نداء عسكري للشهيد: سلم حالك بنطعميك كنافة! من برنامج أحياء يرزقون: «شربت بَوْلي ولم أستسلم»!

لينا أبو بكر

Feb 08, 2018

يقول الشهيد أحمد في حوار مؤرشف مع برنامج «أحياء يرزقون»، من ذاكرة الإعلام العسكري لكتائب شهداء الأقصى: (كنت متخبي تحت ركام مبنى المقاطعة في نابلس لثلاثة أيام متواصلة، وجنود الاحتلال فوق رأسي، يطلبون مني تسليم نفسي… في اليوم الأول لم أحس بالجوع والعطش، في اليوم الثاني بدأت أشعر بالغثيان والجفاف، ثم أوشكت على فقدان الوعي، ما اضطرني لشرب بولي في حذائي، وهم يقولون لي: اطلع، كل أصحابك سلموا حالهم وروّحوا لأهلهم إلا إنت، اطلع بدنا نطعميك كنافة ونشربك ماء عذبا… لكنني لم أرضخ»!
تخيل! إنك تشاهد الشهيد، أمامك يتحدث إليك عن ذاكرة استشهاده، ما أروع الفكرة، ما أروع الذاكرة، بل قل ما أروع الإعلام حين يبث برامجه من الجنة!
«أحياء يرزقون» برنامج يؤرخ ويوثق سيرة ومشوار شهداء وأبطال فلسطين، خاصة شهداء الكتائب، مستعينا بشهادات الأهل والأقرباء وأبناء الحي، ورفاق الجنة، ليشكل بحد ذاته ذاكرة حية ونابضة بالنماذج الأسطورية في تاريخ الصمود الفلسطيني، مواكبا مسيرة التضحيات والتحديات، عبر توظيف ذكي وعميق لمبادئ قرآنية راسخة في الوعي الجمعي، تشحذ عزيمة الافتداء والمضي قدما للظفر بإحدى الحسنيين، وتواسي أهل الشهيد بثوابه العظيم عند ربه، وخلوده في الفردوس الأعلى، وتحفظ المقاومة كفلكلور وقيمة تراثية في ذاكرة الأجيال القادمة، بأجرها، وأثرها في الحياتين، ليس فقط بمضمون البرنامج، بل باسمه وشعاره: «أحياء يرزقون»، فإنْ كان هذا يدخل في باب الدعاية الإعلامية، التي طورتها فيما بعد فضائيات المقاومة في فلسطين، مُسخرة كل وسائل التواصل الحديثة لبلاغاتها العسكرية، من البنيان المرصوص إلى القنابل الذكية: «العمليات الاستشهادية»، فإنّه يثبت مدى نجاح هذه الدعاية بالتغلغل في وجدان الشعب الفلسطيني، بعيدا عن ممارسات التضليل الإعلامي والتنسيق الفضائي الأمني مع العدو، لأن الخطاب السماوي منزه ومقدس، ويحظى بمصداقية وعظمة في الموروث الإبداعي للنضال الوطني.

إعلام الشهداء جارنا في السماء!

اعترف الصحافي الإسرائيلي مئير كوهين بتطور إعلام المقاومة، وهو ما حدا بإسرائيل لتطوير أساليب وأدوات خطابها في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث خصصت متحدثين عسكريين باللغة العربية، للرد على بلاغاتها العسكرية، وتغطيتها الإخبارية التي لا تخضع للرواية الرسمية الصهيونية، بل على العكس تماما تبطلها وتفضح زيفها ما يعني استقطابها مشاهدين من جبهة العدو يرون فيها ما يتم التعتيم عليه وتضليلهم به في إعلامهم.
خاصة أن بعض المشاهد التي تبثها هذه القنوات مقتبسة من أجهزة الكترونية لضحايا ناجين من مجازر الاحتلال، حصدت أكثر من عشرين مليون مشاهدة، وملايين التغريدات على تويتر، لتغدو الحقيقة من موقع الحدث شهيدة حية، بالصوت والصورة، وبلا أية مقصات أو تشويشات، أبطلتها «حماس» في حربها النفسية، باختراق بث بعض القنوات الإسرائيلية، وبإرسال رسائل نصية لهواتف الإسرائيليين، عداك عن البراعة والإبداع في أسلوب التخفي، وتدويخ العدو في مطاردة الشهداء، الذين يحجزون مقاعدهم في الجنة، وهم يستنزفون طاقاته ويفاقمون من رعبه وهو يتقفى عطر دمائهم، في مخابئهم التي تحرسها الملائكة!
«يمّا، بعد ما أستشهد غطيني… نفسي أنام وأتدفى…. طوال مطاردتي وأنا بردان، غفيت بالعراء والبرد ولم أجد ما يرد عن عظامي لسعات الزوابع والصقيع…. يمّا .. حين أعرج إلى المُنتهى… دثريني دثريني»… هذه هي وصية أحمد، لأمه، كما روتها لفضائية كتائب شهداء الأقصى ضمن الحلقة ذاتها من برنامج «أحياء يرزقون»، حتى تحول أحمد إلى أسطورة، يتفاخر بها أبناء عشيرته، عائلة «سناكرة» من مخيم بلاطة شرق جبل النار في نابلس، بعد أن قارع الصهاينة لأكثر من ست سنوات، لم تنجح خلالها مخابراتهم العسكرية والأمنية، رغم كل ما بلغته من تقدم تكنولوجي واستخباراتي بإلقاء القبض عليه، إنه الإبداع في الخلود بعد الموت، الإبداع في ابتكار أساطير جديدة من رحم تاريخ شهيد، وها هو أحمد سناكرة ابن مخيم بلاطة، بعد ثماني سنوات من حواره الإعلامي مع برنامج «أحياء يرزقون»، يستضيف في جنته أحمدا آخر من جنين هو الشهيد: أحمد جرار، ويا أيها المشاهد: أنا من جنين، فأي فخر هذا، أية كبرياء، أية عظمة أن يكون ابن قريتي جارنا في السماء!

صناعة الأساطير

لن يستطيع أحد في هذه الدنيا سوى الشهيد أو أمه، أن يرويا لكم كيف تخلق الأساطير في بلادنا، ففي حين تكرس الأمم، المتاحف والمكتبات الإعلامية والثقافية والمناهج الدراسية والأعمال الإبداعية، لتتباهى بأساطيرها بين الأمم، وهي بالمناسبة شخصيات لا معقولة، من نسج الخيال، والمبالغات التراثية التي تجنح للخرافة، كي تضفي سيماء المجد والأبهة عليها بما يعزز جرعة الفخر والمباهاة بها، كتاريخ مصان بالتقديس الذي يصل إلى مرتبة الألوهية، تجد الأساطير الفلسطينية حية وليست مكدسة بين الرفوف والأدراج، فأساطير فلسطين، ترث المجد وتعيد إحياءه من جديد، فشهيد اليوم هو ابن شهيد الأمس ، وحفيد شهيد الشهيد، ومن سلالة شهداء، في شجرة مُنتهى لأحياء يرزقون، جذورها في الأرض وفروعها في السماء، وهذه تحديدا السمة التي تميز الأساطير الفلسطينية عن غيرها من أساطير الأمم، فتخرق البعد التنافسي بابتكار صيغة حقيقية ومعقولة للشخصية المؤسطرة، دون أن تفقد قدسيتها، بما أنها لا تتطلب الإعجاز ما فوق البشري لهذه الشخصيات الخارقة والمستحيلة في ذات الوقت، بل تطلب معجزات الإلهية تكافئ التضحية البشرية السامية، بالخلود.
يخوض الطريد الفلسطيني، جولة مشرفة من جولات المعركة، تخترق كل المقدرات الأمنية والتجسسية لإسرائيل، وتستطيع أن تفر من الحصار إلى السماء بقفزة واحدة، هي الشهادة، ما يعني أن الاختراق يفوق الخُروق، فالمخترق معجزٌ أكثر من الخارق، والمعقول أكثر قدسية وبطولة وعظمة من اللامعقول، والحقيقة أجمل من الخيال، والبطولة بأضعف الإمكانيات أصدق من البطولة التي تصنعها المبالغات والخرافات، والذي منو!

عقيدة الخوف في المشاهد العمياء

الإعلام الصهيوني يكمم عينيه كي لا يرى الحقيقة، فإن رآها، يحرم المشاهد منها، فيعصب بصره وبصيرته بافتعال حدث بديل هو: الحدث الكاذب، والكذب هو التفاعل الإعلامي الأصدق مع الخوف، فمم يخاف الصهاينة؟
نسي العدو ما قاله فرانكلين روزفلت يوما: «إن الخوف نفسه أجدر بالخوف منه»، واكتفى به كلعنة تتنازل عن إنسانيتها بعكس ما رآه دوستويفسكي، ولهذا يعتبر العدو أن القبض على شهيد مطارد، هو إنجاز يتجاوز جبروت العصر التكنولوجي والتاريخ والزمن والفضاء والآلهة!
الفريد في قصة الأحمدين: «سناقرة وجرار»، هو إثبات جدارة الطريد وذكائه وشجاعته وتفوقه على كلاب الأثر، بما يعلي من شأن رمزيته ، فالمطاردة آلية قتالية، بتقنية الاستغماية، التي لا تحتاج سوى إلى مخبأ ومختبئ، وإخفاق في حدس التقصي، وكل ما هو خبيء ثمين، وكل من يبحث عن الكنز قرصان، أو لص، يرضخ لمهارة أصحاب المكان وخبرتهم به وتفاعلهم معه بالتالي تفاعله معهم بحنكة ومرونة، ليتحول عنصرا تمويهيا، يتماهى مع الشهيد في فلسفة القفز نحو السماء، ولذلك تحديدا تقتنع أنت كمتابع، أن المخبأ عدو القراصنة وليس حقا موعودا، وأنه لا أثر للشهيد سوى الجنة… ويا أيها الشهداء… إلى الله خذوني معكم، فلقد أصبح عندي الآن بندقية ومخبأ وبرنامج فضائي للأحياء عند ربهم، وأصبح عندي شهيد من مدينتي، يخبئ الجنة في معطفه العاري… فهل من مجيب!

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

نداء عسكري للشهيد: سلم حالك بنطعميك كنافة! من برنامج أحياء يرزقون: «شربت بَوْلي ولم أستسلم»!

لينا أبو بكر

- -

9 تعليقات

  1. يـشـهد الله أنـكـم شـهـداءُ. . . . . . . يـشـهد الأنـبـياءُ والأولـياءُ
    مـتمُ كـي تـعز كـلمة ربـي. . . . . . . فـي ربـوعٍ أعـزها الإسـراءُ
    انـتحرتم ؟! نحن الذين انتحرنا. . . . . . بـحـياة ٍ أمـواتـها أحـيـاءُ
    أيـها الـقوم نـحن مـتنا فهيا. . . . . . . نـستمع مـا يقول فـينا الـرثاءُ
    قـد عجزنا حتى شكى العجز منّا. . . . . . وبـكينا حـتى ازدرانـا البكاءُ
    – للشاعر غازي القصيبي -
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. وانا اقرأ ما اتحفتنا به السيدة المحترمة لينا ابو بكر استحضرت قصة عمي شهيد الثورة الجزائرية العظيمة الذي نبغ في الدراسة وهو يتيم فقامت جدتي بالانفاق عليه ووضع كل ماتملك في سبيل ان يدرس وينجح ابنها فعملت وجدت وكدت كي ترسله الى مصر وبعدما سافر وبدء يدرس وتفوق على اقرانه اندلعت ثورة التحرير فسافر الى العراق للتدريب والرجوع الى الوطن حيث نداء الجهاد وكتب رسالة لجدتي وفيما قاله لها لقد استبدلت الشهادة بالشهادة وفعلا رحع وسقط في ساحة الشرف وانا على يقين ان جدتي لم تخسر ما صرفته من اموال و جهد على ابنها بل ستجد الثمن في الجنة الا يشفع الشهيد في 70 من اهله سطري يافلسطين ملامح العزة والكرامة والشهادة وصدق من قال اطلبوا الموت توهب لكم الحياة

  3. “احياء يرزقون” مقابل “فوضى” انها معركة اعلامية بامتياز معركة الحق ضد الباطل، معركة الحقيقة ضد التلفيق،
    هؤلاء الابطال احياء عند ربهم يرزقون وفي قلب كل عربي حر

  4. لله درك يا لينا يا أبنة بلادي فلسطين وهنيئا لأحمد جرار الجنة..

    علمنا أحمد أنهم هم الأحياء ويرزقون ونحن أموات،،أيضا يرزقون،،وخلدت كلماته وبطولته وشهادته كلماتك واي فخر أعظم من هذا يا أبنة جنين الأبية مصنع الأبطال والشهداء

    أحيانا أتسائل هل يحق لي أن أقول أنا فلسطيني،،وانا أعيش في هذا الغرب المتوحش والمرفه في ان ،لكي اتشرف بالانتساب لفلسطين،،أم أن الفلسطيني هو فقط الذي يعيش هناك ويسطر الملاحم المتتالية ويضرب لنا الأمثال ويثبت للجميع اننا نحن الأموات وانهم وحدهم أحياء يرزقون،،ويكان جنين أضحت للجنة سبيل

    سلام عليك يا أحمد جرار يا شهيد واي منزلة أرقى من الشهيد في هذه الدنيا، سلام عليك في الخالدين ،،الذين نحسبهم أمواتا وهم أحياء عند ربهم يرزقون،،في جنات الفردوس الأعلى حيث لا زمهرير برد ،،،ولا حرور حر ،،سلام عليك يا أحمد جرار في أصحاب الجنة حيث يقول ألحق سبحانه عن أصحاب الجنة،،

    (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ (58).

    سلام قولا من رب رحيم ،،سلام عليك يا أحمد جرار ،،، سورة ياسين

  5. انت جميلة دوما الاستاذة لينا بكتاباتك الرائعة التي تطوف بنا في بحور اللغة العربية ومعانيها ومفرداتها ثم تربطين كل ذلك بالشهداء ومواقفهم البطوليه…تجعليين كل من يقراء كتابتك لو كان منهم….لهم التحية والتجلة فى علياءهم والرحمة والمغفرة من الله عليهم

  6. أبدعت يا أخية .. مع عجز الكلمات أحيانا عن رسم المشهد .. فسلام عليك يا أحمد في الخالدين

  7. جميل كالعادة
    وعن السؤال هل من مجيب!
    الجواب في متن المقالة الغنية بالعبر عن صمود الشعب الفلسطيني الذي يتوارث الشهادة بكرامة من أجل مستقبل أفضل

  8. لنا يا أستادة لينا أساطير حقيقة وواقعية يزخر بها تاريخنا ولم نعطها حقها إعلاميا وفنيا والدي يزيفها الغرب ولا ينجز سوى أساطير خيالية كسوبرمان والكوبوي لأن تاريخه مفلس.الشهداء هم أحياء عند ربهم يرزقون وبدليل القرآن.فالشهيد تنبعث من جثته روائح زكية كما جرى للرنتيسي زعيم حركة حماس عندما شيعت جنازته.كدلك جثة الشهيد لا تتحلل وهده معجزة ربانية وليست بأسطورة.مهاني ال

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left