزائريين شعب واحد رغم الواقع الرديئ.

  3. مقال رائع للمؤرخ والروائي والاكاديمي المغربي حسن اوريد.وففك الله

  4. مقال اكثر من رائع للأستاذ المحنك والباحث والمفكر والمؤرخ والروائي المغربي حسن أوريد تحياتي.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left