الوخز بالإبر في العضل الروسي

بكر صدقي

Feb 08, 2018

شكل إسقاط طائرة السوخوي الروسية على جبهة جنوب إدلب، ضربة جديدة لهيبة روسيا وعضلاتها المفتولة. وإذا كانت جبهة تحرير الشام (النصرة سابقاً) قد تبنت العملية، فما زلنا نجهل مصدر الصاروخ الذي أسقط فخر الصناعة الحربية الروسية، وهل هو، كما يشاع، صاروخ ستينغر الأمريكي الشهير الذي تسبب بهزيمة الجيش السوفييتي في أفغانستان؟ وهل هو صاروخ وحيد، أم تمتلك التشكيلات المسلحة المعارضة عدداً آخر منها؟
من غير المحتمل أن تشاركنا الاستخبارات العسكرية الروسية جهلنا بصدد هذه الأسئلة، في الوقت الذي يرأس الدولة الروسية ضابط استخبارات مخضرم كفلاديمير بوتين الذي يستعد لتجديد ولايته، بعد أسابيع قليلة، مثخناً بوخزات مؤلمة.
فقبل إسقاط المقاتلة التي كانت تصلي المدن والبلدات في محافظة إدلب بنيران جهنم، تلقت قاعدتا حميميم وطرطوس الروسيتان ضربات غير مسبوقة بواسطة طائرات بلا طيار، مجهولة المصدر أيضاً، قبل نحو شهر من الآن، حققت إصابات مباشرة في الطائرات القابعة في حميميم.
مجموع هذه «الوخزات» المؤلمة، تشكل ظاهرة جديدة، لا يمكن فهمها إلا بوضعها في إطارها السياسي. وما دامت موسكو متكتمة على مصدر، أو مصادر، تلك التهديدات، فلا يبقى لنا غير المجازفة بإطلاق افتراضات على أرضية التحولات السياسية المتسارعة في الصراع السوري.
يتفق المراقبون، عموماً، على أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بشأن سوريا هي المتحول الأهم في الصراع السوري، مع التركيز على حدود تلك الاستراتيجية وتناقضاتها الداخلية الظاهرة التي لا بد أن تنعكس على وضعها موضع التطبيق.
في هذا الإطار يمكن قراءة الورقة الخماسية التي صدرت في واشنطن، الأسبوع الماضي، بشأن تصور للحل السياسي في سوريا، يختلف عن ـ بل يتعارض مع ـ الرؤية الروسية، ويعيد الاعتبار إلى مسار جنيف وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة. وهكذا رأينا كيف تمت ترجمة ذلك التعارض في مقاطعة واشنطن وحلفائها لاجتماع سوتشي، بما في ذلك قرار الهيئة العليا للمفاوضات (المعارضة) بالمقاطعة، على رغم الضغوط الروسية الشديدة عليها. بسبب هذه المقاطعة السورية المعارضة ـ الدولية، كما بسبب رعونة الراعي الروسي وصلافته في التعامل مع المشاركين، فشل الاجتماع فشلاً مدوياً بما لا يقل عن دوي صاروخ الأرض ـ جو الذي أسقط الطائرة الروسية.
إنها صفعات متلاحقة على خد بوتين الذي كان يحلم أن يستعيد صورة روسيا القوية الند للولايات المتحدة في عصر الحرب الباردة، وقد فاته أن القوة لا تتأتى فقط من العضلات المفتولة التي يمكن، دائماً، تنفيسها بوخزة صغيرة، بل تتطلب عناصر أخرى، اقتصادية واجتماعية وثقافية وعلمية ومالية، تشكل بمجموعها البنية التحتية للقوة، تفتقد إليها روسيا.
يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً هو: إلى أي مدى يمكن لواشنطن وحلفائها أن يذهبوا في مواجهة روسيا في سوريا؟ ما نعرفه، إلى الآن، أنها تركز على مواجهة النفوذ الإيراني العابر للدول، لا مواجهة روسيا نفسها. ربما يمكن الاستنتاج أن هذه الوخزات الموضعية للقوة الروسية تهدف إلى فك التحالف الروسي ـ الإيراني في سوريا، أي رفع الغطاء الروسي عن الوجود العسكري والسياسي الإيراني في سوريا. هذا ما تفعله إسرائيل أيضاً، وإن كان ذلك بطريقة مختلفة، في غارات، أصبحت روتينية، على مواقع القوات التابعة لإيران ومنشآتها العسكرية على الأراضي السورية، بتنسيق مسبق مع الروس. الهدف الثاني للوخزات الأمريكية هو لإفهام روسيا بمحدودية إمساكها بالملف السوري، وهشاشة وضعها العسكري، الأمر الذي تجلى بوضوح في إفشال اجتماع سوتشي الذي كان الروس يعلقون عليه آمالاً مبالغا في حجمها. بلغة الدبلوماسية الأمريكية، تريد واشنطن «تغيير سلوك» موسكو، وليس إنهاء وجودها في سوريا.
لا يمكن التشكيك في فهم بوتين لما هو متوقع منه أمريكياً، لكنه لا يملك وضعاً مريحاً وخيارات سهلة للاستجابة بدون دفع أثمان باهظة. فمن شأن فك التحالف مع إيران أن يضعف الوجود العسكري الروسي في سوريا أو يخفض من جدواه، إضافة إلى الانعكاسات السياسية الكبيرة لهذا التدهور في القوة الروسية. وإذا كانت إيران تتفهم، على مضض، التنسيق الروسي ـ الإسرائيلي في الأجواء السورية، باعتبار ذلك داخل «قواعد اللعب» المسموحة بين الأطراف الثلاثة، فلا يمكنها أن تقبل بتخلٍ روسي عنها لمصلحة واشنطن. ففي هذه الحالة الأخيرة تكون إيران قد خسرت كل استثمارها الكبير في الصراع السوري، وفقدت دمشق -»درة تاج» امبراطوريتها المتخيلة.
أما سعي المحور الذي تقوده واشنطن، لإنهاء التفرد الروسي بالملف السوري، فهو متحقق عملياً، سواء في منطقة النفوذ الأمريكي في غرب نهر الفرات، أو منطقة خفض التصعيد في الجنوب، ولا يحتاج الأمر إلا إلى ترجمة هذه الوقائع الميدانية إلى صفقة سياسية.
هناك، طبعاً، اللاعب التركي الذي يعمل على الاحتفاظ بحصة ما من كعكة تقرير مصير سوريا، انخفضت توقعاته من تقرير مصير النظام إلى إضعاف العامل الكردي في الشمال المحاذي لحدودها الجنوبية، ويرتبط دوره، إلى حد كبير، بما تقرره له موسكو أو واشنطن.
غير أن إسقاط طائرة السوخوي يشكل بذاته حدثاً مفتوحاً على الاحتمالات، لأنه أول اختراق لمبدأ أمريكي ثابت في الصراع السوري، هو «الخشية من وقوع الأسلحة المتطورة في الأيدي الخطأ». وهل من أيد أكثر خطأً، من وجهة النظر الأمريكية، من فرع منظمة القاعدة الذي تبنى إسقاط السوخوي؟

٭ كاتب سوري

الوخز بالإبر في العضل الروسي

بكر صدقي

- -

2 تعليقات

  1. تعتبر روسيا من أغنى دول العالم بالموارد الطبيعية فهي تحتل المركز الأول في العالم لجهة احتياطات الموارد الطبيعية، التي تشكل لديها 20% من حجم الاحتياطات العالمية. تحتل روسيا المركز الأول في العالم بحجم احتياطات الغاز الطبيعي التي تبلغ لديها 32% من الاحتياطات العالمية، وتحتل المركز الثاني في مجال استخراج النفط في العالم حيث تستخرج 10% من حجم ما يستخرجه كل العالم، وتحتل المركز الثالث في حجم احتياطات الفحم، وتعتبر من الدول الرائدة في العالم بحجم الأراضي المغطاة بالغابات، وتحتل المركز الثاني بفلزات الحديد، والمركز الثاني بالقصدير، والمركز الثالث بالرصاص، ومركز متقدم جداً بالألماس، والمركز الرابع بالذهب، والمركز الأول بالفضة. يوجد في روسيا 8% من احتياطات العالم من البلاتين.

  2. روسيا متخلفة أو بشكل أدق ليست متقدمة في مجال الصناعات الأخرى، وذلك لأسباب تاريخية. أذكّر السادة القراء هنا أن روسيا تاريخياً كانت متخلفة عن أوربا الغربية وعندما قامت الثورة البلشفية في عام 1917 كانت روسيا دولة زراعية ولاحظت الثورة البون الشاسع بين روسيا والغرب في مجال التقدم التقني، فأصدرت قراراً بضرورة القفز بالبلاد من الزراعة إلى الصناعة الثقيلة مباشرة، وهذا ما حدث بالفعل، لذلك ما زلنا نرى حتى الآن أن روسيا متقدمة في مجال الصناعات الثقيلة من صواريخ ودبابات ومراكب فضاء وقنابل ذرية وغواصات الخ، لكنها فاشلة بامتياز في مجال الملابس والسيارات والكماليات والسلع الاستهلاكية الأخرى.
    بلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي في روسيا لعام 2014 مستوى 3745 مليار دولار. احتلت روسيا في نفس العام المركز 57 في العالم في مؤشر نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي حيث بلغ حوالي 25000 دولار أمريكي. بلغ متوسط دخل الفرد في روسيا في عام 2015 حوالي 500 دولار أمريكي وهذا رقم متواضع جداً في هكذا دولة غنية بالثروات الطبيعية.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left