كيف أثبتوا أن المسلم الحديث همجي بطبعه؟

نزار بولحية

Feb 07, 2018

هل غلب الطبع على التطبع فعلا وبان الآن بالكاشف أننا خدعنا الآخرين بذلك الرداء الزائف من الأخلاق والقيم، الذي تخفى وراءه الاستاذ، ولم يكن إلا ورقة توت حجبت لوقت محدود سوءاتنا وعيوبنا وطباعنا الأصلية الشريرة؟
أم أننا نحن الذين خدعنا اليوم بتلك الصورة المضللة لطارق رمضان، التي صنعتها آلة جهنمية تسحق كل الوجوه والرموز الإسلامية الجادة والمستنيرة؟ سؤال سيبقى الجواب عنه مفتوحا ومعلقا إلى حين، لكن ما سيرسخ في الأذهان وما لم تجد معظم وسائل الاعلام الاوروبية بدا من التذكير به منذ اواخر العام الماضي، اي منذ تفجر ما أصبح معروفا بفضيحة الأكاديمي الإسلامي البارز، هو أن صورة المتهم «لن تعود ابدا مثلما كانت عليه من قبل» بعد أن تلطخت وتشوهت وتفتت بما يكفي وزيادة، وباتت عملية ترميمها وتركيبها أشبه بالمهمة الصعبة، حتى لا نقول شبه مستحيلة.
أما ما جعل البعض يرى أن انحياز الاعلام الاوروبي واستبعاده الكامل لقرينة البراءة في قضية رمضان، أمر مفهوم ومعقول فهو القبول بما أطلقت عليه إحدى المحاميات الفرنسيات المعروفات مبدأ تقاسم الأدوار، الذي يفترض حسبما قالته في برنامج تلفزيوني بث على قناة «ار تي أس» في ديسمبر الماضي بعنوان «قضية طارق رمضان» أن هناك حاجة وضرورة لان «نفصل بين الادوار». فدور الصحافة كما قالت لورا سنتانينو «هو نقل الأخبار التي لها منفعة عامة. وقضية قرينة البراءة لها أهمية قصوى وقت المحاكمة. والسيد رمضان سيحاكم ويجب أن يتمتع بالطبع بقرينة البراءة وقت المحاكمة، ويجب أن يتمتع بمحاكمة عادلة وهذا ايضا في صالح الضحية، لانه من غير المعقول أن تسقط القضية بسبب عيب شكلي»، على حد وصفها. وهو ما يعني ألا مشكل أبدا في أن يقصف الإعلام ويسحل الجامعي صباح مساء، ويصفه بأقذر النعوت واشنعها ثم يترك للقضاء العادل والمستقل بعدها أن يقرر مصيره، ويحدد ما اذا كان مذنبا أم بريئا. أليس ذلك هو ما يحصل بالضبط، وربما بالحرف ايضا في كثير من تلك الدول التي توصف بالمارقة والاستبدادية، والتي يفقد فيها الإنسان حقه الاصلي في الدفاع عن نفسه في وجه اي تهمة قد تلصق به وتوجه له، متى رأى النظام انه حاد عن السكة وخرج عن الصراط المستقيم؟ أليس ذلك ايضا هو الاسلوب الناعم الذي يتم التعامل به مع أي صوت معارض أو مشكوك في ولائه يظهر في تلك البلدان الكليانية والديكتاتورية؟ قد يقول البعض إنها الضريبة الطبيعية للشهرة والنجومية وإن أي شخصية عامة، سواء أكانت سياسية أو اعلامية أو اجتماعية، لابد أن تكون عرضة لتشهير الإعلام، وربما حتى مبالغاته وانحرافاته في تضخيم اي حدث أو موقف أو سوء تقدير، أو حتى خطأ أو زلة يقترفها مشاهير الفن، أو السياسة أو الرياضة، ماداموا تحت الاضواء، ولعل ما حصل مع الرئيس الامريكي الاسبق بيل كلينتون، أو مع مدير صندوق النقد الدولي الاسبق دومينيك ستراوس، ليس الا غيضا من فيض من الامثلة على ذلك. وقد يقول آخرون إن شناعة وفداحة الأفعال المنسوبة لرمضان تجعل التشهير بها وإدانتها عملا مطلوبا، بل حتى واجبا انسانيا نبيلا وانتصارا للضحايا ولحقهن في مقاضاة من جنى عليهن وانتهك حرمتهن، وتحذير وتنبيه غيره من مغبة اقتراف تلك الافعال مجددا.
وربما سيضيفون أيضا بعد كل ذلك انه لا حصانة لأحد في دولة القانون، مهما عظم أو صغر اسمه وشأنه، اذا ما تعلق الامر بقضايا تخص تعديات وانتهاكات على حقوق الافراد وحرياتهم. ولن يكون بمقدور أحد أن يجادل أو ينكر ذلك أو يعترض عليه، أو يقول خلافه. فلا احد باستطاعته أن يبرر أو يجمل اي فعل اجرامي أو يناصر المجرم وتحت اي ظرف كان، وإلا كان شاهد زور على انهيار العدالة وضياع الحقوق.
لكن بعيدا عن الحسم فيما اذا كان رمضان بريئا أم مذنبا، ألا يجدر بنا التساؤل قليلا إن كنا حقا ازاء قضية أو قضايا ذات طابع جنائي بحت، وتقع تحت طائلة القانون وحده؟ أم إننا ازاء قضية أو قضايا ظاهرها إجرامي وشخصي فقط، لكن جوهرها وباطنها سياسي وحضاري شاسع وشامل؟ لا شك أن طارق رمضان ليس بيل كلينتون أو دومينيك ستراوس، ولا شك ايضا أن ضحاياه لسن شبيهات بمونيكا لونيسكي أو نفيساتو دياللو. ولكن ألا يبدو لافتا انه في الوقت الذي يكاد يحصل فيه إجماع على إدانة «الاسلامي السويسري المثير للجدل» كما وصفه موقع اخباري فرنسي، لا يمكننا حتى الان أن نسمع أو نعرف من المعني المباشر بالقضية سوى أنه انكر جملة وتفصيلا ما نسب له، ورفض الإمضاء على محاضر التحقيق أو قال للمحققين، حسبما نقلته بعض المواقع الإعلامية، إن ما حصل له هو «حملة اكاذيب» يشنها خصومه. أليس الإنكار عملا عبثيا بوجود أدلة وقرائن تدينه لا تتعدى حتى الان شهادة امراتين ادعتا انه اغتصبهما قبل سنوات؟ قد يكون ذلك وحده كافيا من وجهة نظر القضاء لإدانته، أو ايقافه مثلما حصل الجمعة الماضي. ولكن لنتأمل القصة جيدا فهذا استاذ جامعي يحتل مركزا عاليا ومرموقا في سويسرا وأوروبا، ويعيش في بلاد تكفل نظمها وقوانينها لأي شخص أن يعاشر من يريد ويختار بدون اي تضييق أو تدخل، وأن يقيم علاقات مع من يشاء شرط قبول الطرف الاخر ورضاه بالطبع، لكنه يفضل بدلا من ذلك اغتصاب سيدتين «في وضع ضعيف» كما وصفهما القضاء. ألا يعني ذلك في نهاية التحليل أن هناك خللا ما في الاندماج الفعلي بين الثقافة الاسلامية والبيئة والحضارة الاوروبية؟ قد يكون ذلك بالفعل هو الاستنتاج الأقوى الذي اراد الاعلام الغربي التوصل السريع له، من وراء تناوله الواسع للقصة، ومن زواية واحدة لم تدع مجالا للشك أبدا في أن حالة رمضان لم تكن بالنسبة له سوى المثال الأبرز على همجية المسلمين وتوحشهم وافتقادهم لأي حس إنساني أو حضاري.
لكن ذلك جعل كثيرين ايضا يتنبهون إلى أن الخطر لم يكن فقط في الخلط الذي سببه التركيز المفرط في السابق على تقديم تنظيم «الدولة» كرمز وحيد لتلك الوحشية التي ظهرت في جز الرؤوس وحرق الأحياء في اقفاص، بل فيما فعله الان قسم واسع من الاعلاميين الاوروبيين بمحاولتهم وضع كل المسلمين في سلة واحدة، والإيهام بألا فرق ابدا بين سلفي أو داعشي أو جهادي، ومسلم عصري وحداثي يتبنى الافكار التحررية والديمقراطية، لان همجية الكل بالاخير واحدة. والمصيبة هي أن آخر ما قد يشغل المسلمين هو ما يقوله الاخرون عنهم، وآخر ما قد يهتمون به ايضا هو أن يبحثوا عمن خدعهم وكذب عليهم، ولايزال مستمرا في فعل ذلك إلى يرث الله الارض ومن عليها.
كاتب وصحافي من تونس

كيف أثبتوا أن المسلم الحديث همجي بطبعه؟

نزار بولحية

- -

2 تعليقات

  1. للتذكير فقط إلى حد اليوم الضحية ليس السيد طارق رمضان بل المواطنة التونسية الفرنسية هندة عيارى و الفرنسية كريستال ….تحيا تونس تحيا الجمهورية

  2. طارق رمضان مستهدف لاسقاطه وتلويث سمعته….المدعية التونسية ليست الا أداة رخيصة تستعمل ثم ستلفظ في المزابل….الأسلوب الساقط هذا وقعت تجربته سابقا وباخراج افضل بكثير…. ولم ينجح…لأن الباطل كان زهوقا

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left