محتجون «أقل» في الأردن… لا تحتفلوا

بسام البدارين

Feb 07, 2018

لا أجد مبررًا على الإطلاق لاحتفال أي رسمي او موظف أردني بـ «الأقلية» التي نزلت للشارع أو بـ «الأغلبية» التي قبضت فعلا بدل نقد سعر الخبز التي يزيد عددها على أربعة ملايين مواطن.
الاحتفال هنا أقرب لصيغة اللطم الوطني ومحاولة للقفز على سطح الأحداث وتجنب الحفر العميق من دون مبرر.
لو كنت مكان اي مسؤول حكومي لوقفت متأملا وبعمق في الأسباب التي تؤدي أصلا لوجود أكثر من 60 ٪ من الشعب الأردني في مستوى الفقر والدخل المتدني، وبصورة تجعل ستة مواطنين من كل عشرة أردنيين وحسب معطيات الرقم الحكومي نفسه فقراء جدا ويستحقون مبلغا مقداره 27 دينارا فقط في السنة كمساعدة تحت بند رفع أسعار الخبز.
هذا يعني ببساطة ذوبان كبير للطبقة الوسطى على اعتبار أن الآلية التي تقررت أصلا لدعم الخبز عادلة ومنصفة ووصلت فعلا للجميع.
ما الذي يدفع صاحب ضمير للتصفيق عندما يرى بأم عينيه بأن الطبقة الوسطى في بلاده تضمحل او طبقة الفقراء الذين يحتاجون لمساعدة الخزينة من أجل رغيف الخبز تحديدا تزيد نسبتها عن 60 ٪؟.
..سؤال يتجنب المسؤولون الأردنيون طبعا الإجابة عليه لأن الكثير من السياسات الرسمية حولت الأردني فقط وهو من أعز الناس وأكرمهم وأكثرهم مروءة وكرامة وشجاعة ورجولة إلى متسول للمساعدة الحكومية مع أن الحكومة هي التي ينبغي أن تتسول المواطن فهو بكل بساطة «ينفق عليها».
لا يفاجئني الدكتور عبدالله العكايلة وهو يشير إلى أن نحو 90 ٪ من نفقات الدولة الأردنية يدفعها المواطن الأردني الفقير والغني.
وما أفهمه ببساطة عندما يبلغني وزير او سياسي صديق بأن النفقات العامة ينبغي أن تتساوى مع الإيرادات، أن الأردني ينبغي أن يواصل الدفع ومن جيوبه على كل مظاهر النفقات العامة فالشوارع والإضاءة والرواتب على حساب فقراء الأردن بالنهاية.
رواتب الوزراء والموظفين وسفرهم وتنقلاتهم والأموال التي يدفعها النواب في الخارج والداخل ومظاهر الأبهة والبذخ الكاذب عند المشاركة في مؤتمرات خارجية لا معنى لها كلها تدفع من جيوب المواطن الأردني الذي يدفع أيضا نقدا بدل الأمن الذي يحميه او يقمعه في بعض الأحيان.
يعني ذلك ببساطة بأن المواطن الأردني يدفع ثمن البسطار وكلفة السجون وحماية أطفاله ويدفع كلفة الاستقرار الذي تعيشه البلاد كما يدفع رواتب الوزراء الذين تخصص لهم عدة سيارات وبدل سفراتهم للخارج حيث أقسم أحدهم أمامي بأن أحد الوزراء في حكومة التقشف الحالية وخلال سبعة أشهر فقط مكث في البلاد 27 يوما للعمل فقط، وهو ليس وزير الخارجية بكل الأحوال.
هذا مؤشر حيوي على عجز الحكومات المتتالية عن تحقيق تنمية اقتصادية فعالة، او التنويع في مصادر الدخل للخزينة ومواردها، وأحسب أني أضم صوتي للعكايلة كخبير اقتصادي وهو يقول إن مثل هذا النظام المالي في الإنفاق على الدولة والحكومة وبهذه النسبة فريد ولا مثيل له في العالم.
طبعًا ينبغي أن يسهم المواطن في أي دولة ومكان بخزينة بلاده، لكن ليس بهذه النسبة، حيث تعطلت في الحالة الأردنية السياحة، ولا تتقدم الزراعة وتحول الصناعيون إلى «وجهاء» يطمحون في المناصب والوظائف، وكل قطاعات خاصة تدر دخلا يتم استهدافها كما حصل تماما مع القطاع الطبي.
وصفة أمنية غريبة تقررت قبل أربعة أعوام أجهزت تماما على دخل البلاد والخزينة من العلاج الاستشفائي بحجة فرض قيود تأشيرات على المرضى من اليمن وليبيا والسودان، علما أن جميع الخلايا والعصابات الإرهابية والإجرامية التي تحركت وضبطت وأجرمت في الأردن تشكلت من أردنيين خالصين لا غبار على أردنيتهم.
تدفع الشعوب أكثر من نصف دخلها في بعض الأحيان بدل الضرائب والرسوم.
لكنها تحصل بالمقابل على خدمات رفاه اجتماعي وعلى قطاع عام يقدم بكفاءة الخدمات.
من ينفق على خزينة بلاده ويصرف عليها كالمواطن الأردني تماما وبدون مبالغة ينبغي عندما يكبر في السن والعمر أن لا يبيع العلكة على الإشارة الضوئية وينبغي ان يحصل على علاج طبي سريع وفعال ويخلو من مواعيد لمدة تسعة أشهر من اجل التقاط صورة أشعة.
يدفع الناس.. لا خلاف على ذلك.. والدولة تحتاج لتأمين خدماتها لهم.. لا خلاف على ذلك أيضا، لكن المواطن الذي يدفع أكثر من 90 ٪ حصته في نفقات الدولة حتى بدون التشاور في كيفية الإنفاق ومعرفته على أي أساس أقل ما يتوقعه ضمانات لكرامته في الشيخوخة وخدمات رعاية اجتماعية حتى لا نقول «رفاه اجتماعي» ونتحدث هنا عن تراجعات يقر بها علية القوم في كل أنماط خدمات القطاع العام الأردني اليوم وليس غدا.
القطاع العام الأردني كان مضربا للمثل ومرشدا ومعلما لكل دول الجوار والخليج العربي في الصحة والتعليم والقضاء والبنية التحتية.
اليوم تتحدث حتى القيادة العليا عن تراجع خدمات القطاع العام.
باختصار لا يوجد مبرر لرش اي كمية من الملح على جرح الناس.. الأردن بلد صغير وأهله يعرفون بعضهم جيدا وبالتالي لا مبرر أخلاقيا او وطنيا وفي اي وقت للمبالغة في الاحتفال لأن عبقرية الإدارة الأردنية تميزت في جعل المواطن مصدرا لدخل الخزينة وبدون ان تقدم أكثر من الأمن والأمان لهذا المواطن.
لا يوجد مبرر للتصفيق لأن عدد الأردنيين الذين خرجوا للشارع هو الأقل ولأن عدد من قبضوا بدل الدعم البائس للخبز هم الأغلبية.. تلك ليست وصفة للاستقرار ومحطة تستوجب التعمق والتأمل وليس الاحتفال.

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

محتجون «أقل» في الأردن… لا تحتفلوا

بسام البدارين

- -

2 تعليقات

  1. *اضم صوتي لصوت الأخ (بسام) بارك الله فيه
    عدم خروج المواطنين للتظاهر والاحتجاج
    لا يعني (إنتصار الحكومة) بل هو الشعور
    باليأس و(الإحباط) وحرصا على استقرار
    البلد .
    *على الحكومة مراجعة حساباتها من جديد
    وتخفف الضغط ع المواطن المطحون..
    حمى الله الأردن من الأشرار والفاسدين.
    سلام

  2. عندما يطلبني ابني عشرة دنانير اسأله لماذا؟ وكيف ينفقها هذا المواطن الذي يرفد موازنة الدولة باكثر من 90 ٪ اليس للمواطن الحق في المراقبة كيف يتم صرفها. اليس لهذه البقرة الحلوب الحق ايضا في صناعة القرار والله لم اعلم ان جدي معكم عقد عبودية. لقد انهكتمونا وجلبتم الخراب للبلاد والفشل هو حليفكم….. والى متى؟ لقد طفح الكيل

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left