اللهم لا تجعلنا من المفلوكين

بلال فضل

Feb 08, 2018

كان القاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي «بقيّة الناس ولسان أصحاب القياس»، لكن مدينته بغداد نَبَت به وأساءت إليه، على عادة البلاد بذوي فضلها، وعلى حكم الأيام في مُخبّأ فعلها، فخرج وفارق أهلها، وودّع ماءها وظلها، وقبل مغادرته لها، شيّعه من أكابرها وأصحاب محابرها كثيرون من عارفي فضله، فقال لهم: والله لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين في كل غداة، ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية، «فوالله ما فارقتها عن قِلىً لها.. وإني بشطّي جانبيها لعارفُ، ولكنها ضاقت عليّ بأسرها.. ولم تكن الأرزاق فيها تُساعفُ»، ليتوجه إلى مصر طلباً للرزق وسعة العيش، لكنه مات أول ما وصلها من أثر أكلة اشتهاها، ليقول وهو يتقلب ونفسه تتصعّد: «لا إله إلا الله لما عشنا مُتنا».
لم يجد الإمام أحمد بن علي الدلجي أبلغ من هذه الواقعة ليفتتح بها سِير أهل العلم والأدب، الذين جار عليهم الزمان، «فتقلّصت عنهم دنياهم ولم يحظوا منها بطائل»، والذين خصص لهم كتابه الفريد في موضوعه (الفلاكة والمفلوكون)، قائلاً إن لفظة المفلوك أعجمية الأصل، وأنها تعني الرجل غير المحظوظ المُهمل في الناس لإملاقه وفقره، ومتحدثاً عن الآفات التي تنشأ من الفلاكة وضيق الحال، وأبرزها القهر والإكراه، «متى استولى القهر والغلبة على شخص حدثت فيه أخلاق رديئة من الكذب والتخبيب وفساد الطويّة والخبث والخديعة»، وحين تحل الفلاكة والفاقة بأهل العقل والنباهة تلزمهم آلام عقلية بسبب تشوقهم إلى المكارم والمعالي، ولذلك لا يبتهجون بالأعياد والمواسم، بل تكون زيادة في كَمَدهم ونكدهم، ويؤلمهم ذكر نقائصهم الواقعة منهم أحياناً بحكم بشريتهم، ويؤلمهم أشد من ذلك إضافة النقائص الموهومة أو المكذوبة إليهم وهم منها براء، وتؤلمهم عزلتهم عن الناس، إما لأنهم يستثقلون مصاحبة الناس، أو لأن الناس يهربون منهم بسبب فلاكتهم.
في وصف لافت لعُقد المثقف وتصوراته عن نفسه، يرى الدلجي أن الفلاكة وسوء الحال ألصق بأهل العلم من غيرهم، لأن الإمارة عنهم بمعزل، والتجارة مبنية على السفسفة والمماحلة التي لا يجيدونها، والفلاحة والصناعة تلزمهما المهانة والتلوث برذائل الحيل الدنيوية، وأهل العلم لهم أنفة واستنكاف عن ذلك، فيقعدون عن الاكتساب متعللين بالأماني الكاذبة، فيقعون في الفاقة والإملاق، ويحسنون ظنونهم في الناس على مقتضى ما يتوهمونه في أنفسهم، بينما لا يقيم الناس لعلومهم ومعارفهم وزناً، «فيبنون ظنونهم على شفا جرف هارٍ وتأتي الحوادث بنيانهم من القواعد فتجتثه، ويعودون بآمال خاسرة وظنون كاذبة»، واتساقاً مع هذا التوصيف الدرامي، يحرص الدلجي على تذكير المفلوكين من أهل العلم بأن التملق والخضوع وبسط أعذار الناس والمبالغة في الاعتذار إليهم، وإظهار حبهم ومناصحتهم، من أليق الصفات بالمفلوكين، وأكثرها مساعدة لهم على بلوغ مقاصدهم في تحسين أحوالهم.
يروي الدلجي في كتابه سير أشهر المفلوكين من أهل العلم والأدب، فيحكي عن الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي كان يصبر على عيشه الضيق لكي لا يجاوز همه ما وراء بابه، «يقيم في خص من أخصاص البصرة لا يقدر على فلسين وأصحابه يكتسبون بعلمه الأموال»، والإمام الترمذي الذي ضاقت به الدنيا مرة فعاش سبعة عشر يوماً على اللفت يأكل في كل يوم حبة واحدة، والحافظ أبي حاتم الرازي الذي مكث ثلاثة أيام لا يأكل شيئاً من شدة الفلاكة، والمحدث محمد بن عبد الرزاق الرسعني الذي سافر إلى مصر لطلب العلم فسُرِق حماره وما عليه، فخرج متوجهاً إلى دمشق فأتى ليسقي فرسه فغرقا ولم يظهر له خبر، والأخفش الصغير الذي حاول الشكوى من فاقته إلى وزير متنفذ في عصره، فرفض مساعدته، فاضطر لأكل السلجم النيء فقبض على فؤاده ومات منه، والأديب البارع شهاب الدين التلعفري الذي ابتُلي بآفة القمار، فنادى الملك الأشرف أن من قامر معه قطعنا يده، فامتنع الناس من اللعب معه، فضاقت عليه حلب وتركها إلى دمشق، ولم يزل يستجدي بها ويقامر حتى بقي في أتّون من الفقر، والفقيه الشاعر الأبيوردي الذي بقي سنتين لا يقدر على شراء جُبّة يلبسها في الشتاء، ولكي يهرب من حرج الفقر، ادعى لأصحابه أن به علّة تمنعه من لبس المحشو من الثياب، وأبي الطيب الطبري شيخ الشافعية الذي كان له ولأخيه عمامة وقميص، إذا لبسهما هذا جلس الآخر في البيت.
يحكي الدلجي أيضاً عن بعض أهل العلم الذين جعلت الفلاكة أخلاقهم سيئة، مثل علم الدين الأصفوني الذي كان شرس الأخلاق ميالاً إلى الحسد لا تدوم له صحبة مع أحد، والفيروز آبادي الذي كان بذيء اللسان كثير الوقيعة في الناس لمن عرف ومن لم يعرف، وشميم الشاعر الذي كان رقيعاً يستهزئ بالناس ولا يعتقد أن في الدنيا مثله ولن يكون أبداً، والحريري صاحب المقامات الذي كان قذراً في نفسه وشكله ذميماً بخيلاً مولعاً بنتف ذقنه، وابن الخشاب الذي يصفه بأنه كان بخيلاً وسخاً قذراً، تبقى عمامته على رأسه حتى تتقطع مما يلي رأسه من الوسخ، وترمي عليها العصافير برازها فيتركه على حاله، وابن طارق الكركي الذي كان مغالياً في البخل والتقتير، وحين مات بقي في بيته أياماً لا يُدرى به، فأكلت الفئران أذنيه وأنفه.
لكن من هؤلاء العلماء المفلوكين أيضاً من لم يكن لديه من عيب خطير سوى صراحته، التي نفّرت منه القلوب، مثل الإمام ابن حزم الذي تألّب عليه الفقهاء واتفقوا على بغضه والتشنيع عليه، وحذّروا سلاطينهم منه، ونهوا العوام عن الدنو منه، فأقصته الملوك وشردته عن بلادها، حتى انتهى إلى بادية فلاة فتوفي فيها وحيداً شريداً، وهو مصير نال شبهه البارع اللامع ياقوت الحموي، الذي فرّ من بطش أهل به حين قال ما لا يعجبهم، «فامتطى غارب الأمل إلى الغربة، فلم يَرثَ له دهره الخؤون، وهيهات مع حرفة الأدب بلوغ طُرّ أو إدراك أرب».
يختم الدلجي كتابه بوصايا يُستضاء بها في ظلمات الفلاكة، ومع أنه يبدأ بالحديث عن الصبر والشكر وضرورة الاستهانة بأمور الدنيا وأهمية «الكمالات النفسانية التي لها لذة تزيد على اللذات الجسمانية»، إلا أنه بعد فقرتين من حديثه هذا لا يقوى على مغالبة حقائق الأمور، فيوصي المفلوك بأن «ذرة حظ خير من قنطار عقل، وأن جزءاً واحداً من المال خيرٌ من أجزاء كثيرة من الكمالات النفسانية، ولله درّ من سمى المال كمال الكمالات»، ثم يعود بعدها مباشرة للوعظ والتذكير بالله وأهمية الالتجاء إليه، قبل أن يختم وصاياه المرتبكة بقوله: «وكن مع الناس بلسانك وظاهرك من كمالاتهم الدنيوية التي يعتقدونها كمالاً، فإن الدنيا قد صارت مخارق بلا حقائق، وثمّ أمور لا يمكن التصريح بها ولا تتم بالتلقين، وأنا أسأل الله أن يوفقك لها ويوقفك على حقيقتها»، وهو نهج في النصيحة ستجده حاضراً بقوة في غناء المطربين الشعبيين، وفي ما يكتبه سائقو سيارات الأجرة والتكاتك على ظهور عرباتهم، وهو ما لخصه الحكيم الشعبي المجهول في عبارة لو أدركها الدلجي لزيّن بها صدر كتابه: «الجنيه غَلَب الكارنيه».

ـ «الفلاكة والمفلوكون» ـ الإمام أحمد بن علي الدلجي ـ دار الكتب العلمية.

٭ كاتب مصري

 

اللهم لا تجعلنا من المفلوكين

بلال فضل

- -

2 تعليقات

  1. أصابت الفلاكة زعماءنا الاشاوس ولكن ليس فلاكة املاق وفقر ولكن فلاكة فكر وعقل

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left