الثائر مفيد فوزي

بلال فضل

Feb 09, 2018

«أقول لجمال مبارك، لقد فعلت بالبلد أفظع ما فعلت، وقد جنيت ثمار سوء عملك»، «إن أقسى ما عشته هو مسلسل نهب الثروات، كانوا عتاة في السلب والنهب»، «سوزان مبارك كانت تريد أن ترى ابنها على عرش هذا البلد، وبالتالي كانت هي المسؤولة عما جرى، وقد رفضت الناس كل إنجازاتها في مقابل رغبتها وسعيها في توريث جمال»، ليست هذه العبارات «النارية» مقتطفة من كتاب لأحد قادة حركة كفاية المعارضة لحسني مبارك، بل من كتاب «نصيبي من الحياة» للمحاور مفيد فوزي، أحد الذين استخدمهم نظام مبارك لتلميع وجهه الإعلامي، الذي اعتاد إجراء حوارات دعائية في عيد الشرطة، مع الجلاد المدان بالسرقة حبيب العادلي وزير داخلية مبارك، وقد أصدر مفيد فوزي كتابه عقب موجة الصعود الثوري التي أعقبت خلع مبارك، والتي أنتجت عدداً كبيراً من الكتب الساخطة على نظام مبارك، كتب بعضها من دأبوا على نفاق مبارك والانتفاع من دعمه والإمعان في تشويه معارضيه، ليتناسوا أدوارهم بعد تغير الأحوال، ويتقمصوا في كتبهم دور الساخطين من الباطن والمعارضين من الداخل.
يروي مفيد فوزي أنه أرسل «بدافع الوطنية والإصلاح» أربعة خطابات متتالية لمبارك عبر سكرتيره جمال عبد العزيز، يطلب فيها أن يسمح له باستئناف حواراته معه، لأن «الناس بتغلي في الشارع وأنا أسمع الناس، ولأني خدمت معك، أريد أن نجلس ونتحاور مثلما كنت ونساً للبيت المصري»، وكان يتأكد من سكرتير مبارك أنه قرأ الخطابات، وفي مرة طلب جمال منه أن يتصل بوزير الإعلام أنس الفقي لتحضير صيغة الحوار، فذهب إليه بنسخة من الأسئلة، وبعد أن قرأها الفقي قال: «لا دي تنكد عليه، أنا عاوز أسئلة بسيطة خفيفة فيها الفرفشة، قلت له يا أستاذ أنس من الصعب جدا في حوار يجلس معه صحافي مثلي له عمر طويل في الصحافة ورئيس الدولة، وهناك في البلد أشياء كثيرة وعشوائيات وزلزال ودويقة سقطت منها الصخور، هناك أشياء تريد الرئيس أن يضع نفسه في موقع المتعاطف المحب الذي يفكر في البسطاء، وليس في قضية السكان التي هي الموضوع الوحيد المفضل لديه، فقال لا حاول مرة أخرى إنك تعمل أسئلة ما تنكدش عليه هو مش ناقص»، ثم يضيف مفيد أن آخر خطاب أرسله يطلب لقاء مبارك لمناقشة ما يعاني منه الناس «لاستعادة الهدوء وإطفاء النار المشتعلة»، كان بعد يومين من حادث المحلة الكبرى الذي «كنت أعتبره بروفة للعصيان في مصر».
يستعيد مفيد فوزي ذكرى لقائه التلفزيوني الأول بمبارك، الذي كان متوتراً قبل الحوار، وحين سأل مفيد عن أول سؤال سيسأله له، قال مفيد إنه سيسأله «ماذا في بؤرة تفكيرك؟»، فرد عليه: «إيه بؤرة دي عاملة زي غرزة، اختار يا أخي كلمات أبسط من كده إنت مش بتكتب»، فاستبدل مفيد سؤاله بآخر يقول: «بتفكر إزاي في المصريين»، فقال مبارك «كده معقول». يرى مفيد أن ذلك الموقف يحسب لمبارك لأنه لم يقل على نفسه أنه مثقف، خصوصاً في بدايات حكمه، حين لم يكن يخجل من الاعتراف بعدم معرفته للأشياء، ويستشهد مفيد بلقاء ضم مبارك مع مثقفين مثل أحمد بهاء الدين وفكري أباظة ويوسف إدريس وسعد الدين وهبة، واستوقف مبارك بهاء ليسأله: «يا أخ بهاء من هم الخوارج، إيه معنى اللي انت بتقوله ده»، ثم يحمل مفيد سوزان مبارك مسؤولية السنوات العشر الأخيرة، التي كانت السنوات العاصفة لمبارك، بسبب رغبتها في توريث ابنها جمال، ثم يتحدث بغضب فات أوانه، عن مسلسل نهب الثروات، وعن قيامه بعمل تحقيقين تلفزيونيين لم يذاعا عن صفقة مشبوهة في أسوان، وعن مصنع آجريوم في دمياط.
بعيداً عن محاولة مفيد تثوير ماضيه العريق في الموالسة على فساد وقمع نظام مبارك، وأرشيفه موجود لمن يرغب، يظل أفضل ما في كتابه الحكايات الصغيرة التي يرويها عن مشاهير عصره، مثل ما حدث له مع يوسف إدريس، الذي قال له في حوار مسجل إنه يرى نفسه أقل من عادي، ثم غير رأيه بعد انتهاء التسجيل، وأصر على حذف ما قاله، واتصل برئيسة التلفزيون ليطلب منها وقف البرنامج قبل إذاعته بيومين، ولم يهدأ إلا بعد حذف ما قاله عن «عاديته»، ليتكرر غضبه من مفيد بعد حوار أجراه معه عقب حصول نجيب محفوظ على نوبل، قال يوسف فيه إنه أحق بنوبل التي منحت لنجيب لأسباب سياسية، وحين أُثار الحوار جدلاً كبيراً، لم يكذبه يوسف إدريس لكنه غضب من مفيد جداً.
في موضع آخر يحكي مفيد عن صداقة عبد الحليم وعبد الوهاب التي كانت تسمح لهما بشتم بعضهما بهزار». وعندما كانا يتشاتمان أمامي، لا أضحك ولا أبتسم ولا أبدي شيئاً من الجدية حتى لا يشعران بوجود غريب بينهما، وفي أغنية «من غير ليه» أذكر أن هناك شريطا فيه شتائم على سبيل الهزار، لا يمكن أن تذاع، ولكن البعض يفخر أن لديه هذا الشريط، الذي كان عبد الحليم يحتفظ به تحت وسادة سرير مرضه في لندن، وعندما مات كان أول تليفون طلبت فيه السيدة نهلة القدسي قرينة عبد الوهاب من مرافقي عبد الحليم عدم التفريط في الشريط لكي لا يذاع، وعندما وصلوا القاهرة سلموها الشريط لتضعه في خزانة شخصية، مع بعض الشرائط الأخرى التي فكر عبد الوهاب في غنائها ولم يغنها».
لا يحكي مفيد الكثير عن بداياته الصحافية، لكنه يشير إلى جلوسه تحت رجلي السيدة روز اليوسف ليكتب لها على الجبس: «أريد ربنا أن يشفيكي ويكون اسمي أكبر بنط 12 أسود»، وعن مشروع الخطبة الذي كان بين أحمد بهاء الدين والناقدة حسن شاه، لكن بهاء تزوج السيدة ديزي صليب «في تجربة إنسانية مثيرة»، وعن مشروع لم يكتمل للزواج بين الشخصية اللغز علي السمان والإذاعية سناء منصور، قبل أن يُصدم السمان بزواجها من أشهر أطباء العلاج الطبيعي، فيتزوج من الصحافية مها عبد الفتاح، ثم يطلقها، لأنها لم تطق أن يقول زوجها كلمة غزل لامرأة.
فيما يخص حياته العاطفية، يعترف مفيد فوزي بأن أول من عرّفته على دنيا المرأة كانت فتاة مسلمة اسمها عايدة، أما الحب الكبير في حياته قبل زوجته المذيعة آمال العمدة، فقد كانت (أشجان) التي علمته كيف يهتم بنفسه، فلا يقابلها إلا بعد غسل أسنانه عدة مرات، «وقبلها لم أكن أهتم بغسل أسناني»، وحين اتصل بها من مكتب إحسان عبد القدوس أخبرته بنت خالها، التي يذكر اسمها كاملاً بشكل غريب، أنها ستتزوج غداً من شخصية سعودية كبيرة، فيغمى عليه لمدة نصف ساعة، ويفيق ليعيش عذاباً لم يعرفه في عمره، خاتماً اعترافاته العاطفية بقوله: «لا أنساها وهي على بالي باستمرار في أي عمل ناجح تداعب خيالي، وكذلك في أي فشل تأتي على بالي».
كان الكتاب سيكون موفقاً وصادقاً مع النفس، لو تخلى فيه مفيد فوزي عن لعب دور الثائر، وخصصه لحكاياته مع المشاهير الذين عرفهم، واختار له عنوان «نصيبي من النميمة».

ـ «نصيبي من الحياة» ـ مفيد فوزي ـ الدار المصرية اللبنانية

٭ كاتب مصري

 

الثائر مفيد فوزي

بلال فضل

- -

3 تعليقات

  1. مراجعة لطيفة للكتاب ، لكن لا أرى مبرراً للقسوة في نقد إسم الكتاب ، و الإقتراح لتغييره

  2. مراجعة نقدية جيدة جدا، ليس بالضرورة ان تكون المراجعات من قبيل الانبهار والتمجيد ووو…بل من الموضوعية والحياد ان يتطرق الكاتب الى النقاط الايجابية والسلبية ويرجح الاكثر تأثيرا او بروزا في الكتاب وشخصية الكاتب…

  3. تحياتي لك مفتقدينك منذ زمن.يارب تكون راضي عن نفسك ككاتب وكمقدم برامج أتى بعد ثورة عظيمة.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left