حين يتحمل المغرب وحده ثقل مكافحة الإرهاب في المنطقة

بلال التليدي

Feb 09, 2018

المعطيات التي كشف عنها عبد الحق الخيام مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية (بسيج)، حول تفكيك الخلايا الإرهابية تعطي صورة عن الفعالية الأمنية التي يبذلها المغرب منذ انطلاق الحملة الدولية لمكافحة الإٍهاب بمناسبة أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ايلول 2001، لكنها في الجانب المقابل، تطرح أسئلة كثيرة على النموذج المغربي في مكافحة الإرهاب والذي صار محل طلب من طرف العديد من التجارب. فقد كشف عبد الحق الخيام في حديث خص به صحيفة (لوموند ) الفرنسية في عددها ليوم الأربعاء الماضي، عن تفكيك المكتب لما مجموعه 49 خلية إرهابية، وذلك منذ إنشائه سنة 2015، 44 منها مرتبطة بشكل مباشر بتنظيم «الدولة»، كما تم اعتقال 772 شخصا. وأكد في الحوار ذاته، استلام المغرب لـ97 من العائدين، 84 منهم قدموا من المنطقة العراقية السورية، و13 من ليبيا، فضلا عن 53 شخصا، طردتهم دول أخرى.
ومع أن هذه المعطيات تعتبر بالغة الأهمية إلا أن دلالتها على اشتغال النموذج المغربي في مكافحة الإرهاب تظهر أكثر عند المقارنة بمعطيات أخرى كشف عنها ياسين المنصوري مدير (المديرية العامة للوثائق والمستندات) المعروفة باسم «لادجيد» (مخابرات عسكرية) في كلمة ألقاها في مقر الأمم المتحدة سنة 2014، إذ تحدث عن تفكيك المصالح الأمنية المغربية لـ126 بنية إرهابية، نشاط 41 منها مرتبط ببؤر التوتر، لاسيما في كل من العراق وسوريا والساحل، واعتقال 2676 إرهابيا، وإحباط 276 مشروعا إرهابيا، عبارة عن 119 مشروع تفجير باستعمال المتفجرات، تستهدف مقرات المصالح الأمنية، والمواقع السياحية، والتمثيليات الدبلوماسية، وأماكن العبادة المسيحية واليهودية، وإجهاض 109 مخطط اغتيال يستهدف عناصر المصالح الأمنية، والرعايا المغاربة اليهود، والشخصيات السياسية الوطنية والأجنبية والسياح، بالإضافة إلى 7 مشاريع اختطاف رهائن، و41 مخطط سرقة وسطو باستعمال الأسلحة.
تعكس المقارنة التفاوت الكبير في نشاط الخلايا الإرهابية، وكذا فعالية المصالح الأمنية في تعقبها في المغرب بين مرحلة ممتدة في الزمن (13 سنة) من 2001 إلى 2014، وبين مرحلة قصيرة زمنيا لا تتعدى سنتين، وذلك من سنة 2015 إلى بداية سنة 2018، فمع أن المدة الأولى تضاعف الثانية بأكثر من خمس مرات، إلا أن نسبة الخلايا الإرهابية المفككة فيها لا تضاعف ما فكك في المرحلة الثانية بأكثر من مرتين، لكن في المقابل، تظهر الإحصاءات المرتبطة بالاعتقالات عكس هذا التوجه. ففي المرحلة الأولى الممتدة ثلاث عشرة سنة، تضاعف عدد المعتقلين بحوالي أربع مرات بالمقارنة مع المرحلة الثانية، في حين تباينت المعطيات حول حجم الاستهداف والعمليات المجهضة، وأكدت المعطيات الجديدة معلومات مهمة حول العائدين من مناطق التوتر.
ثمة أكثر من تفسير لهذا التباين في المعطيات، أوله أن هيكلة الجهاز الأمني الخاص بمكافحة الأرهاب كان له نتائج جد إيجابية على مستوى إرساء أسس المقاربة الاستباقية إذ ما إن أنشئ المكتب المركزي للأبحاث القضائية حتى ازدادت وتيرة تفكيك الخلايا الإرهابية. وثانيه مرتبط باختلاف الجهة الإرهابية بسبب التحولات الإقليمية التي عرفتها منطقة العراق والشام وليبيا إذ تعاظمت التحديات أكثر مع تنظيم «الدولة الإسلامية» أكثر منه مع تنظيم القاعدة، ففرض تضخم التحدي الأمني ـ بسبب تحولات الظاهرة الإرهابية ـ على الأجهزة الأمنية المغربية تطوير استراتيجية استباقية لمكافحة الإرهاب.
وثالثها أن الظاهرة الإرهابية لا تزال تجد امتدادها في المغرب في هشاشة الوضع السوسيواقتصادي وأن المقاربة الأمنية، بسبب ضعف المقاربات الأخرى، تتحمل الثقل الأكبر، ولذلك، لم يسجل أي انخفاض في وتيرة بروز الخلايا الإرهابية، إذ لو كان أداء المقاربات التربوية والدينية والإعلامية والتواصلية والثقافية والفكرية والاقتصادية والسياسية والتنموية فعالا لما تحملت ألأجهزة ألأمنية العبء الأكبر في المواجهة.
لكن في الأحوال الثلاثة، يظل القاسم المشترك أن المغرب طور نموذجه الأمني، واكتسب تجربة كبيرة في مكافحة الإرهاب، ونجح إلى الآن في منع الهجمات الإرهابية التي استهدفته في العديد من المحطات، بل إنه مضى بعيدا في استراتيجيته الأمنية، وبدأ يطرح نفسه ليس فقط كنموذج تحت الطلب في المنطقة العربية بل الأوربية أيضا، ولكن صار ينبه إلى المخاطر والثغرات في استراتيجية مكافحة الإٍهاب، ومنها على وجه الخصوص ما يواجه التنسيق الإقليمي والجهوي لصد التحديات الأمنية والإرهابية المتعاظمة في المنطقة، وكذلك الإشكالات القانونية والتشريعية التي تعيق تطور الفعالية الأمنية، وضعف التنسيق الإقليمي في المنطقة ومسؤولية الجزائر في تعطيله، وأثر ذلك الخطير على استقرار المنطقة وأمنها، ناهيك عن وضع الصحراء والحاجة الملحة لحل النزاع فيها، وطرح النموذج التنموي في الصحراء كخيار استراتيجي لمواجهة الاختراقات الإرهابية في جدار جبهة البوليساريو.
بالأمس القريب، ركزت تقارير الأمم المتحدة على ضرورة إحياء المغرب العربي أو المغرب الكبير، ليس بقصد اقتصادي تكاملي بين دول المنطقة، ولكن باعتبار ذلك ضرورة أمنية لمواجهة التحديات القادمة من الساحل جنوب الصحراء، وغازل المغرب الجزائر أكثر من مرة من أجل تنزيل هذه المقاربة. لكن، اليوم، يبدو أن التحديات المتعاظمة في كل من ليبيا وسوريا والعراق ودول الساحل جنوب الصحراء، وهشاشة بعض دول الجوار، وإمكانية تفجر الوضع الاجتماعي في تونس، كل ذلك، سيزيد الثقل على الدور الأمني المغربي. ومن المرجح أن يدفع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية للضغط أكثر من أجل تفعيل التنسيق الإقليمي والجهوي في المنطقة لمكافحة الإرهاب، وذلك أن المغرب لا يمكن وحده أن يتحمل كلفة أن يكون الدركي الأول لجنوب المتوسط، ويتحمل في ذلك كل الإكراهات والتحديات المتعاظمة.
لأجل ذلك تبذل اسبانيا وفرنسا جهودا كبيرة من أجل دعم المغرب في خياراته الأمنية، وأيضا السياسية والتنموية، وتحظى مقاربة المغرب لحل نزاع الصحراء بدعم هذه الدول بشكل كبير، لأنها تدرك أن المغرب يتحمل العبء وحده، أو ربما أكثر من غيره، وتدرك أكثر اليوم، أنه يشكل لبنة أساسية في منظومة أمن أوروبا.

٭ كاتب وباحث مغربي

حين يتحمل المغرب وحده ثقل مكافحة الإرهاب في المنطقة

بلال التليدي

- -

4 تعليقات

  1. تيرميناتور شمال افريقيا ! صناعة الارهاب مخطط و انتاج الدول الكبرى

  2. ويمكن أن يشهد عبد القادر العيايدة على النموذج الفريد من مقاومة الارهاب والتصدي له من طرف عملاق الأمن في شمال إفريقيا..
    لكن ما يحيرني هل كان العائدون من ليبيا حقا يريدون ركوب قوارب الموت أم يريدون أشياء أخرى؟؟ وكيف تمكن كل ذلك العدد من الذهاب إلى ليبيا؟؟ ولماذا ليبيا ما دامت تونس أقرب وأسهل للحرقة.. واامن بكثير.

  3. الفعالية التي أبانت عنها المخابرات المغربية في إجهاض كل العمليات الإرهابية التي كانت تستهدف البلد يرجع فيها الفضل لفاعلين متعددين من بينهم نظام الإستخبارات التقليدي والفعال الذي يغطي كافة أراضي المملكة ويعتمد على أعوان السلطة (بالمصطلح المحلي يلقبون بالمقدم والشيخ) وهم أعوان تابعون لوزارة الداخلية كل واحد منهم يتتبع أحوال الحي (تجمع سكاني صغير) أو القرية التي يقطن بها وينقل تقاريره لموظف سام يلقب “القايد” الذي يرفع تقاريره إلى السلطات المعنية، المقدم أو الشيخ لا يكلف الدولة أكثر من 200 دولار كراتب شهري لكنه يمكن أجهزة الإستخبارات من تتبع أي تحرك غير عادي أو تواجد بعد الغرباء في الرقعة التي هو مكلف بمراقبتها، بالإضافة إلى أن عامة الشعب بعد ما رآى ما فعله ويفعله الدواعش بالبلدان العربية لا يتردد في التبليغ عن الحالات المشتبه بها وهو أمر محمود يقي البلاد والعباد شر الفتنة وقتل الأبرياء وضرب الإستقرار والأمن الذي تنعم به المملكة. أما الفنادق والمناطق السياحية والمؤسسات الحيوية فتتكلف بها أجهزة الإستخبارات دون الحاجة إلى “عملاء ووسطاء”!
    فيما يخص التعاون الأمني الإقليمي مع الجارة، فالأفضل للمغرب أن تبقى حدوده مغلقة شرقا في الظروف الراهنة، فهو وضع أفضل وأنجع لتسهيل مراقبتها لأن الحدود الشرقية هي الجبهة التي تشكل مصدر اختراق محتمل من طرف الحركات الإرهابية المنتشرة في منطقة الساحل. الأمر الذي يمكن أجهزة المخابرات من التركيز على الجبهة الداخلية والمنافذ الحدودية شمالا وغربا. وإن كان من تهديد واسع النطاق فما على السلطات المغربية إلا أن ترفع تقاريرها للأجهزة الأمنية الدولية والأجهزة الأممية لتتكلف بدورها في إشراك الدول المجاورة المعنية بالتهديد المفترض.

  4. اختلف مع صاحب المقال لان الواقع غير ذالك الذي ذكرته يا سيدي كيف استطاعت الخلايا الارهابية في المغرب من تجنيد الالاف من المغاربة و ترحيلهم للقتال في سوريا و العراق بسهولة و في غفلة كاملة من الاجهزة الامنية .

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left