فقه النسيان وفشل الديمقراطية في العالم العربي

سامح المحاريق

Feb 09, 2018

تقول النكتة، أو لعلها حقيقة حدثت بالفعل وخضعت لروايات مختلفة، إن هتافات المحتشدين حول قصر الجنرال الإسباني فرانشيسكو فرانكو وصلت مسامعه على فراش الموت، فسأل المحيطين به عن الأمر ليجيبوه بأن الشعب الإسباني أتى لتوديعه، فيتساءل ببساطة: إلى أين هم ذاهبون؟
الجنرال لم يكن يتصور أنه سيرحل، وأن الأقرب إلى واقعه ومخيلته أن يرحل الشعب الإسباني كله بينما يبقى هو في مكانه الذي استحوذ عليه لعقود من الزمن، منذ استطاع أن ينتصر على الجمهوريين، ويؤسس لحكمه الديكتاتوري الذي أدى إلى تدمير جزئي وكلي لحياة مئات الآلاف من الإسبان ينضافون إلى مئات أخرى من الألوف طحنتهم الحرب الأهلية في الثلاثينيات من القرن العشرين.
الجنرال فرانكو يمثل نموذجاً مثالياً للديكتاتور الناجح، فمجرد وصوله إلى موت هادئ في الثانية والثمانين من العمر، وهو على رأس السلطة، أمر لم يتمكن من إنجازه سوى قلة من طغاة القرن العشرين، ومع ذلك، فالقليل من الإسبان اليوم يمتلكون فكرة عن طبيعة الحياة تحت الظل الثقيل لفرانكو، فأي نوع كان من القتلة ليفلت حتى من نصيبه المناسب والعادل من اللعنات؟ لا شك أنه رجل ذكي، استطاع أن يتحرر من فاشيته، ويتجنب السقوط مع حلفائه هتلر وموسوليني، وتمكن من ترويض جيش متأهب وكنيسة متسلطة ومعارضة سياسية جامحة، ولكن الشعب الإسباني أيضاً منحه الفرصة الذهبية مع استصداره لميثاق النسيان، وهو الاتفاق الذي توصلت إليه القوى اليمينة واليسارية الإسبانية سنة 1977، أي بعد وفاة فرانكو بأقل من عامين، لتجاهل تراثه السياسي بالكامل واختزال دوره في التاريخ الذي ستتعلمه الأجيال القادمة إلى الحد الأدنى، لإتاحة الفرصة لها لإلقاء الماضي وراءها والتركيز على المستقبل.
بقيت التجربة الإسبانية غير مفهومة للعالم الخارجي، ففي مناسبات عديدة حاولت الأمم المتحدة أن تذكر الإسبان بتناقض جوهري بين قانون العفو الذي أصدروه سنة 1977 والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يرى أن جرائم فرانكو لا يمكن أن تسقط بالتقادم. يعود فرانكو إلى الذاكرة والتاريخ أو لا يعود، لا يشكل ذلك فرقاً اليوم بالنسبة لإسبانيا، ولكن غيابه كان ضرورياً في مرحلة استعادة الثقة والبناء التي قادها الملك خوان كارلوس ووصلت إلى ذروتها بصيحته المشهورة، «على جثتي» في فبراير 1981، ليرفض طلب الجيش توليه شخصياً وبصورة منفردة أمور البلاد بدون الحاجة إلى المؤسسات الديمقراطية، وذلك بعد احتجاز وحدات عسكرية للنواب أثناء تصويتهم على الحكومة.
الديمقراطية احتاجت وقتها تلك البرهة من التسامح، التي أتاحها «ميثاق النسيان»، فلم يعد الخوف من الانتقام هو الذي يحرك القوى المتصارعة في إسبانيا، ويدفعها للجدار الأخير، ولم يعد الجمهور يجد ذلك الإعلام الشهواني الذي يستحث غرائزه ليحوله من كتلة متماسكة أو متفاهمة على الأقل إلى قطعان من الذئاب المدفوعة بالحقد والضغينة. كم كنا بحاجة إلى أن نعقد مواثيق النسيان بمجرد أن هدأت الثورات في الربيع العربي، ولكن ما لبثنا أن أخرجنا كل غبار التاريخ ليحجب عنا الرؤية، في سحابة سوداء أتت معها بفلولها ومرتديها وخوارجها ودواعشها، فما هي الظروف التي جعلتنا غير قادرين على إنجاز ذلك القرار الشجاع.
سيطرح الفرق الثقافي نفسه ليصف الشخصية العربية بالتعلق بالماضي والتعصب المتجذر، بوصفه أول الفوارق الأساسية بين إسبانيا وغيرها من الدول العربية التي شهدت التساقط المتتابع لدومينو الديكتاتوريات العربية، ولكن ذلك غير صحيح مطلقاً، فإسبانيا دولة متورطة بتاريخ دموي طويل، وكان من السهل استثارة نوازع مماثلة لمزاجات محاكم التفتيش، أو مذابح الشعوب الأصلية في العالم الجديد، كما أن وباء التحريض يبقى متأهباً لأي خلل في المناعة يمكن أن يصيب حتى المجتمعات المتقدمة في مجالات حقوق الإنسان. ىبالطبع كان الجنرال قد ارتقى بمنظومة التعليم في إسبانيا، وعمل على توسعة قاعدة الطبقة الوسطى، وأسهم في سيادة قيمها على الشكل الاجتماعي لإسبانيا، كما أن الأوضاع الاقتصادية تحسنت في فترة حكمه، ولكن أموراً مثل هذه كانت تجربة صدام حسين في العراق قد أنجزتها في الثمانينيات وقبل خطيئة غزو الكويت، ويمكن أيضاً لتجنب التورط في الحديث عن الطائفية في العراق، التذكير بأنها تتجسد في إسبانيا في نسخة عرقية باسكية وكاتالونية في مواجهة مركزية مدريد، وبذلك يبقى السبب الأكثر منطقية هو الخطيئة التي تمثلت في تفكيك الدولة، عندما جرت إزاحة حزب البعث بالكامل من المشهد، وكانت تهمة البعثية تعني القضاء الكلي والمبرم على مستقبل الشخص في العمل العام والسياسي، وبما يجعله منبوذاً يعيش في حالة من الإقصاء، وتغييب البعث بعشوائية، واعتبار تاريخ الانتماء أو العمل الحزبي جريمة تستحق الإدانة والمطاردة والعقاب، ترك العراق بكل منجزاته نهباً لفرق من المرتزقة وعديمي الخبرة والكفاءة ممن يعتمدون على التناقضات الفجة لدى جمهورهم العشائري والمذهبي من أجل الظهور.
يحدث الأمر نفسه في مصر بعد ثورة يناير 2011 لتصنف أي دعوة للتعقل في تفكيك الدولة واستبدال جميع وجوهها بالانتماء إلى الفلول، ويحدث ذلك مرة أخرى بعد الإطاحة بنظام الإخوان المسلمين لتتشكل حركة تطهير سياسي واجتماعي واقتصادي لمواقعهم التقليدية التي شغلوها في المجتمع المصري، وفي كل مرة يأتي الإعلام بسلوكه النفعي والانتهازي ليقدم خدماته للقادمين لتثبيت أقدامهم، وللراحلين بوعود انتقامهم المؤجل، وفي جميع الحالات تتجرد الدولة عشوائياً وبصورة استعراضية لا هي تصنف تحت العدالة الثورية ولا الانتقالية من طبقة التكنوقراط والمرجعيات الفنية والإدارية والوظيفية، فجزء كبير من فشل الإخوان كان يتمثل في مشروعهم الاقصائي الذي أظهر تلهفهم على السلطة، وعلى إحلال رجالهم في المواقع الشاغرة بعد دولة مبارك، ليستغل خصومهم ذلك بأن ينسحبوا للوراء تاركين فريق الإخوان الذي لا يمتلك خبرة إدارية عميقة، متورطاً في قضايا أساسية مثل توفير الوقود وتشغيل المرافق الأساسية.
في مجتمعات التخوين والتكفير وحيث الجميع يلعبون في الوقت نفسه أدوار الادعاء والاتهام والقضاء لا يمكن للتسامح أن يجد مكانه للسطح، ولا يمكن للنسيان أن يفتح بابه أمام من يرغبون في هدنة طويلة في عتمته الدافئة، قبل أن يصطدموا بالمستقبل الساطع، ولذلك، فإن ما يلوكه الثوار المنتصرون الذين يفاجأون بوصولهم إلى الغاية قصيرة المدى بتغيير النظام أو إسقاطه من مصطلحات مثل الدولة العميقة يبقى مجرد تعبير عن انعدام الرؤية وفقدان البوصلة واتجاهاتها.
يمكن أن سنوات الصمت في فرانكو أوقفت ماكينة إنتاج أنصاف الآلهة الذين صنعتهم في الدول العربية ثقافة الديمقراطية المائعة والشكلية لأكثر من نصف قرن، بعد عصر الاستقلال، ولذلك وجدت إسبانيا نفسها بحاجة إلى تبدأ بقليل جداً من المزاعم، وأن تكفن بنفسها أساطيرها وأشباحها، بينما نعيد انتاجهم واستنساخهم ونتلذذ بالنواح من أجلهم والندب على قبورهم.
كاتب أردني

فقه النسيان وفشل الديمقراطية في العالم العربي

سامح المحاريق

- -

1 COMMENT

  1. الحقيقة الامر الذي لا يعرفه الكثير من العرب بسبب كثرة الترديد ان فترة الثمانينيات او فترة حكم صدام الفردي هي بداية انهيار انجازات الدولة العراقية فكل التطورات حدثت او بدات وتمت اغلبها في فترة السبعينيات ايام حكم البعث بمشاركة الشيوعيين ومع بداية الحرب الايرانية بدات الامور تزداد سوءا عدا التصنيع العسكري وبعض المعالم المعمارية كنصب الشهيد والجندي المجهول

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left