جهاز الصحة في قطاع غزة ينهار

صحف عبرية

Feb 09, 2018

206 أنواع من الأدوية التي تشكل 40 في المئة من أصل الـ 516 نوعا من الأدوية في سلة الأدوية الفلسطينية الأساسية، لم تعد موجودة لدى الجهاز الصحي العام في قطاع غزة. و27 دواء (6 في المئة) ستنفد خلال أيام أو أسابيع. باقي الأدوية في السلة توجد في المخازن، ولكن ليس بالكميات المطلوبة، مثلا أدوية علاج السرطان وغسيل الكلى ومرضى القسطرة، ومن بين المعدات الطبية الـ 853 (الإبر والضمادات والقفازات)، 220 منها نفدت في نهاية كانون الثاني.
«غياب أدوية في سلة الأدوية الأساسية هو ظاهرة موجودة منذ سنوات في قطاع غزة»، قال للصحيفة الدكتور محمود ظاهر، مدير مكتب الصحة العالمية في غزة، «لكن في حين أنه في السابق كان حوالي 25 في المئة من عناصر سلة الأدوية مفقودة، فانه منذ بداية 2017 فان نسبة الادوية التي نفدت والتي ستنفد خلال بضعة اشهر آخذة في الازدياد. بدأنا بحوالي 30 في المئة والآن نصل إلى 46 في المئة». وحسب أقوال ظاهر، هناك حاجة إلى 18 مليون دولار على الاقل من اجل ملء فوري لكل نقص في سلة الأدوية، وبعد ذلك الاهتمام بتزويد منتظم للأدوية شهريا. وزارة الصحة في رام الله هي المسؤولة عن شراء الأدوية ونقلها إلى غزة، لكن هذا الأمر لا يتم بصورة منظمة. فمثلا إرسالية الأدوية التي وصلت من رام الله في نهاية 2017 وبداية الشهر الماضي لم تقلص الفجوة بصورة كبيرة.
مدير عام المستشفيات الحكومية في قطاع غزة، الدكتور عبد اللطيف الحاج، قال للصحيفة إن هناك طفلين ماتا في الخداج في الأسبوعين الأخيرين بسبب نقص دواء «سيرفاكتنت» المخصص لجهاز التنفس. الإبر التي تم إرسالها مؤخرا ستكفي فقط لثلاثة أسابيع أخرى، وأضاف أنه بسبب النقص في عدد من الأدوية، في الأساس علاج مرضى السرطان، يتم نقلهم إلى مستشفيات شرقي القدس أو إسرائيل. هذا يحدث أيضا لمن يحتاجون إلى العلاج بالاشعاع: جهاز الأشعة الذي يوجد في قطاع غزة تعطل قبل بضع سنوات، ولا توجد الأموال المطلوبة لشراء جهاز جديد. ومن الغريب أن النقل يزيد كلفة العلاج.
في تحقيق لجمعية «أطباء من اجل حقوق الغنسان» والتي مقرها في تل أبيب، والذي تستعرض فيه تدهور الجهاز الصحي العام في القطاع، جاء بسبب نقص المعدات الطبية في المختبرات ـ فحوصات كيماوية وفحوصات الدم وفحوصات طبية يمكن إجراؤها الآن فقط للمرضى في المستشفى، وليست متاحة على الإطلاق للمرضى الذين يعالجون في العيادات الخارجية. هذا أيضا هو سبب وجود نقص كبير في بنك الدم.
إضافة إلى النقص الكبير في الأدوية والمعدات الطبية جاءت في الفترة الأخيرة أزمة الكهرباء الشديدة في قطاع غزة. صحيح أن إسرائيل استأنفت بيع كميات جديدة من الكهرباء لغزة (120 ميغاواط)، وهي الكمية التي باعتها حتى نيسان 2017 ـ بعد إعلان السلطة الفلسطينية عن استعدادها لدفع كامل المبلغ ـ لكن الطلب في القطاع يبلغ 500 ميغاواط تقريبا. في حين أن إجمالي كمية الكهرباء التي يمكن للبنى التحتية القائمة تزويدها من خلال إسرائيل ومصر ومحطة الطاقة في القطاع تصل إلى نحو 200 ميغاواط يوميا. ساعات تزويد الكهرباء في قطاع غزة تتراوح بين 4 ـ 8 ساعات يوميا، لذلك يعتمد أكثر من أي مؤسسة أخرى 30 مستشفى ومؤسسة علاجية على مولدات وعلى تزويد شهري يصل إلى 450 ألف لتر من الوقود الذي توفره الأمم المتحدة. في هذا الأسبوع حذرت الأمم المتحدة من أن مخزون وقود الطوارئ للمنشآت الحيوية في قطاع غزة سينفد خلال عشرة أيام، وأن هناك حاجة ملحة لدعم الدول المانحة من اجل منع كارثة انسانية.
حسب تقرير منظمة الصحة العالمية الذي صدر في نهاية كانون الثاني، فإن عدم تجديد مخزون الوقود للطوارئ سيشكل خطرا فوريا على حياة أكثر من 1700 مريض: 700 مريض يحتاجون إلى غسل كلى، و200 مريض ينتظرون إجراء عمليات، وأكثر من 100 طفل ورقم مشابه من المرضى في أقسام العناية المكثفة، و100 امرأة تقريبا يلدن بعملية قيصرية، و500 تقريبا يحتجن إلى علاج طارئ.

الخوف من العدوى

سياسة إسرائيل لمنع حرية الحركة لسكان القطاع، زيادة نسبة الفقر في القطاع، الصعوبات الاقتصادية للسلطة الفلسطينية واختلافات الرأي بين حماس وفتح، هي أساس تدهور جهاز الصحة العام في القطاع والذي تحذر جهات طبية بأنه على شفا الانهيار. إلى جانب مشكلة الكهرباء وتقادم المولدات وتردد إسرائيل في منح تصاريح الخروج للمرضى أو تصاريح لإدخال قطع الغيار للمعدات الطبية وأجهزة التشخيص ـ فإن الخوف من الاصابة بالمرض وخوف العائلات على مصير أبنائها المرضى، يفوق الخوف العادي من المرض نفسه. و. مريض كلى (25 سنة) يحتاج إلى غسل للكُلى. بسبب انقطاع الكهرباء ونفاد الوقود المطلوب للمولدات تم تأجيل موعده عدة مرات. مؤخرا لم يحصل على عدد من الأدوية التي يحتاجها. وقد فحص ووجد أنها موجودة في الصيدليات الخاصة في القطاع، لكنه لا يستطيع دفع ثمنها. ز. وعائلتها تقوم بدفع 240 شيكل شهريا بصورة خاصة مقابل دواء الروماتيزم الذي سجل لها، لأن هذا الدواء نفد من الصيدليات الحكومية. وقد قرر أطباؤها نقلها للعلاج في رام الله، وحدد لها موعد في أيلول الماضي، لكن تصريح الخروج الإسرائيلي أعطي لها مؤخرا فقط حيث فقدت موعدها. الآن يجب عليها الانتظار لتحديد موعد جديد.
حالة أخرى هي حالة أم لطفل يعاني من مرض في جهاز التنفس. وقد قالت إنه من الدخل العائلي الذي يبلغ 1300 شيكل في الشهر لا تستطيع تمويل العلاج الذي يحتاجه ابنها، والذي لا يوجد في الصيدليات الحكومية. وليس هناك نهاية لشهادات من هذا النوع. «أنا أصلي كي لا أمر بهذا العجز حيث لا يوجد علاج لقريب مرض، أو أن إسرائيل تعيق إعطاء تصريح لعلاج طبي»، قال للصحيفة محاضر في الجامعة الإسلامية في غزة.
ويضاف إلى ذلك أيضا الكثير من المشكلات. فقد جاء في تقرير «أطباء من أجل حقوق الإنسان» أنه بسبب خلل فإن جهاز فحص حيوي هو «ام.آر 1 ـ سي.تي» معطل منذ زمن طويل في مستشفى الشفاء، وهو المستشفى الأكبر في القطاع، وجهاز «سي.تي» في مستشفى الأطفال «ناصر» في الجنوب. «تعطل أجهزة التصوير الذي ينبع سواء من غياب الميزانية للصيانة الدورية أو الصعوبة في الحصول على قطع الغيار (بسبب قيود إسرائيل) أدت إلى فقدان هذين المركزين الطبيين الهامين لمصداقيتهما، وتحولا إلى مراكز انتقالية لتوجيه المرضى إلى مستشفيات أخرى في قطاع غزة وخارجه». الحاج قال للصحيفة إن هناك أجهزة تصوير في مراكز خاصة، لكن أغلبية السكان لا يمكنهم دفع رسوم خدمات الفحص هذه.

معضلة في تحديد أولويات العلاج

مدراء المستشفيات والطواقم الطبية يقفون طوال الوقت أمام معضلة تحديد أولويات العلاج. أحد الحلول هو تقليص كمية العلاج للمرضى إلى النصف، هكذا قيل لباحثي «أطباء من أجل حقوق الإنسان». حل آخر هو إغلاق أقسام مثل قسم الأورام في مستشفى في جنوب القطاع (بسبب نقص 19 دواء لعلاج السرطان)، أو إغلاق مستشفيات صغيرة بسبب الحاجة إلى توفير الوقود للمولدات. حل آخر هو تأجيل إجراء عمليات جراحية معينة. حسب منظمة الصحة العالمية فإن وقت الانتظار للعملية الاختيارية هو 52 أسبوعا، في حين أن السقف الزمني الذي حددته وزارة الصحة الفلسطينية هو 54 أسبوعا.
عندما يكون حوالي نصف مواد التخدير المحلي والعام غير موجودة، وعندما لا تكون هناك مواد تطهير ومضادات حيوية كافية فان الأطباء يحتفظون بما هو موجود للعمليات والعلاج الطبي الطارئة المنقذة للحياة: في يوم الخميس الماضي قتل سبعة أشخاص وأصيب العشرات بانفجار متعمد لأنابيب الغاز في حي صبرا في غزة. وتبين أن شخصا (30 سنة) اعتاش من بيع القهوة والشاي في شوارع غزة اختلف مع عائلته حول الميراث، وهذا النزاع تحول إلى شجار وتبادل للكمات بين أبناء العائلة، الجيران حاولوا التفريق بينهم، هذا الشخص قام بفتح اسطوانة للغاز وأشعل النار، وهكذا تسبب بانفجار قاتل. شخص آخر نقل للعلاج هو شاب من مخيم جباليا قام بإحراق نفسه في الأسبوع الماضي. وحسب أقوال أقاربه فإنه قام بذلك بسبب الصعوبة في الحصول على مصدر رزق.
علاجات طارئة أخرى التي من أجلها تحتفظ المستشفيات بمخزون الأدوية المقلص لها ـ هي من أجل المتظاهرين الذين يصابون بنار الجيش الإسرائيلي قرب جدار الفصل. منظمة الصحة العالمية قالت إن 858 متظاهرا وصلوا في الأشهر الأخيرة للعلاج في المستشفيات في القطاع، منهم 180 قاصرا و12 امرأة.
عبء اقتصادي وأخلاقي آخر وقع على جهاز الصحة العام هو 70 ألف طلب إعفاء من دفع رسوم التأمين الصحي (980 شيكل في السنة لعائلة مكونة من أربعة أشخاص)، وردت في الأشهر الأخيرة. مدير عام المستشفيات الحكومية، الحاج، قال لمحققي «أطباء من أجل حقوق الإنسان» إن الأمر يتعلق بأشخاص كانوا في الماضي يستطيعون أن يدفعوا بصورة خاصة ثمن الفحوصات والعلاج الطبي.
والآن بسبب ازدياد الفقر فإنهم يتوجهون إلى جهاز الصحة العام، لكنهم لا يستطيعون دفع الرسوم.
أسباب الفقر تكمن في منع الحركة على سكان القطاع منذ 2007، والقيود المشددة على استيراد المواد الخام وتصدير منتجات القطاع. هذه تسببت بنسبة بطالة تصل إلى أكثر من 40 في المئة في أوساط الكبار وحوالي 60 في المئة في أوساط الشباب. إضافة إلى ذلك، تقليص الرواتب والمخصصات التي تدفعها السلطة الفلسطينية لموظفيها أدى إلى تقليص التوفيرات.

المصالحة والواقع

إن من توقع أن اتفاق المصالحة الجديد بين حماس وفتح الذي وقع في تشرين الأول 2017 سيؤدي على الأقل إلى حل الخلافات المالية بين حماس وفتح وسيبدأ في إنقاذ جهاز الصحة من الأزمة العميقة، خاب أمله.
رغم أنه مبدئيا تسلمت رام الله الصلاحيات المدنية في القطاع، إلا أن حماس تواصل جباية ضريبة القيمة المضافة وضرائب أخرى من السكان. حسب حماس، هذه الأموال يتم نقلها إلى مؤسسات مدنية لدفع جزء من الرواتب العامة، من بينهم آلاف الاطباء الذين تم تعيينهم منذ توليها الحكم. مع ذلك، قيل للصحيفة، إن حماس توقفت عن نقل الأموال للمستشفيات الحكومية.
طالما أنه لم يتم التوصل إلى صيغة لضم الموظفين العامين الذين عينتهم حماس إلى القوة البشرية التي تتلقى الرواتب من رام الله، فإن حماس كما يبدو لن تتنازل عن جباية الضرائب. بسبب الحصار الذي فرضته إسرائيل على قطاع غزة في 2007 فان محمود عباس أعفى بمرسوم رئاسي السكان من دفع ضريبة القيمة المضافة. الآن أصدر أوامره لإعادة ضريبة القيمة المضافة تدريجيا من 1 في المئة إلى 16 في المئة. سكان القطاع وعلى رأسهم رجال القطاع الخاص بدأوا في الاحتجاج والمطالبة بإلغاء هذا القرار. موظفو المالية في رام الله قالوا إنه في ظل عدم وجود دخل من الضرائب يصعب عليهم الإيفاء بكامل المدفوعات للخدمات الاجتماعية مثل الأدوية.
بسبب الصعوبات المالية فإن السلطة أيضا في الضفة الغربية يوجد لديها نقص في الأدوية، لكن بنسبة أقل بكثير من الموجودة في غزة. في الضفة الغربية تحصل المستشفيات على تمويل حكومي يمكنها من شراء جزء من الأدوية، وسكانها أقل فقرا، لذلك فان هناك عددا أكبر يستطيعون تمويل علاجهم من جيوبهم. ولكن هناك من يقولون إن نقص الأدوية في القطاع هو لأسباب سياسية، كجزء من الضغط الذي تستخدمه السلطة الفلسطينية على حماس. سؤال لماذا تنفق حماس الأموال على التسلح العسكري والكهرباء للمساجد وليس على صحة الجمهور، يسأل، وإن كان ذلك بصورة غير علنية.
يضاف إلى صعوبات المستشفيات والعلاج في القطاع الاضرابات في جهاز الصحة. تقرير «أطباء من أجل حقوق الإنسان» يورد أنه في منتصف كانون الأول أضربت الشركة التي تزود الغذاء للمستشفيات مدة تسعة أيام بسبب عدم دفع ديونها. في نهاية كانون الأول أضرب عمال وعاملات الصحة في 13 مستشفى و54 عيادة و22 مكتبا، وذلك بعد عدم حصولهم على رواتبهم على مدى اربعة أشهر.
في اليوم التالي وفي أعقاب تراكم القمامة أضربت الطواقم الطبية في مستشفى الشفاء. وزارة المالية في رام الله سارعت إلى إرسال 1.800 مليون شيكل لشركات الغذاء والنظافة، التي تشكل خمس ديونها. في 9 كانون الثاني أضربت الطواقم الطبية إضرابا تحذيريا ـ وعادت فورا إلى المرضى، في ظل غياب أدوية وأجهزة طبية مناسبة، وبراتب جزئي.

عميره هاس
هآرتس ـ 8/2/2018

جهاز الصحة في قطاع غزة ينهار

صحف عبرية

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left