المظلومية الكردية ومنطق المدافعين عنها

ميسرة بكور

Feb 09, 2018

منذ أسابيع قليلة كنت في إحدى المنظمات الألمانية الخدمية، ولأنني لا أجيد اللغة الألمانية بعد فقد كنت أحتاج لشخص يساعدني في الحديث لشرح فكرتي. وجدت شخصا في المكان نفسه يتحدث العربية على استحياء فساعدني نوعاً ما في الحديث. وبعد أن انتهيت قلت له بدافع الشكر والفضول من أين أنت؟ فقال أنا من دولة كردستان.
لفتني رده بهذه الصيغة فقلت له أين تقع هذه الكردستان؟ قال كردستان. فقلت: تقصد في العراق؟ قال: لا بل من كردستان. فقلت له متعمداً: ما علمت أن هناك دولة أسمها كردستان فبأي القارات أو المناطق تقع؟ قرب روسيا، أوروبا، أمريكا، في الهند، قرب أين؟ قال: في كردستان. فقلت له: فمن أي مدينة أنت من كردستان هذه؟ فأجاب إنه من السليمانية. قلت: تلك مدينة في العراق؟ قال: لا هي من كردستان. قلت: جواز سفرك أليس عراقيا؟ لم يرغب بالرد، ثم قال: كردستان دولة تحت التأسيس؟ فاتني أن أقول إنه وخلال الحديث قال: لا أفهم العربية بشكل جيد. وهي طريقة للتهرب من الإجابة. فقلت هل تتحدث لغة أخرى؟ قال: نعم أجيد الكردية والفارسية والتركية والألمانية، لكن العربية لا أفهمها بشكل جيد. قلت: سبحان الله يعيش في دولة عربية وعاصمة الخلافة العربية الإسلامية ولايفهم لغتها بينما يجيد لغة أقوام يعتبرهم من أشد خصومه!
ما أود قوله إن مشكلة هذا الشخص وغيره ليست مع العرب أو العربية بل مشكلته مع نفسه، ومع من أوصله لهذه الحالة من الخصومة مع واقعه العربي، وعزز هذا الفكر المتطرف في مخيلته. هذا الفتى الذي قد لايتجاوز العشرين من عمره هو ضحية من غرسوا في صدره العداء لمحيطة، ولم يغرسوا في صدره الطفولي التصالح مع مجتمعه وأن يكون جزءاً فاعلا فيه. وهنا بيت القصيد مع من يدعون أن محيطهم يكرههم وغير متصالح معهم رغم أن حكومة العراق منذ سنين طويلة منحتهم حكماً ذاتياً.
يفتح البعض مزادا يقول فيه إن منظري الثورة السورية العظيمة والمنافحين عنها لديهم سردية واحدة لمفهوم المعارضة أو الثورة تنحصر في تقسيم السوريين إلى ثائر أو مؤيد. ولم يفهموا أو لايريدون أن يدركوا التنوع الايديولوجي والديموغرافي الذي يشكل في مجمله نسيج وفسيفساء الجمهورية العربية السورية بشكلها الحالي. وبطريقة فلسفية جدلية مجتمعية يحاول تصدير وجهة نظره التي تصب في خانة ربما لا يريد الإفصاح عنها بشكل مباشر، لكن كما قالت العرب «اللبيب من الاشارة يفهم». بعبارة أدق يريد الحديث عن القوميات والعرقيات والحقوق والمظلومية وأشياء آخرى.
بكل شجاعة وقفنا لمحاولة البعض حرف الثورة السورية عن مسارها الطبيعي، وقلنا ونقول إن البعض حاد عن جانب الصواب وارتكب أخطاء كارثية وقد انتقدناهم حينها في كل وسائل الإعلام التي أتاحت لنا فرصة الحديث.
وهنا نعيد التأكيد أن البعض من المتسلقين الثوريين الذين ركبوا الموجة الثورية حاد متعمداً عن أهداف الثورة العامة وعن صلب ما خرجت من أجله وهو العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة المجتمعية لجميع السوريين. ومازالت حناجر الثوار الحقيقيين هاتفة صداحة (واحد، واحد، واحد، الشعب السوري واحد). لقد أعلنوها للبعيد والقريب أنهم يريدون سوريا وطنا حرا كريما عزيزا ينعم به أبناؤه – كل أبنائه – بالعدل والحرية والكرامة الإنسانية. ولم ننكر يوماً وجود هذه الفئة التي قدمت الخاص على العام، وعملت لأجل مصالحها الفئوية الحزبية الضيقة، وجلبت للثورة كوارث نتيجة تحزبها وأخطائها مثل شراء الولاءات واستخدام أموال الدعم للسيطرة على شريح معينة، مستغلة سوء الحال والحصار بهدف القول إنها صاحبة التمثيل الأكبر. كل هذا نعرفه وندركه وننتقده كما نفعل الآن فلا يزايد علينا أحد في هذا المضمار.
نعود إلى لب الموضوع ومشكلة البعض الذين مازالوا يصرون على التقسيم الطبقي والأيديولوجي والديموغرافي وخاصة أهلنا من الأكراد الذين يصرون على أنهم فئة مظلومة وأنهم طبقة متميزة عن عامة السوريين، ويصرون على أن لهم مطالب خاصة لا تجمعهم مع عامة ما أطلق عليه أحد الكتاب بـ «الكيان السوري» وأنهم الشريحة المستصعفة المخونة من جماهير الثورة ومنظريها، ومن تنظيم الأسد والمنافحين عنه.
أي مراقب متبصر بحقية الأحداث ومجرياتها على الساحة السورية ودون عناء يدرك أن هذا الكلام غير واقعي، على الأقل لجهة الثورة السورية والمدافعين عنها، رغم أنها لا تحتاج لمدافعين فشرعيتها واضحة وضوح الشمس في كبد السماء.
أما في ما يتعلق بشبيحة ومحازبي ومشايعي تنظيم الأسد فهم يعتبرون أن كل من لم يدافع عن تنظيمهم الفئوي الأقلوي الطائفي البغيض خائن، وأن دمه وعرضه حلال لهم. وهذا ينطبق على الجميع بمن فيهم العرب السنة وهم سواد أهل البلد عامتهم وخاصتهم. وأنا في حل من الحديث عنهم: «الشبيحة».
في ما يخصنا نحن الثائرين القابضين على جمر الثورة، وكما ذكرت سابقاً، أردناها ثورة لكل السوريين، وقد شاركنا معظم شرائح المجتمع السوري بمن فيهم الكرد.
لكن نقطة البحث التي يتهرب منها البعض أن هناك تحولاً قد حدث للأخوة الكرد وهو سيطرة الإقلية الشعوبية الانفصالية عليهم، وحرفوا مسارهم الثوري الذي يتشاركون فيه مع عامة الثوار وخاصتهم حين قرروا الانفراد بالرأي والحديث عن طرف ثالث، وعن أقلية مضطهدة، وأرادوا من الثورة السورية أن تكون جسراً لتحقيق مطامعهم وأهوائهم الانفصالية الواهمة في دولة داخل الدولة، والحصول على لقب الشعب الكردي، ولم يرغبوا بأن يكونوا جزءاً أصيلاً من الشعب السوري لهم ما للسوريين من واجبات وحقوق. فكان أن تحالفوا تارة مع تنظيم الأسد الذي سلمهم مناطق واسعة من شمال وشرق سوريا، ولما انتفخت الأنا عندهم وبات لديهم دعم دولي من أمريكا وروسيا قرروا بكامل إرادتهم والمقصود «الشعوبيين» تنفيذ مشروعهم الإنفصالي الشعوبي.
وللتذكير فتحوا لهم مكتب في موسكو ومكاتب في دول آخرى. وحاولوا ركوب موجة الحرب على الإرهاب وتنظيم «الدولة» للسيطرة وفرض النفوذ بالقوة الجبرية المدعومة من التحالف الدولي. وكان من أمرهم أن أعلنوا حكماً ذاتيا ومجلساً وطنياً «كرديًا» وقاموا بتجريف قرى بكاملها وتهجير أهلها رغم أنف الجماعة الوطنية والثورية. وعندما وجدوا أن الدول التي استخدمتهم كبندقية للإيجارأو قتلة مأجورين في وارد التخلي عنهم بعد أن نفذوا لها المهام القذرة عادوا إلى سيرتهم الأولى للحديث عن المظلومية والحقوق التاريخية التي لم يستطيعوا إثباتها، وتجاهلوا أن الثورة السورية خرجت ضد من اضطهدهم ومن اضطهد السوريين جميعاً.
بناء عليه نسأل هل يمتلكون الجرأة نفسها التي امتلكناها حين انتقدنا الأخطاء الكارثية التي تسبب بها البعض عن جهل أو حمق أو اجتهاد خاطئ؟
أيها الأخوة الكُرد ليست لدينا مشكلة معكم ولا مع غيركم فبرغم ما فعله نظام الأسد بنا ليس لدينا رغبة في إفناء من يمثلهم النظام أو رميهم بالبحر، إنما نريد العدالة، ويحاسب الشخص على ما اقترفت يداه. أما من التزم بيته ولم يشارك في جرم فله كامل حقوقه القانونية والإنسانية.
بالعودة إلى قضية أن الثورة تصنف السوريين إما ثائرا وإما «شبيحا» نقول بكل وضوح القضية اليوم ليست قضية اختلاف في وجهات النظر أو اختلاف على قانون أو اشياء من هذا القبيل، القضية اليوم قضية أخلاقية بأن هناك تنظيما أقلويا ومحازبيه تسببوا في قتل نصف مليون إنسان وأحرقوا ودمروا أكثر من نصف البلد، وبالتالي لم يعد هناك منطق للقول إن الموضوع لايخصني وأنا على الحياد. وإذا قدر للثورة الانتصار فسيأتي ويقول: كنت معكم ولم أقبل بما حدث لكن لم أستطع فعل شيء على عكس ما كان يفعل، فليس من المنطق أن يسرح ويمرح ويحتفل ويرفع رايات الأسد تحت عنوان القوة القهرية أو الحفاظ على وظيفته. آلم نكن موظفين وفي مراكز أهم من مواقعهم وغادرناها ولم نلتفت لشيء غير مصلحة الثورة السورية وقدمنا في سبيلها الغالي والنفيس؟
أيها السادة نعلنها للعالم بأسره دون خوف أو مداهنة إن الشعب السوري لم يقم بثورة تحالف ضدها ضباع العالم وأقزامه، وتطاول علينا من لا يستطيع الدفاع عن نفسه من أجل منح الكٌرد دولة أو إقليما خاصا، ولن نقبل بالفدرالية أو الإدارة الذاتية القائمة على الشعوبية. بالمناسبة نظام الأسد يتتبع الإدارة اللامركزية منذ سنين.
الإخوة الكرد مشكلتكم ليست مع العرب، ولا مع محيطكم، مشكلتكم مع أنفسكم.
هل قتل العرب منكم أكثر مما قتل تنظيم البرزاني وطالباني وحزب العمال؟ ألم تمنحكم الحكومة العراقية حكما ذاتيا منذ عقود؟ ألم يتحالف زعماؤكم الإقطاعيون مع الإيراني والسوفييتي والروسي والبريطاني والأمريكي، وجميعهم خذلكوم، لأنهم يدركون أن ادعاءات منظريكم كاذبة فكيف لبريطانيا أن تصدق مزاعم الحقوق القومية للكرد وهي من اخترع القومية الكردية لضرب الخلافة العثمانية؟ مشكلتكم مع أنفسكم، ومشكلتكم أنكم لاتريدون أن تتعايشوا مع بلدانكم. فكيف لمنظريكم أن يسوغوا كتابة ما يسمونها اللغة الكردية بالأحرف اللاتينية في سوريا من دون الأحرف العربية التي يستخدمها أهالي شمال العراق.
إنه التعصب البغيض. ثم كيف لهم أن يسوغوا الإصرارعلى تسمية عين العرب «كوباني» وهولفظ انجليزي وليس كُرديا فقط حتى لا ينطقوا التسمية العربية؟ وكيف يسوغ أحد الكتاب إطلاق تعبير «الكيان السوري» على الجمهورية العربية السورية وريثة الحضارة والتاريخ العريق، ووريثة الامبراطورية الأموية؟ وكيف يستطيع المنافحون عن المظلومية الكردية المزعومة رفضهم إطلاق اسم الجمهورية العربية السورية على سوريا ويجيزون لأنفسهم الحق بإطلاق اسم إقليم كردستان على أجزاء من سوريا؟ إنه العجب العجاب لو علمنا أن 85 % من السوريين عرب! وللإمعان في التناقض يسمون أنفسهم سوريا الديمقراطية! ولست أدري أي ديمقراطية هذه؟

كاتب سوري

المظلومية الكردية ومنطق المدافعين عنها

ميسرة بكور

- -

8 تعليقات

  1. الكُرد في بلادنا العربية نوعان
    نوع إسلامي قومي مندمج مع المحيط العربي له ما لهم وعليه ما عليهم
    ونوع علماني قومي إنفصالي يتربص بمحيطه العربي ويتآمر عليه بل ويتعامل مع أعداء الأمة كالصهاينة في سبيل ذلك
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. كاتب قديربصير؛ ومقال فيه من الحرص الأخلاقيّ والحضاريّ الكثير.بورك لقلمك ياميسرة بكور.فالكلمة الطيّبة الصادقة ؛ نورعلى نور.نسأل الله أنْ يجمع أبناء الأمة على رأي سديد منير؛ فالانتماء الحقيقي القويّ يكون في الأرض الأم جذور؛ ولتمتدّ الأغصان بعد ذلك نحوالضياء والنور.

  3. يااخى الكاتب حقائق التاريخ والجغرافيا القريب والبعيد تفيد بان قضية الكورد قضية شعب وامة مظلومةتعدادهم اليوم اكثر من 50 مليون حرموا من نعمة الحرية والاستقلال قسم بلادهم ومزق شملهم وتم توزيعهم على أربعة دول لا تؤمن بالعدالة والمساواة لأغراض واهداف استعمارية خبيثة من قبل الخبيثين سايكس وبيكوفى اعقاب انهيار الامبراطوية العثمانية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى لكى تبقى المنطقة ملتهبة يسودها الحروب والمجازر والخراب والدمار وينعق فيها البوم كما هو الحال اليوم ولا يمكن ان تستقر المنطقة ما لم يحصل كل مظلوم وذى حق على حقه المشروع في العيش بسلام وحرية وكرامة والسؤال يا اخى لماذا سمح للعرب ان يؤسسوا 23دولة ولم يسمحوا للكورد بدولة واحدة يحميهم من جور الزمان وظلم الظالمين

    • أعقد أن هذا يختلف أخي كوردى مخلص عن برنامج ال ب ب ك وقوات قسد وماتفعله أو تهدف إليه في سوريا بالتعاون مع أمريكا!, والتي يتم الحدثث عنه هنا المقال. أما حقائق التاريخ والجغرافيا القريب والبعيد, فقد تم الحديث عنها في مناسبات أخرى كثيرة, انظر مثلا مقال د. بشير موسى نافع البارحه في القدس العربي.

  4. اعتقد ان الامر الخطا الذي حدث ان الثورة السورية لم يكن لها قيادات معروفة قبل بدايتها والامر تطور مع تطور الاحداث وكل الخطابات في البداية او بعد ان اصبحت الامور واضحة اي من هم الثوار او المعارضين على الارض فكانت هي التشكيلات الاسلامية والسلفية هي الاقوى ولذلك لم يطمئن احد الاقليات القومية او الدينية الاخرى على مستقبلها ان انتصرت الثورة ولذلك فقسم بقي على الحياد ينتظر وقسم وقف مع النظام وكان الاكراد الاكثر حضوضا فكانت لهم قوتهم ومناطقه واستغلوا الامر لصالحهم,

  5. هذا الفتى العشريني الذي تحدث عنه الكاتب تصالح مع ذاته و رجع إلى أصوله فالرجوع إلى الأصل فضيلة٠

  6. السني في سوريا ومنهم كاتب المقال يريدون سوريا كل تحت حكمهم والعلويون أيضا لا يرضون إلا بكل سوريا (موحدة* تحت حكمهم. كل هذا الدمار والقتلى والخراب حصل لسوريا لأن السني يرفض العلوي في رأس السلطة والعلوي لا يقبل أن يكون السنة هم في رأس السلطة والحال هذه فأنا الكردي لم ولا ولن انتظر منكم غير الإنكار والتعصب البعثوإسلاموي. العيش المشترك غير ممكن بين الطوائف العربية نفسها إلا بالقوة. والحرية لمن ملك القوة والإرادة!

    • للأسف يا أخي رستم ميدي منطق القوة هذا, والذي يعتنقه نظام بشارون الاستبدادي وطبعاً بالإستعانة بالخارج, هو الذي دمّر سوريا. ولنا الله ومالنا غيرك ياالله.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left